Home » لبنان » الأخبار: أين دولار الـ3200؟

في حديث إلى “الأخبار”، قال النائب الأول السابق لحاكم مصرف لبنان، الدكتور حسين كنعان، إنه لا يمكن ضبط ‏سعر الدولار بالكرباج. هذا التعبير يختصر الموقف المنطقي من كل سياسات السلطات اللبنانية كافة إزاء كيفية التعامل ‏مع انهيار سعر صرف العملة الوطنية. وهو التوصيف الأدقّ لأوهام الحاكمين في لبنان حول كيفية إدارة الأزمة النقدية ‏والمالية‎.

المشكلة لم تعد محصورة في سرقات قائمة منذ عقود، ومستمرة، أو في عملية احتيال وتهريب للعملات الصعبة لا ‏تزال قائمة. المشكلة باتت متركّزة في العقل الذي يدير خلية الأزمة. وهي خلية لا تقتصر على “حزب ‏المستشارين”، كما يروّج رياض سلامة وسليم صفير وعسسهما من السياسيين والإعلاميين، بل تشملهما أولاً، ‏كما تشمل كل أصحابهما من جمعية المصارف والمستشارين المنتشرين في كل الأمكنة ممن لا يزال تمويلهم ‏قائماً. كما تشمل كل المسؤولين في الدولة اليوم، وكل القابضين على أرواح العباد من تجار المال والطعام ‏والخدمات‎.

مشكلة هذه الخلية أنها لا تتعامل مع الأزمة بوصفها التعبير الأكثر وضوحاً عن فشل النموذج القائم في لبنان، بكل ‏فروعه وأدواته التشريعية والسياسية والاقتصادية والقضائية والأمنية والإدارية. وهي لا تزال تتصرف مع ‏الأزمة على أنها “عوارض رشح” يمكن معالجتها ببعض المسكّنات والسوائل. وطالما بقيت تتصرف بهذه ‏العقلية، سنظل نسمع عن قرارات وخطوات كالتي صدرت بعد الاجتماعين، الرئاسي والوزاري الشهيرين، في ‏بعبدا، والتي أعلنها الرئيس نبيه بري للملأ بأن سعر الدولار سيُخفض الى حدود الـ 3200 ليرة… (تُرى من أقنع ‏داهية السياسة اللبنانية بهذه الخبرية حتى وقع في الخطأ؟‎).

مشكلة هذه الخلية أنها تصرّ على أنها قادرة على معالجة الأزمة. بعض أركانها تواضعوا قليلاً، وأقرّوا ‏بمسؤوليتهم عن “جانب” من الأزمة. لكن هؤلاء، ومعهم من ينكرون دورهم، يصرّون على أن الحل بيدهم. وإذا ‏ما دعاهم أحد إلى التنحّي جانباً، صرخوا بأن التوازنات في البلاد لا تسمح بتغييرات جوهرية في شكل السلطات ‏المنتخبة لتشكيل سلطات تدير مؤسسات البلاد. وعندما يتمسك زعيم بمناصبه كافة، فإن موظفاً بارزاً سيتصرف ‏هو أيضاً على قاعدة أن ليس بالإمكان إطاحته. فكيف الحال وآلية عمل السلطات النافذة في ملف التعيينات الإدارية ‏والمالية وإدارة مؤسسات الدولة، لا تزال تتمّ بالعقلية نفسها والأدوات نفسها؟‎

يعرف الجميع، من البسطاء الى كبار الخبراء، أن أساس مشكلة العملة الوطنية هو النقص في كمية الدولارات. ‏وهو نقص قائم ومستمر منذ تسع سنوات على الأقل، ولا يرتبط فقط بتقلص حجم ما يدخل من هذه العملات الى ‏لبنان، بل بحجم ما يخرج منها الى خارجه. وأسباب الخروج معروفة للجميع أيضاً. لكن أبرزها يتعلق بآلية إنفاق ‏واستهلاك الدولة بقواها النافذة وبشعوبها أيضاً. وإذا لم تبادر السلطات المعنية الى التدخل غصباً في آلية استهلاك ‏الدولة وآلية استهلاك اللبنانيين، فسيكون من الصعب انتظار علاج جدي لعمليات خروج العملات الصعبة من ‏لبنان‎.

في كل مرة، تجتمع فيها الحكومة لمناقشة الملف النقدي والمالي، نتخيل أن رئيس الحكومة سيدعو الى الاجتماع مع ‏الجهات المعنية بالجمارك، ليسمع منهم عن بنود الاستيراد بكل تفاصيلها من دون أي استثناء، وأن يكون مع ‏وزرائه في موقع الشجاع الذي يقرر منع استيراد هذا وذاك وذلك من المواد تحت أي حجّة. وأن على اللبنانيين أن ‏يتوقفوا عن شراء الحاجيات التي تجعلهم يتوهمون أنهم في مصاف الشعوب المتقدمة، وأن تقول الحكومة، جهاراً ‏ونهاراً، إن المنع لا يخص الفقراء، بل يخص أساساً الذين يملكون المال ولا يدفعون ضريبة عادلة، وأولئك الذين ‏يهرّبون أرباح توظيفاتهم المالية غير المنتجة الى الخارج. ويمكن للمرء أن يتخيّل ــــ فقط أن يتخيّل ــــ أن الحكومة ‏اتخذت قرارات منعت بموجبها استيراد نصف ما يستورده اللبنانيون اليوم، وليزعل من يريد أن يزعل، وليغضب ‏كل من يغضب من جماعة الاقتصاد الحر والحرية الفردية وخلافه من زعبرات اللبنانيين، الذين ينتجون أقل مما ‏تنتجه أكثر دول أفريقيا فقراً، لكنهم يريدون العيش كأنهم في النروج‎!

الحاكمون على أنواعهم، يتسلّون بنا يومياً، ولا يملّون‎.‎
‎هم يقرّرون دعم الناس ببضع ليرات ولا يجيدون إيصالها الى المستحقين فعلاً. كأنهم لا يعرفون أنه يمكن فتح ‏حسابات للمحتاجين في المصارف، ويودعون فيها الحصص المالية المقررة، من دون الحاجة الى إرسال الجيش ‏لتوزيع الأموال وفتح البازار السياسي وخلافه‎.

هم يتخلّون عن دور مؤسساتهم، لكنهم يكلفون جيش الصرافين، وتلامذة المصارف في عالم الاحتيال لتولي إدارة ‏السياسة النقدية في لبنان، ويطلبون منهم تحديد سعر العملة أيضاً، ويتركون لهم إصدار التعاميم التي تتيح البيع ‏والشراء، قبل أن يودعوا الغلّة آخر النهار في المصارف نفسها‎.

هم يتخلّون عن دور الرعاية، ويتركون لحفنة من المرابين أن يقرّروا كيفية تصرف الناس في خدماتها العامة، وفي ‏آلية التعليم والاستشفاء والسفر‎.

هم يتركون لحفنة من النصّابين التحضير لعملية رفع السعر الرسمي للدولار الى نحو خمسة آلاف ليرة لإعادة نفخ ‏الهواء في بالون الحسابات المصرفية الفارغة إلا من أرقام، ولإعادة إنتاج دورة مالية ونقدية هدفها امتصاص ما ‏بقي في جيوب الناس‎.
هم يتركون لموظفين، برتبة مديرين عامين أو وزراء، إدارة المصالح التاريخية لجيش أصحاب الاحتكارات ‏الكبرى، ولجماعة تبييض الأموال المسروقة من الدولة، ولجماعة الاقتصاد (النهب) الحر، لكي يقرروا استمرار ‏عملية التدمير‎.

هم لا يجرؤون على عقد جلسة حكومية أو نيابية واحدة تناقش السياسة الضريبية، أو تناقش آلية فرض الرسوم ‏على الفئات الاجتماعية بحسب قدراتها الإنتاجية، لكنهم لا يتورّعون عن التفكير في وقف دعم حاجات الناس ‏المركزية من قمح ودواء ومحروقات‎…
هل هناك حل مع هؤلاء؟‎

لا بالتأكيد، لا حلّ معهم ولا من عندهم، وما صبر الناس على نفسها إلا خشية من فوضى مدمرة بعد اختطاف ‏زمرة عملاء لأحلام الشباب المتظاهر، وفي ظل رقابة اجتماعية غير مسبوقة باسم الدين والطائفة والجماعة، ‏وهي رقابة تفسح في المجال فقط، أمام المشعوذين لإبداء الرأي. أما أصحاب العلم والحكمة، فهم مرذولون بحكم ‏كونهم من أصحاب الأفكار البائدة‎!‎
‎ ‎

إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولة عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com