Cedar News
أخبار لبنان والعالم

قراءة سياسية أولية في «نتائج الانتخابات».. ماذا عن اليوم التالي؟

لادي في مؤتمر صحافي تعرض تقريرها الأولي عن الانتخابات النيابية (محمود الطويل)

طويت صفحة الانتخابات النيابية وفتحت صفحة مرحلة جديدة.. عاصفة الاستحقاق النيابي مرت بسلام وبدأ على الفور هاجس الاستحقاقات الآتية المتلاحقة، وأبرزها الاستحقاق الرئاسي الذي سيجري أيضا على أنقاض دولة وشعب، وعلى وقع أزمة شاملة تفاقمت ماليا واقتصاديا واجتماعيا، وتتعمق سياسيا ووطنيا بعد الانتخابات التي لم تخل من مفاجآت كان أبرزها الفوز المدوي للقوات اللبنانية التي تصدرت النتائج وباتت من اليوم فصاعدا تمتلك أكبر كتلة نيابية على المستويين المسيحي والوطني.. وأما الاستنتاجات والخلاصات الأساسية من هذه الانتخابات في قراءة سياسية أولية، واستنادا الى النتائج والأرقام شبه النهائية، فهي:

1- يسجل للحكومة أنها نجحت في تنظيم وإجراء انتخابات بحد أدنى ومقبول من المشاكل والمخالفات، وفي ظل حد أقصى من الأزمات والضغوط التي وضعت الحكومة أمام تحد جدي واختبار اجتازته بنجاح.

فرغم الإمكانات المالية والإدارية المتواضعة، ورغم الشكوك والهواجس التي رافقت الانتخابات حتى اليوم الأخير، جرت الانتخابات المراقبة دوليا وكان النجاح الأبرز فيها على المستوى الأمني، اذ جرت في ظل أمن ممسوك ووضع تحت السيطرة، ووسط انتشار نحو مائة ألف عنصر من الجيش وقوى الأمن على الأرض.

هذه ثاني انتخابات ناجحة تجري في عهد الرئيس ميشال عون، وهذه ثاني انتخابات ناجحة تجري في ظل حكومة انتقالية يرأسها الرئيس نجيب ميقاتي، وكانت المرة الأولى في العام 2005 في ظل أزمة كبيرة ووضع متفجر بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وهذه المرة في ظل أزمة كبيرة أيضا وبعد اغتيال سياسي للرئيس سعد الحريري.

2 – نسبة المشاركة الشعبية في الانتخابات رست على 41% تقريبا، وهي نسبة ضعيفة مقارنة بنسبة الاقتراع في دورة الـ 2018، وقياسا لحجم النقمة الشعبية التي اندلعت شرارتها في تشرين 2019، وكان من المفترض أن تترجم في صناديق الاقتراع.

ولكن هذا لم يحصل وحالت دونه أسباب متعددة أبرزها:

  • جمهور الثورة والتغيير أحجم بنسبة ملحوظة عن المشاركة، لاسيما على الساحة المسيحية، بعدما وجد أن قوى المعارضة منقسمة على نفسها، وبعدما لم يجد «البدائل المقنعة»… وفي دوائر محددة ومحدودة توحدت فيها قوى المجتمع المدني وتوافر فيها «بديل مقنع»، تحقق الفوز والخرق، مثل الشوف عاليه ومرجعيون حاصبيا وبيروت الأولى والثانية.
  • التراجع في التصويت السني، خصوصا في عكار وطرابلس، نتيجة انسحاب تيار المستقبل وما أحدثه ذلك من حالة بلبلة وضياع في الشارع السني.
  • التراجع في التصويت الشيعي أيضا، وهذا ما شكل احدى مفاجآت الانتخابات.
  • تصويت المغتربين الذين في أكثريتهم من المهاجرين حديثا في السنوات الأربع الأخيرة، وتصويتهم اقتطع من نسبة انتخابات 2018 وساهم في خفضها.

3 – الرابح الأكبر في انتخابات – 2022 هو حزب القوات اللبنانية ونجم الانتخابات هو سمير جعجع. فالقوات اللبنانية حصدت أكبر كتلة نيابية في مجلس النواب، وفوزها فاق التوقعات التي أعطتها 18 مقعدا، في حين أنها نالت 20 مقعدا (من دون احتساب الحلفاء وأولهم كميل دوري شمعون) مع تسجيلها مفاجأة الفوز بمقعد طرابلس الماروني والحصول على مقعد ثالث في الأشرفية، في حين أن اختراقها للمرة الأولى محافظة الجنوب من باب جزين (مع المقعد الكاثوليكي للدكتورة غادة أيوب) كان في دائرة التوقعات.

ولكن يبقى أن المعركة الأكثر حماسة وحماوة ومضمونا سياسيا كانت معركة الاحتفاظ بالمقعد الماروني في البقاع الشمالي (بعلبك الهرمل) وتكرار الاختراق الصعب والنوعي في دائرة يحكم حزب الله سيطرته عليها وتعد احد أبرز معاقله الشعبية في لبنان.

حققت «القوات» فوزا واضحا من دون تحالفات وحلفاء وبقوتها الذاتية، ومن دون الحاجة الى تيار المستقبل وحليفه سعد الحريري، أو ربما صبت مقاطعة الحريري في خدمة القوات التي اقتنصت اللحظة وشبكت مع حلفاء سنة جدد في طرابلس وعكار والبقاع.

ويمكن القول ان انتصار القوات في هذه الانتخابات، وفي أول انتفاضة شعبية لها منذ نهاية الحرب التي اشتهرت فيها بالانتفاضات العسكرية، هو المعطى الجديد الذي طرأ على المشهد النيابي وعلى المعادلة السياسية، ومن شأنه أن يخلط الأوراق والحسابات، وأن يكون له الأثر الواضح على المرحلة المقبلة واستحقاقاتها السياسية والدستورية، بدءا من الاستحقاق الرئاسي وما يليه.

4 – الخاسر الأول في الانتخابات هو الرئيس سعد الحريري الذي صار سياسيا وعمليا خارج البرلمان والمعادلة ولعبة الحكم والمعارضة.

فمن جهة خسر المستقبل كتلته النيابية التي احتكرت التمثيل والقرار السني على مدى ثلاثين عاما، ومن جهة ثانية خسر الحريري معركة المقاطعة السنية، خصوصا في بيروت التي جاءت نسبة المشاركة فيها مماثلة لتلك التي سجلت في انتخابات 2018، والتي شارك فيها تيار المستقبل، وبما يعني عمليا أن عدة قوى وشخصيات سنية سارعت الى ملء فراغ المستقبل ونجحت في الحفاظ على نسبة اقتراع سني مقبولة وكافية لإضفاء شرعية سنية «ميثاقية» على الانتخابات، خصوصا أن نسب التصويت عند الطوائف الأخرى لم تكن مرتفعة أيضا.

ولكن الأهم والأسوأ في خسارة الحريري أنها تنسحب على الطائفة السنية، وهي الطائفة الأكثر تضررا وخرجت من هذه الانتخابات «مثخنة» بالجراح والانقسامات.

ولعل أكثر ما سيميز البرلمان الجديد هو حالة «التشتت والتبعثر» في المشهد السني الموزع بين مجموعة كتل وقوى صغيرة ومتناثرة لا يتوافر فيها «مركز ثقل وتحكم»، خصوصا أن الرئيس فؤاد السنيورة لم يحرز النجاح المرتقب منه ولم ينجح في قيادة الوضع الشعبي، وان نجح في قيادة الموقف السياسي.

5 – حزب الله لم ينجح في الحصول على المشاركة الشيعية «المرجحة والكاسرة للتوازن» التي كان يسعى ويطمح اليها، رغم حالة التعبئة الواسعة التي قام بها ووصلت حد الحديث عن عملية تطويق وإضعاف عبر الانتخابات، ورغم الجهود الحثيثة التي قام بها السيد حسن نصرالله عبر اطلالات متلاحقة ومساهمة مباشرة في تحفيز المشاركة الشيعية، مستخدما رصيده الشخصي.

حزب الله الذي يمتلك «فائض القوة» العسكرية خاض الانتخابات بـ «ناقص ثقة» بالنفس، ولم يخرج بالنتائج التي توقعها والأهداف التي رسمها.

وهذا لم يكن ناجما عن ضعف حلفائه والفجوة التي كان عليه أن يسدها، وإنما أيضا عن عدم تفاعل الشارع الشيعي بالدرجة التي كانت تحدث في السابق، وحيث ظهرت تأثيرات الأزمة الاقتصادية والمالية، الاجتماعية الحياتية، على مزاجه وسلوكه وترجم في انكفاء ملحوظ عن التصويت.

وهذا الوضع الجديد يدخل في حزب الله في مرحلة مراجعة الحسابات والأوضاع والخطط والسياسات، بدءا من أوضاع الطائفة الشيعية، وصولا إلى تحديد كيفية التعاطي مع الوضع المسيحي الجديد، وفي ظل مشهد سياسي يختصر الصراع والمواجهة بين فريقين: فريق يقوده الحزب وفريق تتصدره القوات، وفي ظل اختلال التوازن المسيحي لمصلحة القوات، وللمرة الأولى منذ العام 2005 أو منذ الطائف.

6 – التيار الوطني الحر خرج خاسرا من الانتخابات لمجرد أنه خسر مركز الصدارة وانكشف وضعه الشعبي عن تراجع ملحوظ.

ولكن «التيار» خرج خاسرا و«بالنقاط» ولم يخرج مهزوما و«بالضربة القاضية»، فمن جهة مازال يحتفظ بكتلة نيابية وازنة بغض النظر عن العوامل التي مكنته من ذلك، وخصوصا لجهة الدعم الذي حصل عليه من حزب الله والمقاعد في الأطراف عوض بها عن مقاعد خسرها في المركز (جبل لبنان).

ومن جهة ثانية نجح رئيس التيار النائب جبران باسيل في الإفلات من خسارة موجعة كانت لتلحق به لو لم يفز في معركة البترون محتفظا بمقعده الثمين الذي يساوي كل مقاعد التيار.

ويمكن القول إن خسارة التيار وتراجعه كان في دائرة التوقعات، وأنه لأمر طبيعي أن يخرج من انتخابات 2022 بهذه النتيجة بعد ثلاث سنوات من الأزمات، وهجمات داخلية وضغوط سياسية وشعبية وعقوبات خارجية، وبعد انتفاضة شعبية صوبت عليه كهدف أول، ومع انتخابات تجري في نهاية العهد، العهد الذي جرى تحميله مسؤولية الأزمات المتراكمة منذ سنوات وعقود وانفجرت في وجهه، وفي ظل «رئيس ذاهب» بدأ العد العكسي لمغادرته قصر بعبدا، ولا ننسى أنه «الرئيس المؤسس والقائد لـ «تيار» حمل اسمه وارتبط بشخصه.

جبران باسيل الذي دفع ثمن أخطائه والأزمة العامة، هذه الانتخابات كشفت من جهة تراجع التيار ورئيسه وكرست من جهة ثانية الصراع السياسي الدائر بين القوات والتيار كأكبر كتلتين وقوتين على الساحة المسيحية، ولكن مع تبادل المراتب وحصول تغيير في المرتبة الأولى، إضافة إلى حصول تغيير على الخارطة السياسية مع دخول لاعب جديد هو «القوة الثالثة» التي تضم كل القوى والشخصيات الحزبية والمستقلة خارج القوات والتيار وتندرج في خانة المعارضة.

7 – أظهرت مجريات العملية الانتخابية أن الساحة المسيحية هي الساحة التي شهدت المعارك والمواجهات الأصعب والأهم، التي ظهرت متمتعة بمواصفات الحيوية السياسية والمنافسة الديموقراطية والتنوع، في وقت كانت الساحات والطوائف الأخرى اما تخوض انتخابات محسومة سلفا (الساحة الشيعية)، أو انتخابات باهتة مقطعة الأوصال (الساحة السنية)..

ومن جملة ما أظهرته الجولة الانتخابية أيضا:

  • ان الأحزاب السياسية بمجملها ردت اعتبارها الشعبي ومعها عاد «نوابها» إلى حاضنتهم وبيئتهم الشعبية مع طي «صفحة الثورة» التي تميزت بعمليات المطاردة للنواب والتشهير بالأحزاب.
  • ان قوى التغيير والمجتمع المدني حققت خرقا ثمينا في دائرة مرجعيون – حاصبيا مع حصولها على مقعد نيابي (المقعد الأرثوذكسي) حازه د.إلياس جرادي، خصوصا أن هذا المقعد شغله واحتكره لسنوات طويلة النائب أسعد حردان رئيس الحزب القومي السوري والرجل الأقوى فيه، كما حققت هذه القوى خرقا نوعيا في الشوف عاليه الدائرة التي كانت مقفلة على يد الثنائي الدرزي (جنبلاط – ارسلان) وربما تشهد مفاجأة كبرى مع فوز المرشح المغمور مارك ضو وانتزاعه مقعد النائب طلال ارسلان، خصوصا أن ترنح وضع ارسلان ترافق مع سقوط وئام وهاب للمرة الثانية على التوالي، وهو الذي كان يطمح الى تكريس وضعه كطرف ثالث في المعادلة الدرزية فيما لو نجح في كسب معركة المقعد الدرزي الثاني في الشوف وإزاحة مروان حمادة.
  • من المفاجآت التي أسفرت عنها الانتخابات:
  • فوز القوات بالمقعد الماروني في طرابلس في أول «اختراق» ودخول الى عاصمة الشمال التي كانت مقفلة في وجهها.. يضاف الى ذلك الخرق الذي تحقق في جزين ودخولها الجنوب لأول مرة، والإضافات التي حدثت في مقاعد الأشرفية والمتن والكورة.
  • حلول نعمة افرام في المركز الأول في كسروان بما تمثله من مركز ثقل، ومن دائرة مارونية «صافية» وما تعنيه من قيمة سياسية ورمزية مضافة في حسابات المرجعية.
  • الاستقرار في وضع كتلة الكتائب مع تقدم طفيف مقعد كسروان لـ «سليم الصايغ». والتراجع أيضا في وضع كتلة «المردة» مع تراجع طفيف من كتلة من خمسة نواب في برلمان 2018 الى كتلة من ثلاثة في برلمان 2022.
  • احتفاظ الثنائي الشيعي «أمل» وحزب الله بالكتلة النيابية والحصة الشيعية الشاملة (27 مقعدا)، ولكن مع انخفاض في كتلة «الأصوات الشعبية» مقارنة بما كانت عليه الأرقام في السابق.
  • على الساحة السنية، تتوزع الخارطة بين نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة وفؤاد مخزومي وأشرف ريفي، الأحباش (جمعية المشاريع) والجماعة الإسلامية، إضافة إلى ما تبقى من «المستقبل».

ويمكن الخروج باستنتاج وسؤال: الاستنتاج الأساسي أن «انقلابا» قد حدث على الساحة المسيحية، حيث إن التسونامي القواتي للعام 2022 يذكر بالتسونامي العوني للعام 2005.. والسؤال: ماذا عن اليوم التالي وعن الانتخابات وعن المرحلة المقبلة، هل تكون نتائج الانتخابات سببا في تصعيد وتأزيم الوضع أكثر، وفي نقل الأزمة إلى مصاف أزمة سياسية ووطنية، أم تكون سببا في إعادة تكوين السلطة وإعادة ترتيب الوضع على أسس جديدة، وعلى قاعدة تسوية جديدة انطلاقا من الانتخابات الرئاسية المقبلة؟!

مسؤولية الخبر: إن موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً او مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.
مواضيع تهمك

Comments are closed.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More