Home » lebanon » الان عون: الحكومة لن تستحق الثقة الا بعد تجاوزها امتحان الرقابة والمساءلة من النواب

استهل النائب آلان عون مداخلته في جلسة مناقشة البيان الوزاري بالقول: “إسمحوا لي أولا أن أتوقف عند موضوع حصل في الجلسة الأخيرة ولا يمكنني أن أغيب عنه لا كشخص ولا كتكتل ولا كتيار وطني حر. كلنا نعلم أن اللبنانيين غير قادرين أن يكتبوا كتاب تاريخ واحد بحكم إنهم كانوا بغالبيتهم أطرافا منقسمة ومتواجهة خلال فترة الحرب، وجل ما تمكنا أن نفعله هو ليس أن نتفق على التأريخ بل بالحد الأدنى أن نتجاوز تلك المرحلة ونطوي صفحتها. وكلما أراد أحدنا فتح تلك الصفحة، هذا يعني أننا نفتح مشروع إشكال وصدام، نحن بغنى عنه. هناك مواضيع حالية بما فيه الكفاية نختلف عليها، ولسنا بحاجة لنستحضر مواضيع إضافية من الماضي”.



أضاف: “كلامي اليوم أريد توجيهه إلى جماهير كل فريق بقدر ما هو موجه لنا كمسؤولين سياسيين في مجلس النواب أو الحكومة لأن مسؤوليتنا نحن هي أن نزين بشكل دقيق كل خطوة أو كلمة أو ردة فعل إنفعالية نقوم بها وما قد تسبب. وعندما تنظرون الى الحرب الأهلية المعيبة التي تدور على مواقع التواصل الإجتماعي منذ يومين، ستفهمون بدقة ماذا أعني”.

وتابع: “ما أريد أن أقوله للجميع، هو ان حقنا جميعا أن ننتقد بعضنا البعض وحقنا كلنا أن نختلف بالسياسة، لا الرئيس الشهيد بشير جميل هو فوق الإنتقاد في مرحلة حياته ولا أيضا الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ولا الرئيس ميشال عون ولا الرئيس نبيه بري، ولا الرئيس سعد الحريري، ولا السيد حسن نصرالله وغيرهم وغيرهم فوق الإنتقاد. ما لا يحق لإحد إطلاقا أين ما وجد أكان على المنابر أو على مواقع التواصل الإجتماعي هو أن يتعرض بإهانة والتجريح لأي كان من أخصامه، أكان هذا الخصم على ذوقه أم لا. هناك حد أدنى من الإحترام والمسؤولية يجب أن نحافظ عليه. كلنا لدينا مقدسات وشهداء، دعنا لا نقترب أو نتعرض لمقدسات بعضنا البعض وإلا سندخل عالم الكرامات وعزة النفس والأديان حيث تتغلب الغرائزية دوما على العقلانية”.

وأردف: “بشير الجميل أحد رموز شريحة كبيرة من اللبنانيين، أحد شهداء لبنان ورئيس سابق للجمهورية، أي تعرض له -باستثناء النقد السياسي المشروع- هو تعرض لمقدسات بيئة ومكون أساسي من الشعب اللبناني وهو طعن بالوحدة الوطنية لان لا شي إسمه وحدة وطنية في ظل عدم احترام خصوصيات أو مقدسات كل المكونات لبعضها البعض. وعندها، لا تبقى القضية محصورة بحزب أو جهة سياسية معينة بل تتحول الى قضية مجتمع بكامله يعتبر نفسه معنيا ومستهدفا بها وما يصح على بشير الجميل يصح طبعا على رموز وشهداء كل المكونات الأخرى”.

وقال: “النقطة الثانية، لها علاقة بالرئيس ميشال عون الذي قيل انه وصل ببندقية المقاومة. كان ممكن ترك هذا الكلام بإطاره المجازي من دون أن تحصل كل تلك الحملة من التأويل، إنما النية الحسنة عند الزميل الذي قاله تقابلها إنطباعات خاطئة عند كثيرين في الرأي العام وتقابلها إستغلالات في بعض الأوساط السياسية. التيار الوطني الحر لم ينكر قطعا جميل حزب الله في وصول العماد عون الى الرئاسة، والى جانب قوى أخرى، اعترفنا أن كان له فضل كبير جدا وحاسم في هذا الوصول، إنما الرئيس ميشال عون وصل من خلال عملية سياسية صرف لم يكن لأي سلاح أو بندقية دور فيها. هو وصل بإرادة ناسه أولا الذين أعطوه حجما نيابيا كبيرا وشرعية ميثاقية، ثم بدعم من نواب حزب الله ونواب حلفاء آخرين وقفوا معه في معركة نصاب الثلثين من ضمن كباش سياسي ميثاقي أوصل بعد سنتين ونصف الى انضمام أفرقاء آخرين تباعا الى هذا التأييد. الموضوع بهذا الوضوح وهذا حجمه، لا حاجة لأن يذهب أحد الى بعيد في تفكيره وأن يتعذب بالتحريض ودق اسفين بخصوصه”.

أضاف: “للمرة الرابعة او الخامسة منذ انتخابي نائبا سنة ال2009، أقف لمناقشة بيان وزاري للحكومة اللبنانية لكن نكهة هذه المرة هي الأكثر مرارة لأنها أكثر مرة نعيش فيها هذا الحجم من الهوة بين كثير من اللبنانيين والسياسيين وهذا الكم من الإحباط واليأس في نفوس الكثيرين. وأي تنكر لتلك الحقيقة هو إمعان في العيش بحالة نكران للحقيقة (state of denial) لن تسمح لنا بالقيام بالعلاجات المطلوبة. يكفي أن ينظر كل واحد منا الى التعليقات التي تحصل من المواطنين كلما تفوه بتغريدة ليرى حجم الحقد والكراهية الذي ينمو ضد الطبقة السياسية والذي يطيح “المنيح بضهر الوحيش”. فمن الشجاعة الإعتراف أن شعار “إستعادة الثقة” الذي حملته الحكومة السابقة فشل الى حد كبير -رغم بعض إنجازاتها التي لا يمكن لأحد نكرانها- وهذا يتطلب مراجعة نقدية للمسار السياسي الذي عطل الإنتاجية المنشودة والذي يجب تعديله اذا كنا نريد فعلا أن تكون الحكومة الحالية أكثر نجاحا”.

وتابع: “لماذا أتكلم عن انعدام ثقة عند كثيرين؟ لأنه تبين أولا في نسبة الإقتراع في الإنتخابات النيابية الأخيرة، واستمر بالسلوك خلال مفاوضات تشكيل الحكومة التي زادت الإحباط لدرجة أن تشكيل الحكومة لم يشكل صدمة إيجابية كبيرة كما كان مفروضا أن تكون بقدر ما شكل مجرد إرتياح وتنفس الصعداء من دون إنتظارات كبيرة عند الناس. طبعا أنا ضد السلبية المتسرعة عند البعض ومن المبكر إطلاق النار على الحكومة ومن الظلم إدانتها أو الحكم عليها بالإعدام منذ الآن. حقها أن تأخذ فرصتها كأفراد وكمجموعة، ولا أقول هذا الكلام من باب التشاؤم بقدر ما هو للتحفيز على التحدي الكبير الذي ينتظرنا. إنما نصيحتي للوزراء الجدد والمتجددين منعا لخيبات أمل كبيرة: بعض التواضع في التوقعات يفيد أكثر من غياب الواقعية عند البعض، فجزء من أسباب الفشل في التجارب السابقة ناتج إما عن سوء تقدير للظروف أو سوء تقدير للشركاء في الحكم، أو عن سوء معرفة بالنظام السياسي وآلياته وحدوده وإما عن ثقة مفرطة في الذات واستخفاف بالآخرين تؤدي الى إخفاقات حتمية”.

وأردف: “آخر مثل على هذا الشيء كان مسلسل تشكيل الحكومة الذي كان ضحية كل هؤلاء في نفس الوقت: سوء تقدير للظرف السياسي، سوء تقدير لقدرة الآخر، إستخفاف بالبعض الآخر والأسوأ عدم إدراك بحدود النظام السياسي. كيف يمكن أن نضمن للناس أننا لن نعود إلى هكذا أزمات كي يعيدوا الثقة فينا وهم إستبشروا خيرا منذ تسوية 2016 وإذا بنا نخيب آمالهم مجددا ب9 أشهر من التأزيم؟”.

وقال عون: “تشكيل الحكومات: كيف؟ فليوقف أولا البعض إستنسابية فهم وتفسير إتفاق الطائف. من يريد إدارة شركة عليه أن يعرف ماذا فيها وطريقة عملها، كيف بالحري إذا كانت دولة ونظاما سياسيا. من سعى وارتضى بالطائف وهذه حالتنا كلنا عن قناعة إما طوعية، إما آمنة -توصيفات دارجة هذه الأيام- فهو إرتضى أن يذهب إلى هذا النظام الطوائفي التشاركي التوافقي الذي تصعب كثيرا إدارته. فلقد سعوا وإرتضوا أن يذهبوا الى هذا النظام الطوائفي التشاركي التوافقي ويلوموا صعوبة إدارته. وركبوا نظاما في الشكل هو مؤسسات إنما في المضمون والواقع هو طوائف تتقاسم نفوذ الجمهورية. ركبوا نظاما في الشكل فيه مواقع رئاسات إنما في المضمون والواقع ليس لأي رئيس إمرة على المؤسسة التي يرأسها. فلا يمكن لرئيس جمهورية أو رئيس حكومة أن يأمر وزيرا، ولا يمكن لوزير أن يمس بمدير عام وبعدها لا تستغربون أن النظام صعب ومعقد”.

أضاف: “ركبوا نظاما ينص في الشكل على صلاحيات إنما في المضمون والواقع لا يمكن ممارستها بالمعنى الحرفي إلا مشروطة بالميثاقية مع كل ما يعني هذا الشيء من إعطاء حق النقض لكل مكون في عملية تشكيل السلطة وكل الأمور الأساسية. هذا كله يضعنا أمام مفترق: إما طريق سريعة لإنجاز إستحقاقاتنا إذا إستوعبنا حدود اللعبة، إما طريق طويلة وشاقة إذا تنكرنا للواقع السياسي والميثاقي لنظامنا. لعبة تشكيل الحكومة هي لعبة توازنات قوى، يجب أن يتقن المرء لعبها لا أن يسيء حساباتها وقوة كل فريق في تلك اللعبة مرتبطة بأحد الأمور: رئيس الجمهورية بتوقيعه، رئيس الحكومة بتكليفه، الكتل السياسية بأحجامها، والتي تحتكر تمثيل طائفتها بميثاقيتها وحق النقض الخاص بها. هذا الكلام ليس إنتقاصا من أهمية أحد بل لكي نعود الى قراءة واقعية لنظامنا بدل المقاربات النظرية للصلاحيات”.

وتابع: “المواقع والرئاسات على أهميتها الكبيرة إنما هي تبقى جزء من تقاسم النفوذ بين الطوائف وليست بمثابة سلطة من رئيس على الآخرين. أما الدستور فهو عملية توزيع متوازنة للصلاحيات بين تلك الرئاسات والمؤسسات التي يرأسوها. كل واحد يحسن شروطه في اللعبة ولكن ليس لأحد قدرة الحسم وحده فيها. أعجبنا أم لا، هذا هو الواقع. هذا الطائف. من أطاح بالجمهورية الأولى حين كان هناك رأس وازن واحد وإستبدلها بفيديرالية الطوائف عليه وقف النحيب والقبول بما جنت يداه. إن شاء الله في المرة المقبلة، تصبح قواعد اللعبة واضحة للجميع كي نختصر الوقت في تشكيل الحكومة”.

وقال عون: “لكن كي لا نبقى في المبادىء، نقطتان عمليتان أود إقتراحهما لتسهيل التشكيل في المستقبل: أولا، تحديد حصص الكتل المشاركة في الحكومة وفقا لمعيار موحد نسبة لحجمها التمثيلي النيابي. وثانيا إقتراح تحفيزي لتسريع التشكيل. طبعا كان من الأفضل والأسهل أن نحدد مهلة زمنية ملزمة للتشكيل إنما هذا موضوع سيوضع في خانة تغيير التوازنات بين الطوائف وبين الرئاسات. لكنني سأتقدم بفكرة إقتراح لتعديل الدستور تقوم على التالي:

– حتى شهرين منذ تاريخ التكليف، تحتاج الحكومة الى النصف زائد واحد لنيل الثقة.

– من شهرين الى أربعة أشهر منذ تاريخ التكليف، تحتاج الحكومة الى ثلثي المجلس لنيل الثقة.

– من أربعة أشهر وما فوق منذ تاريخ التكليف، تحتاج الحكومة الى ثلاث أرباع المجلس لنيل الثقة”.

أضاف: “هكذا، من جهة، لم نقيد رئيس الحكومة بمهلة زمنية محددة مراعاة لتوازن الصلاحيات، ومن جهة أخرى، نضغط على جميع المكونات للاسراع في التشكيل وتسهيله لأن حسابات الثقة تختلف كلما إتسعت رقعة من يحق لهم بالتصويت. هذه فكرة جديرة بالدرس قبل التسرع في الحكم عليها، لا تنتقص من صلاحية أحد بل تضع الكل أمام مسؤولياتهم للاسراع في تشكيل الحكومة وهذه خطوة نحو جعل استحقاقاتنا تجري بشكل شبه تلقائي بدل التخبط في أزمات نظام طويلة”.

وعن الوضع الإقتصادي، قال: “نصل إلى النقطة الثانية، وهي الوضع الإقتصادي وهو اليوم التحدي الأكبر والهم الأساس عند الناس والسبب الأول لإحباطهم وإبتعادهم عن الطبقة السياسية. فمهما حاولنا ونجحنا في تحسينات وإصلاحات على صعيد الدولة وعملها ومؤسساتها وإداراتها وأجهزتها وقضائها، سيبقى الوضع الإقتصادي طاغيا على كل المواضيع الأخرى وسيبقى المعيار الأساس الذي سيحكم الناس علينا به. فما نفع اللوحة الجميلة على الحائط في البيت اذا كان البراد فارغا؟ ما يهم الناس هو ما يبقى في جيوبهم في آخر الشهر. ومن يقرأ البيان الوزاري يرتاح لدرجة الوعي والأهمية المعطاة لهذا الملف إنما تبقى العبرة في التنفيذ. على سبيل المثال، في ظل أزمة خانقة في ما يخص الإسكان، يتكلم البيان الوزاري بجملة عن الموضوع من دون أي تفصيل تنفيذي ودون أن تخصص الحكومة وزارة دولة للاسكان كانت أهم من وزارات دولة أخرى ولكن بجميع الأحوال، أقترح تعويضا أن يشكل جسم مركزي يجمع بين الدولة والقطاع الخاص لوضع وتنسيق سياسة إسكانية مدروسة”.

أضاف: “إنما سؤالي الطارىء الآن هو ماذا ستفعل الحكومة وكيف ستحل مشكلة تطبيق قانون ال100 مليار الذي صوتنا عليه كمجلس نيابي لدعم قروض الإسكان والذي ما زال عالقا من دون إتفاق يسن مؤسسة الإسكان والمصارف التي لا تلائمها شروط التسليف؟ نقطة أساسية أخرى أريد التركيز عليها: في السنين الماضية ورغم أزمات سياسية كبيرة وشلل مؤسساتي مزمن، ظل الوضع الإقتصادي جيدا وحيويا رغم حالة الدولة السيئة. وهذا لم يكن ليحصل لولا القطاع الخاص الذي يبقى المحرك الإقتصادي وخالق فرص العمل الأول في لبنان. لكن حين تعثر القطاع الخاص مثلما حدث في السنوات القليلة الأخيرة جراء الأزمة الإقتصادية في المنطقة، والحرب السورية وتداعياتها، شعرنا بهذا الحجم الكبير من التأزم والإنحسار والضيقة والبطالة. وحتى عندما حصلت تحسينات منذ بداية هذا العهد على صعيد الدولة -دم جديد في الإدارة والقضاء والمؤسسات العسكرية- لم تلق الإستحسان والإرتياح الكافيين لأنها لا يمكن أن تعوض تراجع القطاع الخاص”.

وتابع: “المعادلة بسيطة: دولة ولو عاطلة + قطاع خاص جيد = وضع إقتصادي جيد
دولة لا بأس + قطاع خاص عاطل = وضع إقتصادي سيىء. هذا الكلام هو للوصول الى فكرة أساسية وهي أن الدولة عليها أن تريح وتساعد القطاع الخاص لكي يتعافى ويصبح مجددا خالق فرص العمل ولولب الحركة الإقتصادية والمالية بدل أن تزيد من أعبائه. ليس هدف الدولة أن تحل مكان القطاع الخاص لا كرب عمل ولا كمحتكرة للقطاعات والخدمات. هل يعقل مثلا أنه في دورة قوى أمن يتقدم 40000 على 2000 وظيفة؟ ما يساوي 20 مرة ما هو مطلوب؟”.

وأردف: “لكن نحن ماذا فعلنا حتى اليوم: نكبر حجم الدولة الى حد الإنتفاخ ونزيد الأعباء على القطاع الخاص لكي يمول تكاليف هذا التضخم. نكون بمصيبة، فنصبح بإثنين: ليس فقط لدينا دولة جيبتها مثقوبة وهي تنزف ماليا، ونحن مستمرون بتكبير حجمها وبطبيعة الحال نزيفها، لكننا أيضا نفقر القطاع الخاص وننهكه لنؤمن هذا التمويل الإضافي لحجم الدولة. بألطف تقدير، هذا يسمى سياسة خاطئة، تتم عن عدم دراية وبأسوأ تقدير، هذه عملية منظمة لنقل الثروة من جهة إلى أخرى في قلب المجتمع. إستراتيجية الدولة يجب أن تكون بتصغير حجمها وبالإرتكاز أكثر وأكثر على سياسة التشركة مع القطاع الخاص التي تعطي دفعا إقتصاديا له في خدمات وقطاعات جديدة، والتي تفتح المجال لفرص عمل جديدة يخلقها القطاع الخاص لتنفيذ المشاريع وإدارة القطاعات”.

وقال: “هنا أود أن أطلب من الدولة أن تضيف شروطا توظيفية على عقود الشركات الرابحة بمشاريع الخطة الإستثمارية. من يربح أي مشروع يجب أن يكون ملزما بعقده بتوظيف عدد معين من الشباب اللبناني وفقا لاختصاصات محددة. علينا على الأقل أن نفعل كما تفعل المؤسسات الدولية، هم يعطوننا قروضا ويفرضون علينا توظيف سوريين، على الدولة أن تفرض على من يربح المشروع أن يوظف لبنانيين. وقبل أن يثور علي البعض، يجب أن نفهم لماذا علينا أن نعتمد على التشركة مع القطاع الخاص بمعنى الoutsourcing وليس بمعنى الخصخصة: التجربة برهنت ان الدولة بتعقيداتها الطائفية ومشاكلها السياسية معرضة كثيرا للتأخير وللعرقلة في مشاريعها. مع الأسف، مع الدولة لا الوقت له قيمة ولا المال له قيمة. مثال على ذلك، معمل دير عمار الذي نشأ عليه نزاع بين وزارتين حال دون تنفيذه منذ 8 سنوات. فيما لو كان هذا المعمل ملزما منذ البدء ضمن نظام التشركة مع القطاع الخاص، لكانت الأمور سارت بشكل سريع لأن القطاع الخاص يعرف قيمة الوقت والمال وهو مضطر لإنجاز المعمل في أسرع وقت للبدء باسترجاع أمواله بينما 8 سنوات وهدر مئات ملايين الدولار في عجز الكهرباء لم يحرك ساكنا لدى الدولة”.

أضاف: “مثل آخر الأتوستراد الدائري لبيروت. طبعا تشجيع الذهاب الى القطاع الخاص له معاييره وشروطه وهو عملية يجب ألا تكون متوحشة على حساب المواطنين دون حفظ حقوقهم وضمانها، ولا إحتكارية بنقل قطاع للدولة الى جهة او أكثر يحتكرونها ويتحكمون برقاب المواطنين بعيدا عن التنافسية، ولا تنفيعية أو فاسدة تعطى لمحسوبيات بالتشارك مع مسؤولين ونافذين على حساب المال العام ومصلحة الدولة كلفة وجودة”.

وتابع: “هذا ما يوصلنا الى موضوع الفساد، الموضوع الشائع هذه الأيام والذي يتكلم عنه الجميع إنما الكلام في جهة والأفعال في جهة أخرى. وكي لا تصبح قصة الفساد كقصة إبريق الزيت، يجب أن نشعر فعلا أن هذه المرة هناك نية حقيقية لمحاربة الفساد. ولا يخفى على أحد أن القليل القليل إن لم يكن لا أحد من الشعب اللبناني يصدق أن هناك جدية في هذه المعركة ضد الفساد، لا بالعكس الناس أصبحوا أسرى لصورة نمطية يعبرون عنها وهي أن الطبقة السياسية فاسدة ومتواطئة كلها مع بعضها البعض. وللأسف الشديد هذا التعميم بالإدانة لا يزعج الفاسد أبدا لأنه يذوبه من ضمن مجموعة حيث تضيع هويته. من يتعرض للأذى من هذا التعميم هو كل مسؤول أو سياسي نظيف يحاول بصدق أن يحارب تلك الآفة أو بالحد الأدنى ألا يكون جزءا منها”.

وأردف: “لكن دعنا من الأشخاص ولنتطرق عمليا الى المعركة ضد الفساد وهي على جبهتين: أولا، جبهة كشف فساد حصل ومحاسبته وإدانته وهذا يتطلب قضاء يقوم بواجباته. وثانيا، جبهة منع فساد جديد يحصل من الآن وصاعدا. في الجبهة الأولى، ولو هي أضرار من الماضي، فمن غير المسموح ألا تتم محاسبتها لأن أي تعرض للمال العام هو جريمة ولا يجوز أن يكون هناك ملايين الدولارات ناتجة عن مال عام في حسابات مسؤولين حاليين أو سابقين وهم ينعمون بها بعيدا عن أي محاسبة أو عقاب. ولكن نحن كنواب جل ما يمكن أن نقوم به هو رفع الصوت، إثارة فضيحة، تقديم إخبار إنما لسنا مخولين أن نحكم بإسم الشعب اللبناني على المجرم. القضاء والقضاة هم يتحملون تلك المسؤولية وإذا لن يتحرروا من التبعية الطائفية والسياسية، فلا أمل بمحاسبة قضائية جدية”.

وقال عون: “يبقى الأمل بالجبهة الثانية، أي معركة منع فساد جديد، ولكي نكون بمنتهى الصراحة، فإن محاربة الفساد هو ليس بالأشخاص النزيهين فقط، فمن منا يمكنه أن يجزم ان إنسانا مفترضا نزيها لن يقع في التجربة -نجنا ربي من التجارب- ويصبح فاسدا، إنما هناك نظام وآليات وضوابط تحد من حصوله حتى لو كان المسؤول بطبيعته فاسدا. والحل هو في إعادة النظر بنظام المناقصات وتحصينه بشكل يصعب على الفاسد أن يأخذ راحته في التلاعب بالمال العام والمناقصة. كيف؟ أولا، من خلال تحديث قانون المناقصات بشكل يلائم هذا التوجه: حاليا، لا آلية وجسما واحدا لإجراء المناقصات فهي متعددة الأمكنة والرؤوس مما يصعب رصدها وحصرها. ولا نماذج موحدة لدفاتر الشروط مما يسمح بتفصيلها غب الطلب على قياس الشركات المحظوظة. ولا رقابة محايدة أو عامة مما يسهل التلاعب في عملية التلزيم. ولا الإطار القانوني وأحكامه واضحة وهي لا تنطبق على الأحكام الدولية ولا نظام إشراف وإبلاغ واضح، ولا نظاما فعالا للمراجعات والشكاوى، ولا تدريب إلزاميا للمعنيين بالمناقصات، ولا ولا ولا الخ”.

أضاف: “كل هذه الأمور يجب أن تكون جزءا من عملية تطوير قانون المناقصات الجديد. هذا أولا، أما ثانيا، فمحاربة الفساد هي من خلال إخراج المناقصات من العتمة ووضعها تحت الإضواء. أكبر حليف للفساد هو الظلمة، هو الغرف المغلقة، هو الصمت وأكبر عدو للفساد هو الأضواء والصخب”.

وتابع: “أحب أن أسأل زملائي النواب: من منكم يعرف أي تفصيل عن مناقصات بملايين الدولارات حصلت في وزارات وإدارات ومؤسسات عامة؟ من يعرف متى جرت المناقصة؟ من تقدم لها؟ من فاز بها ووفق أي شروط وأسعار؟ بالكاد نعرف خبرا ما لاحقا اذا كتبت عنه جريدة ما مقالا إستقصائيا أو فضائحيا، ولكن يكون قد فات الاوان وحصل التلزيم. في الدول التي تحترم نفسها، كل المناقصات وتفاصيلها ودفاتر شروطها ومواعيدها ونتائجها معروفة من العموم وهذه عينة من السويد حيث تنشر كل المعلومات والإحصاءات حول كل المناقصات والشركات المتقدمة إليها والفائزة الخ. إذا أردنا أن نحارب الفساد فعليا وليس نظريا وبالشعارات فقط، علينا أن نضع كل التلزيمات تحت المجهر، تحت الأنوار وذلك من خلال:

– أولا، خلق موقع إلكتروني ينشر إلزاميا كل المناقصات التي ستجري كل يوم بيومه بكل المؤسسات والإدارات مع كل التفاصيل الخاصة بها: زمان، مكان، الشركات المتنافسة، الخ…. بشكل إنه كل يوم، كل الرأي العام وخاصة وسائل الإعلام، على علم مسبق بأي مناقصة ستجري ومن ثم بنتائجها.

– ثانيا، إقتراح قانون سأتقدم به يفرض على الحكومة تقديم إشعار مسبق بالصرف الى مجلس النواب عند كل التزام مالي أو إنفاق مالي من سقف معين وصعودا.

– ثالثا، تأسيس transparency caucus أو “مجموعة الشفافية” داخل مجلس النواب تضم نوابا عابرين للكتل النيابية وممثلين لوسائل الإعلام تتابع وترصد كل عمليات التلزيم التي تحصل في الدولة وتحضر عمليات فض العروض ومجرياتها”.

وقال: “صدقوني، عندما يجد الملزم نفسه تحت الأضواء وكل الكاميرات مصوبة عليه والمساءلة سائدة قبل التلزيم وخلاله وبعد اعلان نتيجته، هامش التزوير والتلاعب يصبح صعبا جدا لان عيون كل الناس والإعلام عليه. هذه معركة شفافية ورقابة نريد خوضها كتفا الى كتف نحن ووسائل الإعلام لكي نطوق ونفضح ونرجم، نعم نرجم، الفاسدين أمام الرأي العام بلإسم والصورة. وصدقوني، ستأتي بنتيجة. نريد أن ننتهي من code omerta، الذي هو قانون الصمت في سيسيليا عند المافيا الإيطالية، لا أحد يفشي الى الآخر بانتمائه الى المافيا. نريد أن ننتهي من omertà الفساد، الكل يعلم إنما يسكت عن الكل. التحالفات والعلاقات السياسية أو الإنتماءات الطائفية تحد من حرية الحركة والتعبير لإن هذا الفاسد في كتلة حليف لا يمكننا أن نتكلم عنه”.

أضاف: “لا نحن متحالفون في السياسة، في الوطن، في العيش المشترك ولسنا متحالفين في نهب البلد. نحن زملاء في تكتلات إنما في السياسة وليس في الفساد، ومن يريد أن يسرق، يجب أن يتوقع أننا سنسقط حصانة التحالف عنه، أو حصانة التضامن في ما لو كان من نفس الكتلة”.

وتابع: “هذا يوصلني الى النقطة الأخيرة. نحن اليوم أصبحنا حقيقة أمام مفترق يتطلب منا طريقة تفكير وآداء مختلفين لنتمكن من إجراء نقلة نوعية في واقعنا الحالي الذي ما عاد يرضي الناس ولا يعطيها الأمل بدليل أزمة الثقة التي نعيش مع كثير منهم. وهذا يتطلب منا حكومة عمل جدي ومجلس نواب يواكبها تشريعيا بالطبع ولكن الأهم يواكبها رقابيا. لا يمكن أن نبقى مستقيلين في مجلس النواب من عملنا الرقابي بحجة أن هذه حكومة وحدة وطنية ومعظم كتلنا فيها. يجب أن نعيد الإعتبار لدور النائب الرقابي ونخرج من منطق “تحصيل حاصل” الذي يشعر به الوزراء تجاهنا”.

وقال: “في كل زياراتنا للولايات المتحدة، ولقاءاتنا بلإلادارة الأميركية، كنا نسمع كم يحملون هم ويستهيبون الكونغرس الأميركي من شيوخ ونواب وكم يحسب الوزراء حسابهم. الوزراء هنا يبتسمون لنا في جلسة الثقة وبعد نيلها لا يردون على اتصالاتنا. يجب أن نرد هيبة المجلس الرقابية على الحكومة جماعة وأفرادا”.

أضاف: “دولة الرئيس، بعد حوالي 27 سنة على رأس المجلس النيابي، لا شك أن لكم أثرا كبيرا في الكثير من المحطات والإنجازات التشريعية التي حصلت منذ ذلك الوقت. لكن وللأسف، ذاكرة الناس قصيرة، لذلك أكثر ما سيتذكره الناس هو ليس ما فعلتموه بل ما ستفعلونه اليوم وأناشدكم أن تكون هيبة المجلس في الرقابة والمحاسبة هي هدفكم وإنجازكم وإرثكم في هذه الولاية. يجب أن تحصل مساءلة ومحاسبة للحكومة في شكل دوري ولأي وزير على حدة عندما تستدعي الحاجة. دولة الرئيس، بينك وبين نائب الرئيس، يمكننا أن نكثف تلك الجلسات العلنية للحكومة حينا وللوزراء المعينين حينا آخر لكي يبقوا تحت ضغط العمل والمساءلة وطبعا المحاسبة عندما يتوجب هذا الشيء. هكذا يمكننا أن نضمن إنتاجية أكبر في عمل الحكومة وتحصل عملية تصويب إذا استدعى الأمر”.

وتابع: “نحن لسنا في نظام معارضة وموالاة كي تسائل المعارضة الحكومة. لذلك يجب على كل الكتل أن تعطي هامشا لنوابها في عملية الرقابة والمساءلة. التضامن الأعمى مع أي وزير أداؤه سيىء مسيء للفريق الذي ينتمي إليه الوزير قبل الآخرين. وفي جميع الأحوال، إذا استصعبت الكتل هذا الهامش للنواب عن وزرائهم، فلتحاسب على الأقل وزراء الكتل الأخرى، المهم أن نصل إلى نظام المحاسبة المستدامة. لن نستعيد ثقة الناس اليوم الا بهذا النوع من الجرأة والمصارحة والجدية. لن نستعيدها الا اذا خرجنا من النمط والتفكير التقليديين لنكون على قدر صعوبة الظرف والتحديات الإستثنائية التي نعيشها. ولن تستحق الحكومة الثقة الا بعد تجاوزها امتحان الرقابة والمساءلة الذي يجب أن نقوم به كنواب”.

وختم: “من الآن وحتى أول جلسة محاسبة بعد فترة السماح التي تعود لكم عند كل تأليف حكومة، نقول لكم: الى العمل”.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
WhatsApp إنضم الى مجموعة الأرز الإخبارية