Home » آراء, لبنان » صرخة لبنان الأخيرة

ربما لن يكون تشكيل حكومة حسان دياب، ولا حتى حصولها على ثقة مجلس النواب بأغلبية بسيطة، نهاية لموجات القلق والغضب، وتضاعف المخاوف من الذهاب إلى إفلاس شامل للدولة والاقتصاد اللبناني الهش.


فقد بدا تشكيل الحكومة هدفا في ذاته، بعد نفاد صبر الشارع اللبناني، وتراكم الضجر من الفراغ الممتد الموحش، وانفلات الأعصاب، وتزايد وتيرة الاشتباكات بين المتظاهرين وقوات الأمن، وسقوط عشرات الجرحى، وتواتر الالتجاء إلى قطع الطرق، والهجوم الخشن على المصارف وفروعها، وتحطيم واجهات محلات تجارية في قلب بيروت، بما أجج المخاوف العامة من انزلاق أمني خطر، في بلد تنوء ذاكرته بحمل أشباح حرب أهلية، انقضت من عقود، وسقط فيها 120 ألف قتيل، عدا عن الدمار الشامل لصور حياة كانت مزدهرة، وتضعضع الثقة بين طوائف لبنان الصغير الجميل، ما استلزم عقودا تالية، من أعمال الترميم، وحفظ حد مقبول من السلام الداخلي، وبتكلفة باهظة مؤلمة، استنزف فيها فساد أمراء الطوائف قسطا هائلا من ثروات لبنان.


وبعد ما يزيد على ثلاثة شهور من سيرة الثورة الأجمل في حياة العرب الراهنة، فشل الحراك الشعبي اللبناني في الوصول لحلمه العنيد، وهو ما نبهنا إليه من البداية، في مقالنا المعنون «الثورة الأجمل والحلم العنيد»، صحيح أن ثلث الشعب اللبناني شارك في الثورة، وعلى نحو عظيم التحضر، يليق ببلد، توافرت فيه دائما حريات التعبير والتنظيم والتظاهر، لكن توافر الحريات العامة، ظل محتجزا في مكانه، ولم ينجح أبدا في إقامة نظام ديمقراطي، بسبب الحاجز الطائفي المدستر المقنن، منذ بدأت صيغة لبنان الحالي بعد نهاية الانتداب الفرنسي، ووضع الميثاق أوائل أربعينيات القرن العشرين، وابتداعه لصيغة حكم، يقرر مبدأ المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، ويمتد بالتوزيع الطائفي إلى مناصب الإدارة العليا والوسطى، ويحول لبنان إلى مزارع نفوذ عائلي وطائفي، يبرز بصورة محدثة في صورة أحزاب، ويبني ديكورا لنظام حكم، يأخذ فيه الموارنة دائما منصب رئيس الجمهورية، ويأخذ المسلمون السنة دائما منصب رئيس الحكومة، ويأخذ المسلمون الشيعة دائما منصب رئيس البرلمان، وهو الوضع الذي ظل مثيرا للمتاعب والأزمات، إلى أن انفجر في زمن الحرب الأهلية المتصلة لمدة 15 سنة، انتهت بتوقيع «اتفاق الطائف»، الذي حافظ بدوره على صيغة التوزيع الطائفي، وعلى أنصبة الطوائف الكبرى والصغرى البالغة 18 طائفة رئيسية وفرعية، وإن انطوى الإتفاق على تغيير جزئي، زادت فيه سلطات رئيس الحكومة (السني)، وتراجعت فيه سلطات رئيس الجمهورية (الماروني)، مع وعد باهت بإلغاء النظام الطائفي تدريجيا في قابل الأيام، وهو ما لم يتحقق أبدا، وكان من الدواعي العميقة لثورة الشعب اللبناني الأخيرة، وإشهار الرغبة في التقدم بلبنان من وضع الدولة الطائفية إلى وضع الدولة الوطنية، وإقامة لبنان جديد على أساس مبدأ المواطنة المتساوية، والخلاص الكامل من تركة الأنصبة والمحاصصات الطائفية، وبقدر ما كان الحلم محقا وجميلا، فقد ثبتت مجددا صعوبة تحقيقه، وحتى صعوبة تحقق خطوات إصلاحية جزئية، من نوع إقامة حكومة متخصصين أو تكنوقراط، رغم مبادرة سعد الحريري إلى إعلان استقالة حكومته، بعد وقت قصير نسبيا من بدء انتفاضة لبنان، وإعلان استعداده لتشكيل حكومة تكنوقراط، وهو ما عاقبته عليه الطبقة الطائفية المسيطرة، وحرمته من فرصة الترشح لرئاسة حكومة جديدة، بما أيقظ وفاقم مشاعر غضب طائفي في أوساط السنة، لم تتردد في الإعراب عن سخطها من اختيار حسان دياب، الذي لا يبدو مرضيا عنه من المراجع الدينية والسياسية في طائفته السنية، وجاء بترشيح متواطأ عليه من الأكثرية النيابية البسيطة (69 نائبا من مجموع 128)، ومن كتل مارونية وشيعية بالأساس، وهو ما صنع ويصنع توترا طائفيا، يتصادم في منطقه العام مع غضب الانتفاضة، وإن التقي الطرفان على خط الامتعاض العام، خصوصا مع حدوث المزيد من تراجع الأوضاع الاقتصادية، وتضاعف سعر صرف الدولار الشحيح في المصارف والأسواق، ومضاعفة مستويات الإفقار، وتفشي التضخم الفلكي في الأسعار، مع زيادة نسبة البطالة المخيفة أصلا، وتردي الخدمات الأساسية المنهارة بشدة، وبلوغ حجم ديون لبنان إلى ما يقارب ضعف الناتج القومي الإجمالي، وهو ما يزيد من انفلات الأعصاب مع ضيق المعايش، ويدفع إلى سلوك عنف عشوائي، ظهرت أضراره سراعا في الأيام الأخيرة، قبل أن يتم الإعلان عن سرعة تشكيل الحكومة الجديدة.

اقتصاد لبنان على حافة الإفلاس، وانفلات السلوك في قلب المدن وعلى الطرقات، قد تصل إلى درجة تفوق طاقة احتمال أجهزة الأمن المتماسكة بصعوبة

ولا يبدو للأسف، أن إعلان حكومة حسان دياب، حتى لو جرى إتمام باقي الإجراءات بسلاسة، لا يبدو أن هذه الحكومة مرشحة لنجاح ملحوظ، صحيح أنها تستجيب جزئيا لمطلب تشكيل حكومة متخصصين، تعطي غالب جهدها لمهمة الإنقاذ الاقتصادي العاجل، لكنها تصادف مآزق مستحكمة، فهي ليست مبرأة تماما من الهوى الطائفي والحزبي، وتحافظ على مبدأ المناصفة الطائفية، ولو على نحو صوري، يستجلب المتخصصين الذين ترشحهم أحزاب الطوائف المؤيدة، وتفتقر بالطبيعة إلى دعم أحزاب الطوائف المستبعدة، خصوصا من الطائفة السنية، إلى جوار حزب جعجع وحزب «الكتائب» من الطائفة المارونية، وهو ما يشكل جبهة عداء حريصة على إفشال الحكومة قبل بداية عملها، ورغبة أكيدة في عرقلة مبادراتها إن وجدت، إضافة لأدوار الخارج الدولي والإقليمي المعيقة، وهي عظيمة وفادحة التأثير في بلد بظروف لبنان، يعتمد أساسا على معونات ونجدات مالية خارجية، لا يبدو الطريق سالكا للوصول إلى مفاتيحها، فالبلدان الداعمة إقليميا، وعلى رأسها المملكة السعودية، لا تبدو مستعدة لدعم لبنان في الوقت الراهن، وأمريكا ودول أوروبا المعنية كفرنسا وإيطاليا وبريطانيا، لا تبدو مستعدة للوفاء بوعود سبقت، ولا يخفى السبب شديد الارتباط بوقائع جارية للمواجهة الأمريكية ـ الإيرانية، فواشنطن لا تريد دورا لحزب الله في أي حكومة لبنانية، واختيار حسان دياب جاء بمبادرة من حزب الله، ورغبة واشنطن في معاقبة حزب الله الموالي لإيران والمعادي لإسرائيل، سوف تنتهي بأثر العقاب إلى سلوك «مفرمل» لحكومة دياب، والسعودية دائما على موقف واشنطن، وحرية اختيار الدول الأوروبية مقيدة، وقد لا تبادر غالبا إلى نجدة اقتصادية مؤثرة للحكومة، خاصة مع غياب سعد الحريري حليفها المفضل لبنانيا، ولا فرصة كبيرة للحكومة في اللجوء لاختيارات تبدو واردة نظريا، من نوع اللجوء لطلب قروض من صندوق النقد الدولي مثلا، وبافتراض تساهل أمريكا أو تغاضيها عن إعاقة تلبية الطلب، فإن شروط قرض من صندوق النقد، تبدو فوق مقدرة تحمل لبنان في ظروفه الاقتصادية المنهكة، وفي أجواء غضب شعبي طافح، لا فرصة عنده في تقبل تقشف اقتصادي مضاف، ولا في تحمل أعباء إفقار جديد، قد لا يمكن للحكومة الجديدة حتى أن تفكر فيه، وهي التي تجيء بوعد الإنقاذ الاقتصادي، لا بدواعي اتخاذ إجراءات صعبة، تعرف أنها ستزيد من غضب الناس، وتلقي بصفائح بنزين على اللهب المشتعل أصلا، وتهدد ما تبقي من استقرار لبنان، خاصة مع تواضع فرص مصادرة أموال الناهبين السارقين لثروة لبنان الضائعة، فبارونات الفساد في حماية أمراء الطوائف، والحكومة قامت بالكاد بأغلبية بضعة أصوات في البرلمان.
وقد يكون صحيحا، أن لبنان في أسوأ الأحوال، قد لا ينزلق مجددا إلى حرب أهلية بالصورة التي سلفت، ولأسباب متعددة، بينها بشاعة الذكريات الحاضرة في الوجدان الجمعي، وأهمها القوة الراجحة لسلاح حزب الله في التكوين اللبناني الراهن، التي قد تمنع أي طرف آخر من التفكير باللجوء إلى صدام بالسلاح، يعرف الكل نتائجه سلفا، ويتخوف من عواقبها، لكن ذلك كله، وعلى أهميته المرئية، لا يعني أن استقرار لبنان الداخلي ليس مهددا، وإن بدرجات أخف وطأة من الحرب الأهلية المفتوحة، فاقتصاد لبنان على حافة إفلاس، والأوضاع الاجتماعية منذرة بالفوضى، وهتافات المتظاهرين وأصواتهم المبحوحة في الشوارع، وانفلات السلوك في قلب المدن وعلى الطرقات، قد تصل باطراد إلى درجة تفوق طاقة احتمال أجهزة الأمن المتماسكة بصعوبة، والقصة اللبنانية كلها في الوضع المثقل بالهواجس، أشبه بصرخة أخيرة قبل الغرق، لا تجد للأسف في عالمنا العربي من ينتبه إليها، بعيدا عن سياسات المكايدة، وقبض اليد عن المساعدة العاجلة الممكنة ببساطة، لإنقاذ بلد عربي فائق الأهمية، مهدد بالانزلاق إلى هاوية الدول الفاشلة والأزمات المستحكمة، التي تنهش خرائطنا في غيبة الرشد والوعي بالمخاطر المهلكة.

كاتب مصري –  عبد الحليم قنديل

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
WhatsApp إنضم الى مجموعة الأرز الإخبارية