Home » لبنان » «ثورة لبنان»… «قوس فرح» وسيمفونية غَضَبٍ من موسيقى وألوان

منذ اندلاع الثورة في لبنان في 17 أكتوبر الجاري، استقطبتْ أنظارَ العالم ليس فقط لبُعدِها المطلبيّ ذات النتائج السياسية وعناوينِها المُنْتَفِضة على الفساد وواقع المحاصصات والزبائنية على مستوى الحُكْم ولا لمَفاعيلها «العميقة» لجهة ولادة «مواطِنية» عابرة للطوائف والمذاهب والأحزاب من رحم الساحات التي صارتْ أشبه بـ «عامياتٍ» تحاكي و«تنادي» بعضها على امتداد الخريطة اللبنانية، بل أيضاً لما رافَقَها من مظاهر غير مسبوقة تحوّلت معها الشوارع والطرق فضاءاتٍ حاضنة لمبادرات الشباب ومساحات حرة لمواهبم وإبداعاتهم العفوية.
… حواراتُ مسرح الشارع، استوديوهات بلا سقف لفنّ الغناء ورقص الدبكة والتعبير الجسدي التلقائي، فسحاتٌ لإطلاق الهتافات وتأليف الشعارات، ملاعب كرة ورياضة، قاعات مفتوحة لممارسة اليوغا ولعب الورق والشطرنج، منابر لقراءة الشعر والزجل، معارض للفن التشكيلي والرسم الكاريكاتوري والخط من خلال اللافتات والملصقات الاحتجاجية، ولفن الفوتوغرافيا وفن الفيديو والغرافيتي… هذا غيضٌ من فيض ما دَهَم الساحات مع الثورة المباغتة التي انفجر معها «بركان غضبٍ» مليونيّ على السلطة وأدائها اختصره شعار «كلن يعني كلن» (أي رحيل الجميع وتشكيل حكومة تكنوقراط تمهّد لانتخابات مبكرة) الذي ملأ الساحات وفَتَحَ الباب أمام نقاشاتٍ معمّقة فيها، فكرية وثقافية وسياسية، داخل وبين مجموعات الحراك المتعددة الانتماء والأيديولوجيا من ضمن منتدياتٍ سرعان ما شكّلتْ مركزَ استقطابٍ لطلبة الجامعات الذين واظبوا على الاطلاع من أساتذة جامعيين وخبراء ومحلّلين على المستجدات ونقاش الواقع والمستقبل في لبنان.


وعشية استقالة الحكومة و«اجتياح» مناصرين لـ «حركة أمل» و«حزب الله» ساحتيْ رياض الصلح والشهداء في وسط بيروت و«جسر الرينغ» المؤدي إليه، كان «معقل الثورة» في قلب العاصمة لا يهدأ. فما أن تخطو خطوتك الأولى فيه حتى تصادفك الكتابات الاحتجاجية ورسوم الغرافيتي على الجدران، وتلتقي عيناك بنهر متدفق من الجموع المتجهة الى وسط الساحتين. شباب وشابات في سن الورد، حاملين العلم اللبناني، مع شاراتٍ ومناديل وكاسكيتات بنفس ألوان العلم المنسّقة لمشهد الثورة البيضاء الناصعة (سلمية) والخضراء اليانعة (أهدافها)، والحمراء القانية (بعنفوان وحيوية شبابها).
من كل الأعمار والفئات تَدَفّقوا. لا يميّزون أنفسهم بمذهب أو طائفة أو حزب سياسي، بل يجمعهم ثوب الهوية الوطنية اللبنانية. حتى ذوي الاحتياجات الخاصة لم يتأخّروا عن تلبية النداء، وقد رفع المتظاهرون أحدهم على كرسيه المتحرك وهو يهتف بالتغيير: «ثورة… ثورة»، رافعاً يديه بشارات النصر.
وإذ كان حضور العائلات بأطفالها سمة طاغية على «يوميات الثورة»، لم تغب عن ساحتيْ رياض الصلح والشهداء بعض المفارقات، مثل وقوف امرأة أمام كاميرا التلفزيون تشكو أنها لا تجد ما تشتري به مساحيق تجميل شفتيها وعينيها ووجهها.. «وحتى البوتوكس لا أملك ثمنه»، أو نزول إحدى الكوافورات «على الأرض» لتمشيط وتزيين شعر النساء، بعدما كان «حلاق الثورة» سبقها وترك «لمساته» على رؤوس الشبان من المتظاهرين بالمجان. حتى ماسح الأحذية الشاب الصغير، زيّن عدة الشغل مع دراجته الهوائية بألوان العلم اللبناني، وطاف على الثوار طالباً تقديم خدمته و«إن لم يكن لديك المقابل فأنت حر ألا تدفع.. فالخدمة بالمجان تحية للثوار.. والثورة».
و«الجواب الجاهز» شكّل دائماً واحدة من أبرز نقاط الثورة، سواء في «الرد السريع» على اتهام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله الحِراك بتلقي تمويل من جهات أجنبية لم يحددها اذ هتفتْ الحناجر ودوّت كالرعد بشعارها الموحد: «كلن.. يعني كلن.. وأنت واحد منن»، أو بعدها عبر التداوُل بفيديو تم إنجازه بسرعة بكاميرا موبايل، تظهر فيه مجموعة من الشباب، ذكوراً وإناثاً، وهم يرددون جملة واحدة تقول: «أنا مواطن لبناني وأنا مموّل الثورة».
كما حضرت النكات بشأن التمويل، اذ تم نسبه إلى سفارات دولٍ تعاني الفقر والحرمان الشديد، وبلدان غير موجودة حتى على الخريطة.
وفيما ردّ الثوار أيضاً على طريقتهم على التساؤلات حول هوية قادة الانتفاضة وصولاً إلى إرفاق جواب مجموعة «طلعت ريحتكم» برسمٍ يقول إن قائد الثورة هو: «تينكي وينكي» (بطل السلسلة الكارتونية البريطانية المشهورة «تيليتابيز»)، انطبع الحِراك في جانب أساسي منه بأغنياتٍ جرى تحوير كلماتها لتتلاءم مع «الثورة» وأهدافها واستهدافاتها وحتى للسخرية من الطبقة السياسية، وبينها أغنية قديمة تعرفها أجيال الستينات والسبعينات، كانت بعنوان: «مصطفى.. يا مصطفى»، التي تحوّلت إلى «هيلا هيلا هيلا هيلا هو/ طريق مسكّر يا حلو…».
ومَن جال على الساحات ولا سيما في وسط بيروت، لم يفُته مشهد الخيم والمنصات والأروقة، ومن بينها رواق لائتلاف اللبنانيين الديموقراطيين، ومركز التوثيق والأبحاث برئاسة الباحث سليم لقمان، ومجلة «بدايات» لصاحبها المفكر فواز طرابلسي، وخيمة لقدماء المحاربين، وغير بعيد عنها خيمة للعسكريين المتقاعدين، ورواق لمطبخ الثورة المجاني الذي يوزع سندويشات الجبنة والمناقيش مع عبوات المياه، اضافة إلى رواق لتقديم الإسعافات الأولية.
ولا ينسى الشباب، من الذين لا يغادر بعضهم الساحة، ويفضّل النوم بالخيَم الصغيرة التي نُصبت فيها (أو حتى النوم في العراء) تنظيف المكان. ويشرح لـ «الراي» شابٌ اختار النوم في الساحة أنه يخاف على الثورة أن تُغدر في الليل، «واعتصامنا هنا مع الرفاق هو من أجل أن نحميها».
المحافظة على البيئة، قضية أساسية للمتظاهرين، هكذا يتعاون الشباب صباح كل يوم إناثاً وذكوراً على جمع النفايات والقناني البلاستيكية لقبل استئناف النشاطات «الثورية»، وهم أضاؤوا على أهمية التوعية على مسألة البيئة من خلال الرواق الكبير وسط ساحة الشهداء تحت مسمى «الخيمة الخضراء».
وعلى امتداد أيام الانتفاضة، لم «تَنْفَذ» من الأفكار المفاجئة، سواء في شكل الاعتصامات وأساليب قطع الطرق أو حتى باستقدام أثاث بيت كما حصل على جسر «الرينغ»، وصولاً إلى جولات موسيقيين في شارع الحمراء وعلى وقعها يتم تحوير الأغنيات اللبنانية المشهورة و«تكييفها» مع عناوين الثورة على وقْع رقصٍ ينشر الفرح في الرقعة المحيطة.
وللشعر مكانته في الاعتصامات فعلى سبيل المثال في بلدة برجا (الشوف) يواظب الشاعر فادي الحاج على تأليف ردّاته الزجلية بما يتناسب مع الأحداث الجارية والتطورات، وكان يلقيها وسط حماسة المتجمعين على الأوتوستراد بين بيروت والجنوب التي وُضع عليها (قبل فتْحها أمس) «مقطوعة بسبب صيانة الوطن»، ومنها رداً على السيد نصر الله «بقلك يا نصر الله ارتاح، وضبّ من الساحة رجالك، ثورتنا ما فيها سلاح، من الثورة ريّح بالك».
ولم تغِب الرياضة عن «فاعليات الثورة»، وكان منها حضور رياضة «اليوغا» في أكثر من نقطة (بينها جسر الرينغ)، وتنظيم مباراة كرة قدم على الاوتوستراد بين فريقيْ السلطة والثورة، وسط حماسة كبيرة من الجمهور، وهذا ما حصل حين نظم المدرب نور حوحو مباريات لتلامذة المدارس المُشارِكين في اعتصام برجا.
من الصعب القيام بـ «جردةٍ» لكل ما يجري في ساحات بيروت والمدن الأخرى حيث يبرز إصرار الثوار على «الصمود» رغم أعمال الشغب بحقهم والاعتداءات عليهم، ولسان حالهم «مكمّلين لتحقيق كل أهدافنا وضمان عدم تنويمها».

  • الراي – من فاطمة حوحو

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
WhatsApp إنضم الى مجموعة الأرز الإخبارية