Home » لبنان » الخطر الاقتصادي يتفاقم.. وتمسك السلطة والشارع بمواقفهما… التطورات اللبنانية إلى أين؟

لم يحصل أي خرق ولم تفتح أي ثغرة في جدار الأزمة رغم مرور 12 يوما على انطلاقتها.

العاصفة الى اشتداد وقد دخلت عليها تعقيدات إضافية تنبئ بأن المنازلة بين الدولة والانتفاضة مستمرة بوتيرة تصاعدية، وأن الجميع وضعوا خطط التكيف مع أزمة طويلة تقاس بالأسابيع.. ويمكن تفكيك الوضع المعقد واختصاره في النقاط التالية:

٭ أولا: أخفقت قوى السلطة، ليس فقط في إقناع الناس على الخروج من الشارع، وإنما أيضا في دفعهم الى التجاوب مع عروضها ودعواتها، بما في ذلك الدعوة الى حوار مع رئيس الجمهورية يجريه ممثلون عن الانتفاضة، لا بل يجري التعاطي مع هذه العروض بتحفظ شديد وتشكيك في أن تكون هذه الدعوة الى انتداب وفد يمثل الحراك الشعبي للحوار مع السلطة تهدف الى كشف الجهة التي تقف وراء هذا الحراك، بما يسهل عملية استيعابها أو استهدافها.

من الواضح أن المتظاهرين، الذين يفضلون تسميتهم بـ «الثوار»، يرفضون فتح الطرقات الحيوية التي تتحكم بمفاصل الحركة ويؤدي إغلاقها الى شل الحركة العامة في البلاد. فإذا كانت تظاهرات الساحات هي المظهر الرئيسي للثورة الشعبية «الهادئة الهادرة»، فإن «الإقفال» هو «ورقة الضغط» الرئيسية والأقوى في يد «الثورة» على السلطة لدفعها الى تقديم تنازلات ملموسة وفورية.

ومن الواضح أيضا أن المتظاهرين لا يخرجون من الشارع من دون ثمن أو إنجاز، وأن استقالة الحكومة هي الثمن المطلوب، بعدما تجاوزت الأزمة الورقة الإصلاحية الحكومية وأسقطت مفاعيلها.

٭ ثانيا: السلطة بقواها الرئيسية (عون ـ بري ـ الحريري ـ نصرالله) لم تصل في «تنازلاتها وعروضها» الى بند «استقالة الحكومة»، وتبدو كما لو أنها تتحضر لإدارة الأزمة واستيعابها تدريجا وليس لحل الأزمة إذا كان الحل يتطلب تغيير الحكومة. وأما إدارة الأزمة، فإنها تستند الى 3 بنود:

– فتح الطرقات، بما يؤدي الى حد أدنى من دورة حياة اقتصادية واجتماعية.

– حصر التظاهرات في الساحات، بما يؤدي الى تشكيل حالة شعبية ضاغطة ودائمة وإبقاء الحكومة تحت مراقبة مشددة تحول دون تملصها من تنفيذ فوري للورقة الإصلاحية وتمييع الوعود.

– تكثيف الاجتماعات الحكومية، ولاحقا عمل مجلس النواب، بما يشبه إعلان حال طوارئ سياسية واقتصادية.

٭ ثالثا: الملف الحكومي، تعديلا أو تغييرا، لم يفتح بشكل جدي ولم يصدر قرار سياسي في أي من الاتجاهين، والأفكار والمقترحات والمداولات حوله خلصت إلى النتائج التالية:

1 ـ التعديل الحكومي طرح من خلفية إخراج وجوه وزارية نافرة وتصنف استفزازية عند جمهور الشارع، ومع مراعاة التوازن السياسي الطائفي. (الوزراء المتداولة أسماؤهم: جبران باسيل، علي حسن خليل، محمد شقير، وائل أبوفاعور، يوسف فنيانوس…).

المشكلة هنا تظهر على مستويين: مسألة خروج أو إخراج باسيل من الحكومة، والتي تلحق ضررا سياسيا ومعنويا بالرئيس ميشال عون، وحيث يعد باسيل المرتكز والذراع الرئيسية للعهد وخط الدفاع الأول عنه.

ولذلك فإن باسيل، وبخلاف وزراء آخرين، يشكل معادلة سياسية هي جزء من معادلة العهد ومقوماته ولا يقاس بوزراء آخرين.

وهنا يصبح صحيحا ومنطقيا ما يقال من أن الرئيس عون يساوي باسيل بالرئيس الحريري بوصفهما رئيسين لأكبر كتلتين نيابيتين، ويشكلان معا صلب أو نواة المعادلة الحكومية تحت سقف التسوية الرئاسية، وأما يبقيان معا أو يخرجان معا.

والمستوى الثاني للمشكلة، أن التعديل الحكومي، فيما لو تم الاتفاق عليه، لن يكون الثمن أو التطور الكافي لخروج الناس من الشارع.

ففي ظل سقف مرتفع للمطالب يصل الى حد إسقاط النظام والتغيير الشامل للطبقة السياسية الحاكمة، والدعوة الى انتخابات مبكرة على أساس قانون انتخابات جديد، تصبح استقالة الحكومة كمدخل الى تغيير حكومي جذري باتجاه حكومة تكنوقراط واختصاصيين هي الحد الأدنى لإحداث صدمة إيجابية وفتح باب الخروج من الطريق المسدود.

2 ـ استقالة الحكومة مسألة أكثر تعقيدا وأصعب منالا من «التعديل»، والمحاذير والعقبات هنا كثيرة:

٭ الرئيس ميشال عون يربط فتح ملف التغيير الحكومي بأمرين أو شرطين: الأول هو خروج المتظاهرين من الشارع وأقله فتح الطرقات. والثاني هو الاتفاق المسبق على الحكومة، بحيث لا تؤدي الاستقالة الى فراغ والى أزمة حكم في ظل عدم وجود ضمانات وصعوبة تشكيل حكومة جديدة.

٭ الرئيس سعد الحريري غير متحمس للاستقالة لـ 3 أسباب على الأقل:

– لم يتلق الحريري حتى الآن أي موقف أميركي أو أوروبي أو عربي ينصحه بالاستقالة ويدفعه إليها، لا بل مطلوب بقاء الحكومة لإبقاء الوضع تحت السيطرة واستمرار القدرة على التحكم به وإدارته، ولأن الاستقالة تفتح الباب أمام الفوضى الأمنية والمالية.

– الحريري لا يذهب الى الاستقالة إلا بعد التأكد من تشكيل حكومة جديدة وسريعا، وهذا لن يكون متاحا إلا إذا كان هناك اتفاق مسبق على هذه الحكومة، لأن ما يمكن للحريري أن يفرضه ويحصله الآن لن يكون ممكنا بعد الاستقالة.

– الحريري ليس «منزعجا كثيرا» من تظاهرات الشارع.

من جهة، هذه التظاهرات لا تضغط ولا تصوب عليه بقدر ما تضغط على باسيل وتصوب على العهد، بدليل أن الشارع المنتفض يقبل بالحريري رئيسا لحكومة جديدة، ولكنه لا يقبل أن يكون باسيل في عدادها.

ومن جهة ثانية، هذه الحركة في الشارع تشكل ورقة ضاغطة ليس على الحريري وإنما على شركائه في الحكم، وتعزز موقعه التفاوضي تجاه رئيس الجمهورية وحزب الله. فما يستطيع أخذه تحت ضغط الشارع هو أكثر وأسهل مما يستطيع أخذه لاحقا.

– الحريري يدرك أن استقالته هذه المرة، وفي ظل هذا الوضع، محفوفة بالمخاطر، وربما تؤدي به الى الخروج من رئاسة الحكومة، وأيضا من معادلة الحكم والحياة السياسية.

فهو شريك في الغنم والغرم، ومع شركائه في مركب واحد إذا أراد القفز منه يعرضه للغرق، وهو المدرك تماما أنه جاء مع عون الى الحكم بتسوية سياسية تبقيهما معا أو تخرجهما معا.

٭ رابعا: حزب الله سائر الى موقف أكثر تشددا في تعاطيه مع الثورة الشعبية التي يفضل تسميتها «حراكا شعبيا»، وهذا ما ألمح إليه السيد حسن نصرالله في خطابه الأخير، عندما تحدث عن تحوير وتحريف في مسار الحراك الذي خرج عن منطلقاته الإصلاحية والمطلبية، وتحول الى مشروع سياسي ممول ومحرك من سفارات ودول لإسقاط الحكومة والعهد.

فقد توصل السيد نصرالله، إلى استنتاج بأن الموضوع ما عاد حراكا شعبيا واحتجاجات ضد الفساد، وأن الوضع في لبنان دخل في دائرة الاستهداف السياسي الدولي والإقليمي، والذي يوظف جهات داخلية.

وقال نصرالله صراحة وبلغة اختلط فيها النصح والتنبيه مع التحذير والتهديد، أنه خائف ليس على المقاومة وإنما على البلد، وأن يكون هناك أحد يريد أن يأخذ بلدنا ويعمل فيه مشاكل وتوترات سياسية واجتماعية وأمنية، ويأخذه إلى «حرب أهلية» ليصبح مثل بلدان المنطقة.

وهذا الموقف الجديد من جهة حزب الله، المتحسس والمرتاب ولديه الخشية والشكوك، سيترجم تشددا في الموقف السياسي، وخصوصا في الموضوع الحكومي، إذ إن حراكا بهذا الحجم، لن يتوقف عند تغيير حكومي، كما لم يتوقف قبل أيام عند ورقة إصلاحية، وإنما سيستمر وسيتعاطى مع أي تراجع وتنازل من جانب السلطة على أنه مؤشر ضعف، ويشجع على طلب مزيد من التنازلات للإمساك بزمام الأمور والمبادرة. ووضع الحكم في موقع الدفاع والقتال التراجعي.

٭ خامسا: إذا كان الحل السياسي متعذرا، فإن الحل الأمني متعذر أيضا، وهذا ما تبين بعد عدة محاولات جرت لفتح الطرقات وباءت كلها بالفشل، ما دفع قيادة الجيش الى أن تنصح بسلوك طريق الحل السياسي للأزمة في الشارع، لأن المعالجة الأمنية وحدها لا تكفي ولا تستقيم، وإنما ستكون سببا الى تفاقم الوضع ورفع درجة الخطورة فيه، ذلك أن الشعب المنتفض مصر بثبات وعناد على البقاء في الشارع و«افتراشه»، والجيش لا يمكنه أن يفض الاعتصامات ويفتح الطرقات بالقوة.

وجاءت حادثة البداوي والاشتباك الذي حصل بين الجيش والمتظاهرين وتطور الى إطلاق نار من جانب الجيش للمرة الأولى منذ اندلاع الثورة، ليظهر أن الوضع إذا انزلق الى العنف والقوى، فإنه ينزلق إلى الهاوية، وأن الدماء إذا سالت في الشارع ستكون الطريق الأسرع الى استقالة الحريري الذي لا يحتمل ضغوطا إضافية، خصوصا إذا تحولت ورقة الشارع من ورقة له الى ورقة عليه.

بعدما تعذر انعقاد المجلس الأعلى للدفاع (برئاسة رئيس الجمهورية)، ومجلس الأمن المركزي (برئاسة وزيرة الداخلية)، لأن الوقت ليس وقت قرارات أمنية وإنما وقت معالجات سياسية أو لأن التوافق السياسي على معالجات أمينة لم تحصل.

جرت محاولة من نوع آخر عندما بادر قائد الجيش الى اجتماع أمني في اليرزة جمعه مع قادة الأجهزة الأمنية (الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة)، وتم فيه التوصل الى ضرورة فتح الطرقات ولكن «حبيا» وليس بالقوة، كما تم توزيع المهام على هذه الأجهزة، بحيث لا يعود الجيش لوحده مسؤولا عن أمن الطرقات وفتحها.

ولكن سرعان ما تبين أن هذه المحاولة لا تمتلك مقومات النجاح إذا لم ترفدها حوافز سياسية، وأن طرقات الشارع ستستمر مقطوعة طالما لم تفتح طرقات الحلول السياسية.

٭ سادسا: تفاقم الأزمة وبروز مخاطر وملامح فوضى أمنية في ظل حالة من شلل عام وتام في البلاد.

كل ذلك يؤدي الى تسريع وتيرة الانهيار النقدي والمالي على وقع خشية متزايد من انهيار في سعر صرف الليرة وعدم قدرة مصرف لبنان على استيعاب الوضع والتدخل للجم أزمة الثقة، حتى لو ألقى بثقله واستخدم ما هو متوافر لديه من «سلاح» وقدرات.

وعلى وقع ضغوط تمارس على مصرف لبنان والحاكم رياض سلامة من «شارع جانبي» متفرع عن شارع الثورة الأساسي ومنفصل عنه.

وفي ظل إقفال متواصل للمصارف في وضع غير طبيعي وغير مسبوق يجعل أن فتح أبواب المصارف هو المشكلة وليس استمرار إغلاقها.

ملخص كل هذا الوضع والصورة القاتمة أن الأزمة إلى اشتداد ودرجة المخاطر ترتفع بانتظار من سيخطو الخطوة الأولى الى الوراء، وأيهما يسبق الاختراق السياسي في جدار الحكومة، أم الاختراق الأمني في الشارع المقطع أوصالا؟!

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com