الكنيسة المارونية و«الحزب» وجهاً لوجه.. معركة المواصفات الرئاسية فُتحت على مصرعيها

ون وباسيل خلال جولة في البترون الاحد

عكستْ المواصفاتُ التي حدّدها البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، للرئيس العتيد للجمهورية في لبنان، وأبرزها أن «الرئيس التوافقي بمفهومنا هو صاحب خيارات سيادية لا يساوم عليها أمام الأقوياء والمستقويين لا في الداخل ولا في الخارج»، أن هذا الاستحقاقَ دَخَلَ ديناميةً جديدةً يُنتظر أن يحكمها اشتدادُ ضراوةِ «الحرب الباردة» الرئاسية التي نَقَلها الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله إلى بُعد آخَر حين رَسَم مواصفاته لـ «الرئيس الشجاع الذي يُطَمْئن المقاومة ولا يتآمر عليها أو يطعنها في الظهر ولا يرتجف أمام الأميركيين».

ولم يَعُد خافياً مع وقوع البلاد بين «فكّيْ كماشةِ» شغورٍ بالموقع الأول في النظام وتكبيلٍ للحكومة الرئاسية بـ «أغلال» وضعية تصريف الأعمال، أن الانتخابات الرئاسية التي انتهتْ قبل أسبوعين المهلةُ الدستورية لإجرائها انتقلتْ في الساعات الماضية إلى مرحلةٍ جديدةٍ مع انفتاح «معركة المواصفات» على مصرعيها وخروج «حزب الله» خصوصاً من «الظلّ» في هذا الاستحقاق ليتصدّر واجهةَ إدارة دفّته على ضفة قوى الموالاة من فوق الانقسامات التي تسودُ هذا الفريق في ضوء تَنافُس «الإخوة الأعداء» زعيم تيار «المردة» سليمان فرنجية ورئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل على دخول قصر بعبداً.

وعشية جلسة الانتخاب الرئاسية السادسة التي يعقدها البرلمان الخميس المقبل، والتي يستحيل أن تُفْضي إلى أي اختراقٍ، ازدادتْ الضبابيةُ حيال مآل هذا الاستحقاق في ظل ارتسام مكاسرة بخلفيتيْن محلية وخارجية لم يتوانَ نصرالله وقادة في حزبه عن تظهيرها تباعاً، وتحديداً بوجه محاولات الإتيان برئيس يشكل امتداداً «للاستهداف الأميركي للمقاومة»، كما يُراد أن له يأتي في سياق «طي صفحة الصراع مع العدو الإسرائيلي والتعاطي مع المقاومة كميليشيا»، وهو ما يُخشى معه تالياً أن يتوغل هذا الملف في حقلٍ من التعقيداتِ التي يصعب الفكاك منها إلا بعد عمليةٍ طاحنة من الانهاك واستنزاف القوى.

ولم يكن عابراً أمس أن يذهب رئيس كتلة نواب «حزب الله» محمد رعد إلى توصيف «ما نحن فيه الآن من اشتباكٍ سياسي حولَ اختيار رئيسٍ للجمهورية» بأنه «اشتباكٌ يقوم على خلفيّة التنازع بين توجّهين حضاريّين وليس فقط سياسييْن»، على خلفية الموقف من «الصراع مع العدو»، وكذلك إشارته البالغة الدلالات إلى «أننا في الاستحقاق الرئاسي نعرف مَن نريد ونتحرك من أجل أن يأتي إلى الرئاسة مَن نريد».

واعتبر أن «الشغور يصنعه عدم التفاهم على الرئيس اللائق بشعبنا المُقاوِم، وعندما يحصل هذا التفاهم، يكون هناك رئيس للجمهورية، ونحن مستعجلون أكثر من كل الآخرين، والمسألة ليست برفْع الصوت، وبكل بساطة نتعامل مع هذه المسألة بكل انسيابية»، مشيراً إلى أن «البعض في لبنان يتعنّتون لأنهم يريدون رئيساً يأتي به الآخَرون من خارج البلاد وهذا لن يكون بكل بساطة مهما طال الزمن».

ولم تهدأ في بيروت التكهنات حول كلام نصرالله ثم موقف رعد بصيغة «نعرف مَن نريد ونعمل له للرئاسة» وليس «ما نريد»، وسط قراءتين له، الأولى أنه في سياق إعلانِ «فرنجية أو لا أحد» والتمهيدِ لمسارٍ يُفْضي إلى «توافق قهري» عليه، يستنسخ ما حصل وأوصل العماد ميشال عون إلى بعبدا في 2016، في إطار إكمال الإمساك بمفاصل القرار في لحظةٍ حساسة اقليمياً ودولياً وفي مرحلة داخلية باتت محكومةً في امتدادها الخارجي بأبعاد اتفاق الترسيم مع اسرائيل الذي دَفَعَ الحزب في اتجاهه.

والقراءة الثانية أن هذه الاندفاعة هي في إطار رفْع السقف للحدّ الأقصى وفق مقتضيات إدارة التوازن السلبي في البرلمان والالتفاف على عدم القدرة حتى الساعة على كسْر «الحُرْم» الذي يضعه باسيل على فرنجية، لضمان وصول مرشّح تسويةٍ بموازين تضع «العصمةِ» الرئاسية (في التسمية) في يد «حزب الله» والفيتو للآخَرين.

وفي أي حال، وعلى مشارف أسبوعٍ ينطبع غداً، بلقاء موسع لما بين 30 و40 من نواب المعارضة، من تغييريين ومستقلين مع نواب حزب الكتائب، في محاولة لتنسيق الموقف أكثر في الاستحقاق الرئاسي الذي تخوضه غالبية المعارضة حتى الساعة بالمرشح ميشال معوض (بات يحوز أصوات 49 من نوابها الـ 67)، لم يكن عابراً إعلان الاليزيه مساء السبت أن الرّئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اتّصل بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وشدّدا «على ضرورة انتخاب رئيس للبنان واجراء إصلاحات هيكليّة»، وبحثا «الأخطار التي تهدّد استقرار المنطقة وتوافقا على تعزيز الشّراكة الاستراتيجيّة والتعاون في مجال الطاقة».

وعلى وقع هذه المناخات، خرج البطريرك الراعي محدداً الإطار المتكامل للانتخابات الرئاسية بعيداً من «اختراع البدع والفذلكات للتحكم بمسار العملية الانتخابية ونتائجها على حساب المسار الديموقراطي»، وطارحاً ما بدت مواصفات مضادة للتي أعلنها السيد نصرالله.

وقال في عظة الأحد «يتكملون عن رئيس توافقي.

الفكرة مرحَّب بها في المبدأ، شرط ألّا تكون حقاً يراد به باطل، وشرط أن يتم اختيار رئيس حر يلتزم بقسمه والدستور (…) الرئيس التوافقي بمفهومنا هو صاحب موقف صلب من القضايا الأساسية، وصاحب خيارات سيادية لا يساوم عليها أمام الأقوياء والمستقويين، ولا أمام الضعفاء والمستضعفين، لا في الداخل ولا في الخارج.

هو الذي يحترم الدستور ويطبّقه ويدافع عنه، ويظل فوق الانتماءات الفئوية والحزبية، وهي تلتف حوله وتؤيده ويكون مرجعيتها وتطمئن إلى رعايته.

ليس الرئيس التوافقي رئيساً ضعيفاً يدير الأزمة ويداري العاملين ضد مصلحة لبنان.

ولا رئيساً يبتعد عن فتح الملفات الشائكة التي هي السبب الأساس للواقع الشاذ السائد في كل البلاد.

ولا رئيس تحدٍّ يفرضه فريقه على الآخَرين تحت ستار التفاوض والحوار والتسويات والمساومات، أو يأتون ببديلٍ يتبع سياسة الأصيل نفسها.

فيتلاعبون به كخف الريشة ويسيطرون على صلاحياته ومواقفه ويخرجونه عن ثوابت لبنان التاريخية ويدفعونه إلى رمي لبنان في لهيب المحاور».

وأضاف أن «الرئيس الذي نريده هو رئيس على مقياس لبنان واللبنانيين، يرفع صوته في وجه المخالفين والفاسدين ومتعددي الولاءات والذي يقول للعابثين بمصير البلاد: كفوا إساءاتكم إلى لبنان، وكفوا عن تعذيب اللبنانيين، وكفوا عن المضي في مشاريع مكتوب لها السقوط الحتمي آجلاً أو عاجلاً لأنها ضد منطق التاريخ، وضد منطق لبنان”.

وتابع “الرئيس الذي نريده هو الذي يتحدى كل من يتحدى اللبنانيين ولبنان، والذي يقضي على المساعي الخفية والظاهرة إلى تغيير هوية لبنان الوطنية والتاريخية.

وبقدر ما نحن حاضرون للنضال والكفاح لمنع تغيير وجه لبنان بقيمه وبخصوصيته، فإننا مستعدون أكثر فأكثر للتفاوض والحوار حول تطوير لبنان في إطار الحداثة والعدالة والحياد واللامركزية الموسعة ومقترحات أخرى… إن الرئيس التوافقي المنشود لا يمكن إختياره إلا بالإقتراعات اليومية المتتالية والمشاورات بين سائر الكتل النيابية».

و«أمام فشل مجلس النواب الذريع في انتخاب رئيس جديد للجمهورية، بحيث كانت الجلسات الخمس بمثابة مسرحية – هزلية أطاحت بكرامة الذين لا يريدون انتخاب رئيس للبلاد ويعتبرون أنه غير ضروري للدولة، ويحطون من قيمة الرئيس المسيحي – الماروني، بالإضافة إلى فشل كل الحوارات الداخلية أو بالأحرى تفشيلها من سنة 2006 حتى مؤتمر إعلان بعبدا سنة 2012»، قال الراعي «إننا لا نجد حلا إلا بالدعوة إلى عقد مؤتمر دولي خاص بلبنان يعيد تجديد ضمان الوجود اللبناني المستقلّ والكيان والنظام الديموقراطي وسيطرة الدولة وحدها على أراضيها استناداً إلى دستورها أولاً ثم مجموع القرارات الدولية الصادرة في شأن لبنان.

وأي تأخير في اعتماد هذا الحل الدستوري والدولي من شأنه أن يورط لبنان في أخطار غير سلمية ولا أحد يستطيع احتواءها في هذه الظروف».

وختم «إن الأمم المتحدة معنية مع كل دولة تعتبر نفسها صديقة لبنان أن تتحرك لعقد هذا المؤتمر».

الراي – وسام أبوحرفوش وليندا عازار

مسؤلية الخبر: إن موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً او مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.

Comments are closed.