حكومة لبنان محكومة بالاستجابة لبرامج الإنقاذ الدولية

للمشاركة

ربما يكون من باب «الصدفة» البحت أن تَستبق حزمةُ إشاراتٍ ومؤشرات بتوقيتٍ متلاحق، الانطلاقةَ العملية لحكومة لبنان التي شرعت للتو بإعداد البيان الوزاري الممهّد لمحضها الثقة من مجلس النواب الممثَّل في غالبية كتله الوازنة، باستثناء «القوات اللبنانية» ضمن التشكيلة المولودة برئاسة نجيب ميقاتي (هو ثالث شخصية تُكلَّف بعد السفير مصطفى أديب والرئيس سعد الحريري) و13 شهراً من ثِقل حِمْل المشاورات والمفاوضات الشاقة.

أولى الإشارات الحيوية تمثّلت في تعظيم التحويل الوارد من صندوق النقد الدولي، ليرتفع المبلغ الاجمالي من 860 مليون دولار إلى نحو 1.135 مليار دولار بعدما استجابتْ إدارةُ الصندوق لطلب وزارة المال تحرير أرصدة إضافية من حقوق السحب الخاصة لم تَرِدْ ضمن التوزيعات الواردة في الجداول الرسمية التي بلغت قيمها الاجمالية نحو 650 مليار دولار، ويجري تحويلها إلى جميع الأعضاء حول العالم. وسيتم إيداع هذا المبلغ لدى مصرف لبنان يوم الخميس المقبل.

رئيس «اتحاد البترول»: نرفض أي حديث عن المساس بحقوق العاملين في القطاع النفطي… ورواتبنا خط أحمر
منذ 7 ساعات

رواتب القطاع النفطي تحت مجهر التقشف
منذ 9 ساعات
الثاني، استحقاق رفْع الدعم الكامل عن المشتقات النفطية للمستهلكين وخفْضه إلى النصف للأدوية وإبقائه كاملاً على الطحين، وذلك بفعل نفاذ الاحتياطات الحرة لدى البنك المركزي. وهو سبب منطقي لا يقبل المزايدة ولا الجدال، ولا يحتاج الى قرارٍ مَرْجعي تَهَرَّبَتْ السلطتان التنفيذية والتشريعية من تبعاته السياسية والانتخابية على مدى 20 شهراً عقب إتمام الحكومة السابقة برئاسة حسان دياب خطة ترشيد الدعم معزَّزة باقتراحات خفْض مبالغه تدريجاً، وصولاً لإصدار بطاقة تمويلية بحدود مئة دولار لنحو 500 ألف أسرة.

الثالث، ويندرج ضمن مساريْن متوازييْن: أوّلهما تَرَقُّب وصول باخرة الفيول الأولى خلال أيام قليلة تنفيذاً للعقد الذي أبرمتْه الدولة اللبنانية ممثَّلة بوزارة الطاقة مع دولة العراق بعدما قررت حكومته المبادرة، على سبيل المساعدة الطارئة للبنان لقاء «تسهيلات» مالية وشبه مالية، لتمكينه من الحصول على مليون طن من النفط الخام. وهي الكمية التي سيجْري استجرارها خلال سنة، مسبوقة وبالتدريج بإجراء مناقصات تتولاها شركات عالمية لاستبدال الخام بمادة الفيول أويل لمصلحة مؤسسة الكهرباء. وسيتزامن وصول الشحنة الأولى مع بدء تنفيذ المسار الثاني الذي ستتضح آلياته اللوجستية خلال أيضاً وينفذّه «حزب الله» عبر استقدام بواخر محروقات من ايران، والتي وصلت أولاها فعلياً إلى أحد الموانىء السورية.

الرابع، وهو الأثر النفسي التلقائي الذي عكسه إنجاز استحقاق تأليف الحكومة على سعر صرف الليرة، بحيث تجري المبادلات النقدية حالياً حول عتبة 16 ألف ليرة لكل دولار وبهوامش تحرُّك ضيقة يومياً. وهذا العامل هو الأكثر تأثيراً في معيشة السكان وفي انطباعاتهم الاولية واللاحقة في مواكبة المهمات الحكومية، وخصوصاً لجهة الاستجابة لشروط دفق المساعدات الخارجية، واستئناف مفاوضات عقد اتفاقية برنامج مع صندوق النقد الدولي.

ووفق قراءاتِ مراقبين وتحليلات خبراء سألتْهم «الراي»، يمكن أن تشكّل هذه الحزمة بمجموعها وبتزامُنها وبتشعّباتها، ومعزَّزة بالترحيب بالولادة «القيصرية» في غرفة عمليات التقاطعات الاقليمية والدولية، محطةَ توقُّف موقت، يؤمل أن تمنح الحكومةَ فرصة ذهبية، ولو ضمن مهلة الأشهر الثمانية السابقة لاستحقاق الانتخابات النيابية والبلدية الموعودة أوائل شهر مايو 2022، للانكباب سريعاً على كبْح الانهيار المتواصل والشروع بتحديد معالم القعر الذي انحدرت إليه الأوضاع النقدية والمالية والمعيشية، توطئةً لإعداد خطة وطنية للإنقاذ والتعافي، تحظى بتوافق داخلي عريض قوامه التعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية وبمشاركة القطاع الخاص.

وبمنأى عن «التذاكي» المعهود لدى أصحاب القرار في الدولة والمرجعيات السياسية ولعبة «التشاطُر» في التوصيفات لوقائع الأزمات المتكدّسة التي تعانيها البلاد والتقديرات المتصلة بها لجهة الخسائر والاحتياجات والحجْز المسبق للمحاصصات في إدارة التدفقات النقدية المتوخاة من الخارج في المرحلة اللاحقة، يؤكد اقتصاديون أن هامش المناورة سيكون ضيقاً للغاية في التعامل مع الدول المانحة، وعلى الحكومة تضييقه أكثر بغية اكتساب الصدقية في التفاوض والجدية في تنفيذ برامج الاصلاحات. فهذه الخيارات هي وحدها الكفيلة الحصول على خريطة طريق الصعود من القعر.

وبامكان الحكومة، بحسب الاقتصاديين، اختصار الكثير من الوقت وسد منافذ «الاجتهادات» التي قد تضرب خطط الإنقاذ من باب الرؤية والاقتراحات. فثمة وثيقة مرجعية قدّمتْها مدير عام صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا الى المؤتمر الافتراضي لمانحي لبنان في الرابع من أغسطس الماضي، أي أن حِبْرها لم يجفّ بعد، وفي مندرجاتها:

أولاً: المعالجة المباشرة للمشكلة الجوهرية المتعلقة بضعف الحوكمة، من خلال تعزيز مكافحة الفساد، وتحسين أداء وظائف الدولة، ولا سيما إدارة الشركات المملوكة للدولة، والتركيز على قطاع الطاقة باعتباره أهمّ مجال للتحرك، واستكمال تدقيق حسابات مصرف لبنان والشركة المعنية بتقديم إمدادات الكهرباء.

ثانياً، تنفيذ استراتيجية للمالية العامة تجمع بين إعادة الهيكلة العميقة للدْين وإجراء إصلاحات لاستعادة البلاد صدقيتها، مع الاهتمام بالإنفاق الاجتماعي كجزءٍ من هذه الاستراتيجية.

ثالثاً، إجراء عملية إعادة هيكلة شاملة للقطاع المالي، والاعتراف مقدَّماً بخسائر البنوك الخاصة ومصرف لبنان، ولكن على نحو يوفر الحماية لصغار المودعين.

وأخيراً وليس آخِراً، الحاجة إلى نظام موثوق للنقد والصرف، يرتكز على توحيد أسعار الصرف.


للمشاركة


إقتصاد
إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولة عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com