Home » إقتصاد, العالم » فضيحة «فنسن».. تكبر عالمياً

أحدثت الوثائق المسرّبة ــــــ التي تزعم تورّط أكبر المؤسسات المصرفية في عمليات غسل أموال، تقدر بتريليوني دولار، على نحو 20 عاماً ـــــ هزةً في القطاع المصرفي العالمي، لكونها كشفت عن تورّط مجموعة من البنوك الكبرى؛ مثل: جي بي مورغان تشايس، وإتش إس بي سي، وستاندرد تشارترد، ودويتشه بنك، وبنك أوف نيويورك ميلون، وسيتي بنك، وغيرها.

واستند التحقيق الذي أجراه موقع buzzfeed والاتحاد الدولي للصحافة الاستقصائية إلى 2100 تقرير للأنشطة المشبوهة، قدمتها البنوك إلى شبكة مكافحة الجرائم المالية الاميركية (فنسن) التابعة لوزارة الخزانة الأميركية. وتوفّر الوثائق معلومات عن أكثر من 10 آلاف شخص في 170 دولة، في حين تصل الى 22 ألف صفحة، وقد استغرق تحليلها نحو 16 شهراً.

تظهر التقارير التي قدمتها البنوك الكبرى إلى الجهات التنظيمية الفدرالية كيف ساعدت (البنوك) الإرهابيين وتجار المخدرات المشتبه بهم ومسؤولين أجانب فاسدين على نقل تريليونات الدولارات حول العالم، على الرغم من مخاوفها بشأن الطبيعة المشبوهة للمعاملات، ورغم اشتباه البنوك في وجود شبهة نشاط غير قانوني إلا أنها قامت بمعاملات مصرفية بمبالغ كبيرة بكل الأحوال، بحسب ما أفادت صحيفة نيويورك تايمز، كما تظهر الوثائق كيف سمحت أكبر البنوك في العالم للمجرمين بنقل الأموال القذرة حول العالم دون حسيب ولا رقيب.علما انه يتعين على البنوك والمؤسسات المالية تقديم تقارير سرية حول الأنشطة المشبوهة عندما تشتبه في تورط عملائها في جرائم مالية إلى الجهات التنظيمية ووكالات مكافحة الجريمة للمساعدة في استئصال جرائم مثل غسل الأموال وتمويل الإرهاب وعمليات الاحتيال.

ولم تنشر BuzzFeed والاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، العديد من تقارير الأنشطة المشبوهة الفعلية التي حصلوا عليها. وفي بيان صدر هذا الشهر، حذرت فنسن من أن «الكشف غير المصرح به عن تقارير الأنشطة المشبوهة جريمة يمكن أن تؤثر على الأمن القومي للولايات المتحدة، وتهدد تحقيقات إنفاذ القانون، وتهدد سلامة وأمن المؤسسات والأفراد الذين يقدمون مثل هذه التقارير». وتتعلق الغالبية العظمى من تقارير الأنشطة المشبوهة التي تم تسريبها بالفضائح التي تم الإبلاغ عنها سابقا والمسائل التنظيمية، مثل مخطط التداول الروسي الذي قام به مصرف دويتشه بنك، والذي قام من خلاله بغسل 10 مليارات دولار من روسيا من عام 2011 حتى عام 2015.

وثائق مسربة

ومن بين النتائج الرئيسية التي تكشف عنها الوثائق المسربة، هي أن ستاندارد تشارتر، الذي يعمل بشكل أساسي في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا، يبدو أنه ساعد في نقل الأموال نيابة عن شركة مقرها دبي، التي يقال إن لها علاقات مع طالبان. كما كشفت الوثائق أن جي بي مورغان وبنك نيويورك ميلون وبنوك أخرى ربما ساعدت في نقل أكثر من 150 مليون دولار للشركات المرتبطة بالنظام الكوري الشمالي.

وفي أواخر عام 2013، قدم المسؤولون في جي بي مورغان تشيس أيضا ما لا يقل عن ثمانية تقارير عن أنشطة مشبوهة حول النشاط المصرفي المرتبط ببول مانافورت، رئيس حملة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لعام 2016، كما قام بنك جي بي مورغان بتحويل أكثر من مليار دولار لمن يزعم أنه العقل المدبر لعملية احتيال ضخمة تتعلّق بصندوق الثروة السيادي الماليزي.

وفي أحد تقارير الأنشطة المشبوهة، حذر مسؤولون في بنك أوف أميركا الحكومة الفدرالية في أوائل عام 2016 من مخاوف خطيرة وجدية بشأن فشل دويتشه بنك في اكتشاف ومنع عمليات غسل الأموال. وكان دويتشه بنك من بين البنوك الأكثر تعرضا للعقوبات في العالم، ويرجع ذلك جزئيا إلى تورطه في عمليات غسل أموال لمصلحة الأثرياء الروس.

وقالت باتريشيا ويكسلر المتحدثة باسم جي بي مورغان «لقد لعبنا دورا قياديا في إصلاح مكافحة غسل الأموال والذي من شأنه أن يعمل علي تحديث مكافحة الحكومة وجهات إنفاذ القانون لعمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب والجرائم المالية الأخرى».

وقال المتحدث باسم ستاندرد تشارترد، كريس تيو «نأخذ مسؤوليتنا في مكافحة الجرائم المالية على محمل الجد، وقد استثمرنا بشكل كبير في برامج الامتثال لدينا». ولم يرد ممثل عن بنك أوف نيويورك ميلون على الفور على طلب للتعليق. في حين صرح دويتشه بنك في وقت سابق بأنه يعمل على تحسين أنظمة مكافحة غسل الأموال لديه.

تحقيق وتدقيق

ويخضع دويتشه بنك للتدقيق في الولايات المتحدة بسبب دوره الطويل كمقرض رئيسي للرئيس ترامب. وقالت BuzzFeed إنها لم تتلق أي تقارير عن أنشطة مشبوهة تتعلّق بالرئيس ترامب. وكانت صحيفة نيويورك تايمز ذكرت العام الماضي أن مسؤولي مكافحة غسل الأموال في دويتشه بنك أثاروا مخاوف بشأن المعاملات التي تنطوي على حسابات ترامب وجاريد كوشنر، صهر الرئيس، لكن مديري البنك قرروا عدم تقديم أي تقرير حول وجود أنشطة مشبوهة.

ويبدو أن تقارير الأنشطة المشبوهة المتعلّقة بمانافورت قد ساعدت في الكشف عن مجموعة كبيرة من الوثائق، وبحسب BuzzFeed تشير الوثائق إلى أن البنوك تستخدم أحيانا نظام الإبلاغ عن الأنشطة المشبوهة كغطاء قانوني لتسهيل نشاط غير قانوني محتمل، وأن التقارير لا تفعل شيئا يذكر لمساعدة المسؤولين الفدراليين في مقاضاة الجناة.

من جهتها، عرضت صحيفة فايننشال تايمز بعض التفاصيل الأساسية المتعلقة بالتقارير الأنشطة المشبوهة للبنوك التالية:

دويتشه بنك

قدم أكبر مقرض في ألمانيا معظم تقارير الأنشطة المشبوهة مقارنة بأي بنك آخر في تسريبات الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، أي ما مجموعه 1.3 تريليون دولار من المعاملات. وتتعلق أهم تقارير الأنشطة المشبوهة بفضيحة غسل الأموال الروسية من خلال ما عرف آنذاك باسم Mirror trades، حيث تم تغريم دويتشه بنك بمبلغ 630 مليون دولار من قبل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في عام 2017 ولا يزال ينتظر عقوبة محتملة من وزارة العدل.

وعلى الرغم من تقديم أكثر من 100 تقرير للأنشطة المشبوهة بين عامي 2012 و 2015 بشأن هذه المسألة، استمر مصرف دويتشه بنك في السماح للعملاء الروس بشراء أوراق مالية بالروبل من خلال مكتبه في موسكو ثم بيع أوراق مالية متطابقة بالعملة الأجنبية، بما في ذلك الدولار في لندن. وتظهر تفاصيل جديدة القلق الذي انتاب بنوك أخرى حيال دويتشه بنك، فبعد زيارة إلى مكتبه في لندن في عام 2016، كان بنك أوف أميركا قلقا للغاية بشأن عمليات الفحص النافي للجهالة التي أجراها مصرف دويتشه بنك للعملاء الروس، لدرجة أنه اتخذ خطوة غير مألوفة تتمثل في تقديم تقرير نشاط مشبوه ضد نظيره إلى السلطات الأميركية، إضافة إلى ذلك، وبعد أن طلب من أحد كبار المديرين مغادرة المكتب في منتصف اجتماع بشأن هذه المسألة، ورد أن المديرين التنفيذيين في بنك أوف أميركا نقلوا مخاوفهم مباشرة إلى رئيس مجلس إدارة دويتشه بنك بول أخلايتنر.

وقال دويتشه بنك إنه لم يجد أي دليل على أن أخلايتنر تلقى أي تقارير من بنك أوف أميركا وأن أي قضايا كان من الممكن أن يتعامل معها الرئيس التنفيذي آنذاك جون كريان، مضيفا ان مجلس الرقابة في البنك مارس بجدية مسؤوليته الرقابية في ما يتعلق بمسألة التداولات الروسية المتطابقة، ورفع الأمر إلى مجلس الإدارة.

وبشكل منفصل، انتقد كتاب تم الكشف عنه حديثاً عام 2016 من المنظم المالي في المملكة المتحدة بشدة دويتشه بنك بسبب تعامله المتكرر مع «عملاء مربحين للغاية، بغض النظر عن مخاطر وقوع الجرائم المالية» واعتبر أن «قيادة البنك المعنية بالجرائم المالية كانت غائبة لفترة طويلة من الزمن».

اللغة المستخدمة في التوبيخ العلني اللاحق كانت أقل حدة، وتم إعفاء كبار المديرين من المسؤولية. كما أفاد الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين بأن الهيئة البريطانية لمراقبة السلوك المالي كانت تدرس في البداية فرض غرامة، قدرها 1.7 مليار جنيه إسترليني، لكنها خفّضت الرقم إلى 163 مليون جنيه إسترليني.

«إتش إس بي سي»

يزعم أن أكبر بنك في أوروبا، وهو المتورّط سابقاً في إخفاقات الامتثال والرقابة بعد تغريمه 1.9 مليار دولار في عام 2012 لمساعدة عصابات المخدرات المكسيكية في غسل الأموال، استمر في تحويل أموال، يبلغ مجموعها 15 مليون دولار بين الولايات المتحدة وهونغ كونغ، حتى بعد تقديم تقارير أنشطة مشبوهة عدة، بشأن مخطط بونزي صيني، قوامه 80 مليون دولار في عامي 2013 و2014.

عملية الاحتيال، المعروفة باسم WCM777، لم يتم إغلاقها من قبل «إتش إس بي سي» حتى بعد استنزاف معظم الأموال من الحسابات. وكان البنك أبلغ أول مرة عن نشاط مشبوه في أكتوبر 2013، حتى إنه أطلق عليه اسم «مخطط بونزي محتمل»، لكنه لم يتوقف عن التعامل مع الجاني إلا بعد حوالي خمسة أشهر عندما تم توجيه اتهامات جنائية أميركية ضده.

ورفض «إتش إس بي سي» التعليق على الموضوع، لكنه قال إنه أنفق المليارات على تطوير أنظمة الامتثال والرقابة الخاصة به منذ عام 2012، وأصبح الآن «مؤسسة أكثر أماناً».

«باركليز»

يزعم أن البنك البريطاني استخدم من قبل مساعد للرئيس الروسي فلاديمير بوتين لغسل الأموال خلال الفترة من 2012 إلى 2016. وافتتح «باركليز» حساباً لشركة تسمى Advantage Alliance في عام 2008 تم ربطه لاحقا بالملياردير أركادي روتنبرغ. وقد قامت الشركة بمعاملات مشبوهة بقيمة 60 مليون دولار خلال تلك الفترة الزمنية، بما في ذلك تمويل شراء لوحة لرينيه ماغريت بقيمة 7.5 ملايين دولار.

في عام 2016، حقق «باركليز» في الأمر، وأغلق الحساب، لأنه وجد أدلة على وجود روابط مع روتنبرغ، لكن البنك قدم تقارير أنشطة مشبوهة عدة حول حسابات مشبوهة أخرى مرتبطة بالرجل وعائلته، ظلت مفتوحة حتى عام 2017.

وقال «باركليز»: «نعتقد أننا امتثلنا لجميع التزاماتنا القانونية والتنظيمية، بما في ذلك ما يتعلق بالعقوبات الأميركية» وأن تقرير الأنشطة المشبوهة لم يكن دليلاً على وجود نشاط إجرامي.

خريطة المتورطين

بحسب البيانات، هناك أكثر من 250 تقرير انشطة مشبوهة لها علاقة بأشخاص مقيمين في الولايات المتحدة، واكثر من 120 تخص أشخاصاُ من روسيا، بينما جاءت المملكة المتحدة والصين وألمانيا والامارات وكندا واوكرانيا في القائمة، حيث ظهر كل منهم على الأقل 20 مرة في القائمة. وعلى صعيد مواقع الشركات، فقد ضمت القائمة أكثر من 400 شركة يقع مقرها في جزر فيرجينيا البريطانية، وأكثر من 300 في هونغ كونغ، وهما من الأماكن المعروفة بكونها ملاذاً آمناً لاخفاء الثروات، في حين جاءت 278 شركة تضمنتها الوثائق مقرها الإمارات.

جو لو ورَّط 27 بنكاً

أظهرت تسريبات شبكة التحقيق في الجرائم المالية التابعة لوزارة الخزانة الأميركية (فنسن) أن جو لو، الممول الهارب والعقل المدبر لعملية الاحتيال والسرقة التي تعرض لها الصندوق السيادي الماليزي نقل مليارات الدولارات من خلال معاملات تم تصنيفها من قبل عدة بنوك أميركية بأنها مشبوهة بين عامي 2009 و2016، كاشفة المعاملات المشبوهة بين لو والشركات ذات الصلة جاءت في وقت مبكر من عام 2009، وهو العام الذي تم فيه تشكيل الصندوق السيادي الماليزي 1MDB.

الخطوة التالية

كشفت التسريبات عن مشاكل أوسع في قلب الرقابة العالمية على عمليات غسل الأموال والاحتيال، حيث دعت هذه الوثائق بعض المجموعات والنشطاء لإجراء إصلاحات وتضييق الخناق على الأنشطة الإجرامية. ومع ذلك، تتزايد المخاوف حيال فرض غرامات ضخمة على المصارف المتورطة؛ بسبب ثغرات في الضوابط ما دفعها لإنفاق مليارات الدولارات لتعزيز الامتثال. ودعا معهد التمويل الدولي إلى تنفيذ إصلاحات، حيث قال: هناك توازن يجب تحقيقه بين إدارة مخاطر الجرائم المالية وضمان وصول العملاء الشرعيين إلى النظام المالي. وطالبت منظمة الشفافية الدولية البنوك والهيئات التنظيمية وجهات إنفاذ القانون وصانعي السياسات باتخاذ إجراءات حاسمة لوقف تدفق الأموال القذرة. وقالت خبيرة الأبحاث والسياسات في منظمة الشفافية مايرا مارتيني إن ملفات فنسن تعد دليلاً آخر على تعطل النظام العالمي لمكافحة غسل الأموال، مع الإشارة إلى أن البنوك يجب أن تكون خط الدفاع الأول ضد تدفقات الأموال الفاسدة، لكن من دون إشراف ومساءلة صحيحة للمصارف وموظفيها لن يكون هناك حافز كبير للتخلص من العملاء المشتبه فيهم.

وقال الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين إن 27 بنكا قد تم تمييزها في معاملات تتضمن جو لو، حيث تضمنت التسريبات ثمانية تقارير أنشطة مشبوهة شملت 103 معاملات بقيمة 2.53 مليار دولار (10.39 مليارات رينجيت ماليزي).

وقدمت خمسة بنوك مثل هذه التقارير وهي سيتي بنك دويتشه بنك تراست كومبوني واتش اس بي سي وجي بي مورغان تشيس وبنك أوف نيويورك ميلون.

وفي عام 2013، أبلغ بنك نيويورك ميلون وجيه بي مورغان تشيس وبنوك أخرى عن أكثر من 100 عملية تحويل أموال مشبوهة من وإلى الشركات المرتبطة بمخطط لو والصندوق الماليزي. وقال الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين: «تم الابلاغ عن مزيد من المعاملات بعد أن رفعت الحكومة الأميركية دعوى قضائية ضد لو في يوليو 2016، سعيا لمصادرة الأصول التابعة له».

إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولة عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
WhatsApp إحصل مجاناً على "أخبار الأرز" عبر واتس آب