Home » diverts » في دمشق وبسبب الحرب.. صناعة الطرابيش تضررت أيضا بعد أن كانت تصل إلى أوروبا وأمريكا الجنوبية

لا يشعر هيثم طباخة بأي حرج من ارتداء اللباس الدمشقي التقليدي في الوقت الحالي، والخروج به لتأدية بعض الزيارات أو المشاركة في المناسبات، ولا ينسى طبعاً وضع طربوشه المحبب.

طباخة الذي أقام قبل عدة سنوات متحفاً للتراث في حي القنوات، جمع فيه كل ما وصل إلى يديه من أشياء قديمة، قرر الحفاظ على التراث من خلال اللباس أيضاً، ليكون أوسع من مجرد جدران ممتلئة بالأواني القديمة والسيوف، وإنما جزء من الحياة الاجتماعية.

حفل للطرابيش

لم يكتف طباخة بارتداء الطربوش، بل أقام احتفالية خاصة به حددها بيوم 19 آذار، يقيم خلاله حفلاً خاصاً يسعى من خلاله إلى تشجيع الناس على لبسه. يقول طباخة لـ»عربي بوست» إنه اعتاد ارتداء الطربوش مع حوالي 6 أشخاص في بعض المناسبات، ويؤكد بأنه مغرم به ويعتبره فلكوراً جميلاً. ويقدم أمثلة عن شخصيات تاريخية ارتدت الطربوش، مثل الملك فاروق وشكري القوتلي. وأضاف أنه في الماضي لم تكن تقبل شهادة لشخص حاسر الرأس.

ورشات قليلة

طباخة وأصدقاؤه هم من القلة القليلة الباقية في دمشق التي مازالت تعشق هذا الزي وتحترمه، في حين اختفى من يوميات الآخرين مع مرور السنوات كحاله في تركيا، الدولة التي صدرت الطربوش لسورية في المقام الأول. ومع تراجع الراغبين بارتدائه تقلصت هذه الصناعة، ولم يبق في دمشق سوى ورشتين أو ثلاثة مازالت تصنعها. ويتم تصدير غالبية إنتاجها للسوق الخارجي في حين تباع كمية بسيطة في السوق المحلي، حيث يشتريه عادة صناع الدراما الشامية وبعض رجال الدين بالإضافة للمطاعم.

في أحد أسواق الشام القديمة، وبعد صعود درج مرتفع دخلنا إحدى هذه الورشات التي مازال صاحبها يعمل في حرفة تعلمها من والده، وهو بدوره علّمها من حوالي 15 سنة لابنه الشاب، الذي قرر احتراف المهنة والاستمرار في مسيرة العائلة.

وأمام مجموعة من الطرابيش مازال بعضها في مراحل صناعته الأولى، في حين انتقل بعضها الآخر لمرحلة “المكبس”، أخبرنا صاحب الورشة بأنه في زمن شكري القوتلي كان يمنع دخول الموظفين من غير طربوش، وأن بعضاً من المسنّين في الشاغور والميدان مازالوا يرتدون الطربوش في المناسبات.

صورة من داخل إحدى ورشات صناعة الطرابيش في دمشق

ويشرح بأن غالبية الطرابيش المنتشرة في السوق، المصنوعة من الكرتون والمغلفة بالمخمل، سعرها منخفض فهي بحدود 500 ليرة للقطعة المفردة، و350 ليرة إن بيعت بالجملة. في حين توجد طرابيش مصنوعة من القش سعرها مرتفع جداً يفوق 100 ألف ليرة، بالإضافة لطرابيش قش مقبولة السعر بحدود 6 آلاف ليرة، يرتديها عادة رجال الدين. دون أن ننسى طرابيش المولوية ويكون طولها عادة 20 سم، ولونها مثل لون الجمل.

وعن طريقة تصنيع الطربوش، يوضح أنه يقص الكرتون على القالب، ثم يضع بطانة وبعدها يقوم بقص الأطراف الزائدة، ثم يضع لها “الشرشوبة»، وهي الخيوط السوداء الموضوعة في زاوية الطربوش.

في ورشته الصغيرة يصنع يومياً حوالي 60 طربوشاً، ولا يخاف من انقراض مهنته، حيث أجابنا ضاحكاً حينما سألناه بهذه الخصوص: “طالما بقيت رؤوس في البلد لن تبطل هذه المصلحة».

لكنه لا ينكر في الوقت ذاته عزوف السوريين عن تعلم هذه المهنة. مشيراً إلى أن هنالك فتيات يعملن بصناعة الطرابيش، لكنهن لا يجدن كل تفاصيلها، بل يشاركن في أجزاء من التصنيع.

أما بالنسبة للشباب الذكور فهم لا يرغبون بتعلم هذه المصلحة. لأنها لا تؤمّن مستقبلاً جيّداً في رأيهم. وذكر بأنه مازال مستمراً في عمله لأنه “ربّى زبائن له»، ويقوم بتصدير إنتاجه بشكل دائم إلى لبنان وفلسطين وغيرها من الدول.

طرابيش مرصوصة داخل إحدى الورش

طربوش القش

بحثنا في جولتنا عن الطربوش الأصلي الذي تغنى به الجميع، وتحدثوا عن ارتفاع سعره، لكننا لم نتمكن من إيجاده في المحلات المنتشرة بسوق الحميدية أو سوق الخياطين أو غيرها من الأسواق القديمة، فالطرابيش المعروضة هناك هي من النوع التجاري المنخفضة الأسعار.

وجدنا ضالتنا أخيراً في دار الحديث النبوي الشريف، بالبزورية، وتحديداً لدى السيد عبدالله حلاق الشهير بأبي الفرج، الذي أخبرنا بأن شيخ الدار قرر قبل عدة سنوات إعادة إحياء حرفة صناعة الطرابيش كي لا تندثر، ورشحه (أي عبدالله) لتعلم هذه المهنة على يد أحد أساتذتها القدماء. قاموا بعد ذلك بتأمين مستلزماتها حيث يملكون اليوم كل الأدوات الضرورية لتصنيعها من مكبس وقالب وطاولة خاصة.

يوضح عبدالله أن الطلب على الطرابيش تراجع كثيراً لاسيما خلال الأزمة (سنوات الحرب)، ففي الماضي كانت الطرابيش تُصدّر لدول عدة مثل الجزائر ولبنان وفلسطين وغيرها. كما أن أرشيفه يظهر عدداً من الطرابيش التي وصلت إلى أوروبا والبرازيل.

اليوم يقتصر عمله على طربوش كل عدة أشهر، ويقول: “لا نعمل في هذا المجال من أجل الكسب المادي، وإنما لحماية التراث وحفظه، ونحن نتمنى وجود جهة تدعم هذه الجهود».

يعمل عبدالله لوحده، ودرّب مؤخراً شخصين على احترافها، كما سبق ودرّب أشخاصاً آخرين، لكنهم لم يستمروا بها حينما وجدوها غير مربحة.

يستخدم عبدالله في صناعة الطربوش قماشاً مميزاً من الجوخ مصدره التشيك أو النمسا، ويكلفه حوالي 200 دولار. توجد عدة ألوان من الأقمشة، لكن في دمشق درجت العادة على اختيار درجتين من درجات اللون الأحمر. ويحتاج كل طربوش 18 ساعة عمل.

وأمام ارتفاع أسعار المواد الضرورية لصناعته، ارتفع سعر الطربوش كثيراً مما أدى إلى انخفاض أكبر في الطلب عليه، حتى من قبل رجال الدين المعروف عنهم ارتداؤهم للطربوش. لذلك قرر شيخ الدار “حسين صعبية” إقامة وقف خيري يقوم بتقديم طربوش لكل شيخ جديد كمساعدة له.

الطرابيش ذات الجودة العالية يصعب إيجادها في أي مكان

باب الحارة

اعتدنا في السنوات الماضية رؤية الطربوش على رؤوس أبطال مسلسل باب الحارة، وغيره من أعمال الدراما الشامية، لكن أحد التجار المختصين ببيع الأزياء التقليدية، رفض الربط ما بين استمرار صناعة الطرابيش وبين الدراما، رغم أن أبطال عدة مسلسلات ارتدوا طرابيش صنعت في محله، على رأسها مسلسلا باب الحارة والدبور.

ويوضح أن صناع المسلسل عادة ما يشترون حوالي 20 طربوشاً لا أكثر للشخصيات الرئيسية، ويعتمدون لبقية الشخصيات إما طرابيش قديمة أو قبعات.

The post في دمشق وبسبب الحرب.. صناعة الطرابيش تضررت أيضا بعد أن كانت تصل إلى أوروبا وأمريكا الجنوبية appeared first on عربي بوست — ArabicPost.net.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
WhatsApp إنضم الى مجموعة الأرز الإخبارية