Home » بي بي سي عربي » معقول!!

تعرضتُ لدخول المستشفيات، وقضاء وقت فيها منذ طفولتي، فكان أبي مصابا بداء السكري، وكثيراً ما كانت تنتابه غيبوبة السكر، مما يضطرنا للذهاب للمستشفى، كرهت منذ الصغر رائحة المستشفى، شكل الطرقات، الإضاءة. كانت نذير شؤم بالنسبة لي، تعمقت لديّ هذه المشاهد بشكلٍ أكبر عندما أصيب والدي بالفشل الكلوي، ودخولي لأول مرة الحجرة التي يتلقى فيها جلسة العلاج، ورؤية أنابيب الدم المعلقة في زراع أبي بإبر سميكة، والتي تعمل على تنقية الدم، فواحدة منهما لسحب الدم من الجسم، والأخرى لإعادته، وبمجرد رؤيتي لأبي ظللت أصرخ وأبكي، لم أكن أتخيل حجم الألم الذي يتعرض له.

كرهت المستشفيات، وتمنيت من قلبي ألا يكتبها عليّ، وبعد فترةٍ وجيزة تُوفي أبي، ولم تتركني أبداً لحظة مشاهدته على جهاز علاج الفشل الكلوي، ولا الآلام التي كان يتعرض لها لو – الغَسْلة على حد تعبيره- لم تكن جيدة نتيجة لمشكلة في الجهاز، وذلك لقِدَم أجهزة غسيل الفشل الكلوي، دائماً ما أفكر أن أبي كان رجلاً ميسور الحال، ويعمل بمكان يضمن له تقديم خدمة طبية متميزة، فماذا عن الفقير؟

الإجابة عن سؤالي جاءت في نَص قانون التأمين الصحي الشامل، والذي يساوي بين فئات المجتمع، هو نظام تكافلي يضمن للقادر ولغير القادر علاجاً بنفس الجودة والمستوى، اشتراكات شهرية من كافة العاملين في الدولة والقطاع الخاص، ورجال الأعمال، وتتحمل الدولة غير القادرين، وذلك من خلال عدة موارد كتراخيص السيارات، والزيادات في أسعار السجائر وغيرها؛ لتوفير مبالغ مالية لتقديم خدمة طبية متميزة، بل حتى إمكانية السفر إلى الخارج إذا كانت الحالة الصحية للمريض تحتاج إلى ذلك!

معقول! هل حقاً أصبح من حق أي مصري أن يسافر للعلاج بالخارج؟ هل من حقه دخول أي مستشفى وتلقي العلاج الملائم والمناسب دون تحمل تكاليف باهظة؟ أعتقد أن الإجابة ستتضح خلال الأيام والسنوات القادمة، نظراً لأن نظام التأمين الصحي الشامل سيُطبق على ست مراحل حتى عام ٢٠٣٢.

حلقة هذا الأسبوع “طبية بامتياز” فبخلاف الحديث عن نظام التأمين الصحي الشامل، كان لنا لقاء آخر داخل معهد الأورام، والذي تضررت أجزاء منه بشدة بعد حادث انفجار وقع أمامه قبل عدة أيام. عندما وصلت للمعهد، كان لديّ وقت للتجوال داخله، الواجهات كانت محطمة بالكامل.

أثناء تجولك في المعهد القومي للأورام، ينتابك رغبة عارمة لشكر الله على الصحة، أن لا شيء في هذه الدنيا يضاهي لحظة ألم واحدة. على سرائر متراصة لا يفصلها عن الأخرى سوى ستارة، تعم المكان رائحة غريبة، أعتقد كنت أشتمَّها سابقاً، وقت عملي بالتليفزيون، كانت مادة رخيصة لجعل المكان له رائحة، ولكنها أبعد ما يكون عن التعقيم، التمريض في حجرته الصغيرة، أعتقد كانت وقت وجبة الغذاء، ورائحة الطعام النفاذة تغطي المكان، تعجبت كثيراً لبناء المكاتب الإداريةعلى النيل، والمرضى في غرف بعيدة لا يوجد بها سوى شباك صغير واحد، اعتصرني الألم وأنا أرى المرضي، وذويهم في انتظارهم، والقاسم المشترك بينهم أنهم من الأقاليم.

صعدت بعدها للطابق الرابع حيث العلاج بالإشعاع النووي، وجدت تقريباً جهازا واحدا يعمل، وهو الجهاز الوحيد الموجود بالمعهد، وحاولت أن أفهم لماذا؟ لكن الإجابة بسيطة جداً، فتكلفة شراء الجهاز عشرة ملايين دولار، والمعهد معظم نفقاته قائمة على التبرعات، في حين أن الأموال المقدمة من وزارة التعليم العالي التابع لها المعهد تقدر بنحو 80 مليون جنيه، وهو مبلغ مقارنةً بحجم الخدمة ضعيف جداً.

وختام الحلقة، مع فتاة تبلغ من العمر ستة عشر عاماً، فاجأها المرض الخبيث “السرطان”، ولكن فوجئت عند رؤيتها، بفتاة مشرقة، تملؤ الضحكة ثغرها، متفائلة جداً بالمستقبل، ولديها إيمان يفوق أغلب من يتحدث باسمه، ويقين بأن الله معها، وأخذ منها شيئاً، ولكنه سيعطيها أشياء، وفي نهاية حديثي معها قالت: “الدرس الذي تعلمته من هذا المرض هو أنه لا يوجد أي شيء في الحياة ممكن أن يكسرني، فأنا واجهت أصعب شيء المرض ولا يوجد أصعب منه”!

بتوقيت مصر، حلقة جديدة تأتيكم كل خميس في تمام السابعة وخمس دقائق مساءً بتوقيت جرينتش، التاسعة وخمس دقائق مساءً بتوقيت القاهرة، على شاشة بي بي سي.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com