من عادل إمام إلى القطة اللئيمة: كيف غزت الميمز الإنترنت (وقلوبَنا)؟

متظاهر يحمل لافتة عليها ميم تقول أن هذا جيد في 12 ديسمبر 2023 في بروكسل، بلجيكا. ودعا اتحاد نقابات العمال الأوروبي إلى تنظيم مظاهرات، مطالبا الحكومات بوضع آلية تضامن أوروبية لمحاربة التقشف.

Getty Images
أفضل الأمثلة، بحسب دوكينز، على كون الميم هو “الجين الثقافي” هي الملابس والأعياد والهندسة المعمارية والأساطير الشعبية… وحتى فكرة الإله.

كيف نتكلّم/ نكتب عن الميمز؟ إن هذه المهمّة ليست بالأمر السهل، لا سيما أن الميمز وُجدت لتعبّر عن أمرٍ معيّن لا يمكن للغة وحدها أن تعبّر عنه بشكل مباشر.

نصنع الميم كي لا نتكلم بالطريقة العادية، كي نقفز فوق الكلام. تحاول الإشارات التي تتضمنها الميمز، بواسطة الترميز والتكثيف والتناص، سدّ ثغرة معيّنة في اللغة أمام حدث أو موقف أو حالة ما. تصنع معنىً مضغوطاً في كبسولة ثم تتفشّى بين مستخدمي الانترنت الذين يتماهون معها، أو يجدون فيها صدىً لأفكارهم أو مشاعرهم.

منذ أن تحوّلت الميمز الرقمية إلى موضوع للتفكير والدراسة، منذ حوالي عقدين، أصبح معروفاً أن اسمها مشتق في الأساس من الكلمة اليونانية mimema، والتي تعني “شيئاً مقلداً”.

صيغ هذا الاسم للمرة الأولى في عام 1976 من قبل عالم الأحياء البريطاني ريتشارد دوكينز في كتابه “الجين الأناني”، حيث طرح كلمة “ميم” كوحدة أوّلية للانتقال الثقافي، إما من شخص أو مجموعة من الأشخاص إلى آخر.

بالمختصر، يعتبر دوكينز أننا آلات هدفها البقاء على قيد الحياة، وبالتالي تتصرف كما لو كانت أجندتنا الوحيدة هي تكرار جيناتنا. أفضل الأمثلة، بحسب دوكينز، على كون الميم هو “الجين الثقافي”، هي الملابس والأعياد والهندسة المعمارية والأساطير الشعبية… وحتى فكرة الإله – “أحد أنجح الميمات تاريخياً لأنها تتكرر وتتنوع وتتأقلم مع انتشارها عبر الثقافات”، بحسب تعبيره.

لكن دوكينز، ميّز عام 2013، بين الميم الرقمي وبين الميم الثقافي، حيث أن ميم الانترنت يتم تغييره عمداً بواسطة التدخل والإبداع البشريين، بينما كانت فكرته الأصلية تنطوي على طفرة “عن طريق التغيير العشوائي وعلى شكل من أشكال الانتقاء الدارويني”.

أنا أصنع/ أشارك الميمز… إذاً أنا موجود

لافتة كتب عليها "أنقذوا الأرض، إنه الكوكب الوحيد الذي يحتوي على الميمات" خلال مظاهرة "أيام الجمعة من أجل المستقبل"، وهي إضراب مناخي عالمي ضد التقاعس الحكومي تجاه انهيار المناخ والتلوث البيئي في تورينو/ إيطاليا عام 2019.

Getty Images
أصبح الجهل بثقافة الميمز والبقاء خارج هذا العالم، شكلاً من أشكال الأمّية المعاصرة، وخطّاً فاصلاً بين الأجيال

في غضون بضع سنوات فقط، أصبحت صناعة الميمز ومشاركتها واحدة من الطرق المفضلة لمستخدمي الإنترنت للتفاعل. وأصبحت الميمز الرقمية تمتلك موسوعاتها الخاصة على الإنترنت، مثل موقع “Know your meme” الذي يتتبع تاريخ شعبيتها، ويحاول شرح أسباب نجاحها.

“ميم الإنترنت” هو صورة أو مقطع مصوّر أو وملفات GIF أو حتى جملة تنتشر بسرعة من شخص لآخر عبر الفضاء الإلكتروني. يمكن أن تنتشر الميمز عبر الشبكات الاجتماعية أو المدونات أو البريد الإلكتروني المباشر أو مصادر الأخبار. ويعود أول ميم موثّق رقمياً إلى عام 1996، وهو ميم “الطفل الراقص” والذي كان يذيّل الرسائل الإلكترونية حول العالم، ونال رواجاً كبيراً بين مستخدمي البريد الإلكتروني.

ومع ظهور منصات التواصل الاجتماعي، أصبحت الميمز أكثر تنوعاً وقدرة على الانتشار السريع. ويمكن القول إن صناعة الميمز ومشاركتها أصبحت نمطاً من أنماط الوجود المعاصر، حيث أن طريقة التعبير هذه، وتحويل الأحداث والمواقف والمشاعر والأفكار إلى ميم، لم تعد تنحصر فقط في المنصات الرقمية، بل تحوّلت في أحيان كثيرة إلى طريقة للتفكير، وحجزت لنفسها موقعاً في الأحاديث والنقاشات بين الأشخاص في الواقع أو خارج حدود الشاشات.

كما أصبح الجهل بثقافة الميمز، شكلاً من أشكال الأمية المعاصرة، وخطّاً فاصلاً بين الأجيال، إذ يمكن القول إن حضور الشخص وانخراطه في عالمنا اليوم بات مرتبطاً بشكل أساسي بفهم الميمز ومعرفة قراءتها… حتى وصلنا إلى وقتٍ بإمكاننا أن نقول فيه “أنا أصنع/ أشارك الميمز إذاً أنا موجود”… كما أن الأحداث والأمور التي لا تتحوّل إلى ميم تبقى مفتقدة لشحنة معيّنة ولتأثير ما في نفوس الأشخاص.

شعار عملة Dogelon Mars المشفرة المعروض على شاشة الهاتف ويظهر تمثيل Dogecoin في هذه الصورة التوضيحية التي تم التقاطها في كراكوف، بولندا في 2 نوفمبر 2021.

Getty Images
هناك حديث أيضاً في زمننا الحالي عن أن الأفراد الآن بات يحرّكهم “منطق ميماتي مفرط”

ومثلما تُعتبر السخرية والسينيكيّة خصائص رئيسية لوعي الأفراد في عصر “ما بعد الحداثة”، منذ بداياته في منتصف القرن الماضي، هناك حديث أيضاً عن أن الأفراد في زمننا بات يحرّكهم “منطق ميماتي مفرط”، كأداة ناجعة لتعاطيهم مع العالم الذي يبدو بالنسبة لهم كأنه يصبح شيئاً فشيئاً أكثر غرابة – أو هذا ما يبدو الأمر عليه بسبب غرقنا في المعلومات، ومعرفتنا أكثر بكثير مما عرفه أسلافنا. ويظهر هذا المنطق خصوصاً مع ظهور سيل الميمز الذي يولّده كل حدث كبير أو صغير.

ويرى باحثون أن هناك سببين رئيسيين خلف هذا الواقع. أولاً، هناك المنطق الاجتماعي للمشاركة في صناعة الميمز، يمكن ربطه بـ”الفردية الشبكية” (networked individualism). ففي عصر الفردية المتسارعة الذي نعيش فيه، يُتوقع من الناس أن يصمموا هوية وصورة فريدة من نوعها لذواتهم مع استعراض متواصل لها. وفي الوقت نفسه، يشارك الأفراد بحماس في تشكيل الشبكات الاجتماعية، مما يدل على توق الفرد الدائم للمجتمعية.

والسبب الثاني ذو طبيعة اقتصادية، حيث يقوم مجتمع الميديا المعاصر على “اقتصاد الانتباه”. إذ تحوّل إنتباه المستخدمين إلى أهم مورد في العصر الحالي، يتنافس عليه المعلنون والشركات ويتعاطون معه كسلعة تبيعها لهم منصّات التكنولوجيا الكبرى.

من هنا، يمكن ربط انتشار الميمز بالقدرة على لفت الانتباه، حيث يصبح عدد التنويعات والاشتقاقات الناتجة عن مقطع فيديو أو صورة أو خبر معيّن، مؤشراً على اهتمام المستخدمين، والذي بدوره يلفت الانتباه إلى المادة الأساسية في عملية متبادلة… ويمكن ملاحظة هذه العلاقة بوضوح من خلال عمليات التسويق (لمنتجات أو أعمال فنية) من خلال صناعة الميمز حولها.

أحدث أشكال “الاختطاف” الفنّي

غرافيتي تصور ميم يظهر الممثل ويل سميث وهو يصفع الممثل الكوميدي كريس روك، وينتقد الصور المثالية لحياة مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، على قسم سابق من جدار برلين في 30 مارس 2022 في برلين، ألمانيا.

Getty Images
تشترك الميمز باستخدامها للفكاهة والعبثية والمحتوى غير المنطقي في كثير من الأحيان، في بعض أوجه التشابه مع مبادئ الدادائية والسريالية.

في البداية يمكن أن نتساءل عن الفرق بين الميم وبين فنّ الكاريكاتير.

يقول رسام الكاريكاتير والفنان المصري محمد أنديل في حديثٍ إلى بي بي سي عربي إن الكاريكاتير والميم يستخدمان أدوات أساسية متقاربة جداً في الأغلب (التكوين، والشخصيات، والتعليق المكتوب، والرمزية البصرية والتشبيهات)، إلا أن طبيعة الميمز كعمل شعبوي مجهول المصدر تتيح له لغة إبداعية مختلفة عن الكاريكاتير.

ويضيف أن رسم الكاريكاتير مرتبط بأسلوب الفنان الذي يطوره على مدار سنوات من خلال تدريب كلاسيكي على الرسم وتقنياته، وكذلك بقضيته أو اهتمامه الاجتماعي المرتبط بالعمل الصحافي وأجنداته. بينما يمكن لأي شخص لديه حس كوميدي وبعض المهارات البسيطة في تحرير الصور رقمياً إنتاج ميم يصل مستواه إلى ما هو موجود في السوق، حيث أن هناك دخول أسرع بكثير لهذا الوسيط وسهولة في المساهمة فيه.

ويرى أنديل أن مجهولية صانع الميمز تتيح فرصة للتشابك مع قضايا أكثر تنوعاً، وليس بالضرورة أن تكون لها أجندة سياسية أو اجتماعية يمكن تصنيفها في سياق سياسي ما. وبالنسبة له هذا الأمر جيد لأنه ينتج أنواعاً طازجة من الكوميديا، وأكثر غرابة، ولكن بالطبع في الوقت نفسه يمكن أن ينتج خطاباً رجعياً أو عنصرياً أو حتى تحريضياً، على حد قوله.

وفيما باتت الميمز تعتبر نوعاً فنّياً قائماً بذاته (جنرا)، يمكن النظر إليها بكونها أحدث أشكال “الاختطاف” الأدبي (detournement)، وهو مفهوم فنّي طورته حركة “الموقفيين الأمميين” في خمسينيات وستينيات القرن العشرين.

وتعدّ “الموقفية الأممية” (International Situationism) حركة فنّية وسياسية ثورية تأسست في باريس عام 1957. كانت تتألف من فنانين ومثقفين ونشطاء يهدفون إلى نقد وتحدّي المجتمع الرأسمالي المهيمن.

وكان أحد المفاهيم الرئيسية في فلسفتهم هو “الاختطاف”، وهي تقنية تخريب أو مصادرة الصور أو النصوص أو الرموز الموجودة مسبقاً لخلق معانٍ جديدة أو نقد الوضع القائم. وكانت الفكرة المرجوة من هذه التقنية هي الكشف عن الأيديولوجيات الكامنة، والتي غالباً ما تكون خفية في المجتمع وحضّ الناس على إعادة النظر في افتراضاتهم.

وبالمثل غالباً ما تستند الميمز إلى الصور أو مقاطع الفيديو أو العبارات الشائعة المعروفة بالفعل من قبل الجمهور. على غرار الاختطاف عند الموقفيين، يأخذ هؤلاء هذه العناصر المألوفة ويعدّلونها لإنشاء رسالة جديدة. فنرى على سبيل المثال، صورةً من فيلم أو مسلسل مشهورة بقالبها الأساسي أو الموقف الذي تشير إليه، لكن الكلمات التي تصحبها تصنع معنىً جديداً تماماً، غالباً ما يكون ساخراً أو نقدياً.

من شعارات الموقفيين الأممين في باريس عام 2018: تحت الرصيف، الشاطئ

Google
من شعارات الموقفيين الأممين في باريس عام 2018: تحت الرصيف، الشاطئ

كذلك، كان الاختطاف بالنسبة للموقفيين يهدف إلى جعل الفن متاحاً وتشاركياً، في مسعى إلى معارضة الثقافة النخبوية. وبالمثل، فإن صناعة الميمز ومشاركتها من قبل ملايين الأشخاص حول العالم، وغالباً بشكل مجهول، تعكس فكرة الموقفية عن ثقافة منتجة من قبل الجميع ولصالح الجميع.

وتتشارك الميمز مع فنّ الحركة التاريخية أيضاً في التدفق السريع والزوال السريع، حيث تنتشر الميمز بسرعة وغالباً ما تكون مدة حياتها قصيرة، مما يذكر بالطابع الزائل لأعمال الموقفيين. كان الموقفيون، مثلما يشير اسمهم، يسعون إلى خلق مواقف مؤقتة لزعزعة الروتين اليومي وكشف المخفي في الواقع الاجتماعي. وبالمثل، تظهر الميمز، تنتشر، ثم تختفي، وغالباً ما تُستبدل بميمز جديدة تستجيب للأحداث الحالية.

في سياقٍ متصل، يوازي البعض أحياناً بين صناعة الميمز، كنوع فنّي قائم بذاته، وبين حركتي الدادائية والسوريالية اللتين ظهرتا في أوائل القرن العشرين وتحدّتيا المعايير الفنية والاجتماعية السائدة آنذاك. وقد اعتنقت الدادائية، على وجه الخصوص، العبثية ورفض المنطق، وغالباً ما كانت تستخدم أسلوبي الفكاهة وحتى “الهراء” لنقد الأعراف والسلطة.

من ناحية أخرى، ركزت السوريالية على الاستفادة من اللاوعي لتوليد فنّ يقوم على تجاور العناصر المتناقضة وغير المتوقعة. وقدّرت كلتا الحركتين عنصر المفاجأة وسعتا إلى العبث بطرق التفكير التقليدية.

وعلى هذا النحو، تشترك الميمز باستخدامها للفكاهة والعبثية والمحتوى غير المنطقي في كثير من الأحيان، في بعض أوجه التشابه مع مبادئ الدادائية والسريالية. فغالباً ما تخرّب الميمز التوقعات، وتتحدى المعايير، وتخلق روابط غير متوقعة يشعر من خلالها جمهور واسع بأنها تعني أو تصف شعوراً أو حالة أو موقفاً ذي صلة، ما يشبه إلى حد كبير فنّ هاتين الحركتين.

كيف “تعمل” الميمز؟

في كتابه “القوة الخطابية للميمز في الثقافة الرقمية: الأيديولوجيا والسيميائية والتناص”، يجادل الكاتب برادلي إي. ويغنز، بأن ميمز الإنترنت هي وحدات خطابية في الثقافة الرقمية المعاصرة، تعكس وتنشر الأيديولوجيا من خلال السيميائية والتناص.

والسيميائية هي دراسة الإشارات والرموز في نصّ أو صورة معيّنة تساعد في فهم كيف يُخلق المعنى.

أما التناص فهو حين تشير النصوص (والميمز في هذه الحالة) إلى نصوص وأعمال أخرى، مما يخلق معنىً من خلال هذه الروابط.

وتستخدم الميمز العديد من العمليات السيميائية (مثل المحاكاة الساخرة والرمزية) والمراجع التناصية لبناء المعنى وتوصيله، غالباً بطريقة فكاهية.

ويمكن العثور على التناص في الميمز من خلال الإحالة على مراجع وأعمال جماهيرية أخرى. على سبيل المثال نجد فيها في أحيان كثيرة مراجع مباشرة للثقافة الجماهيرية، مثل الأفلام أو البرامج التلفزيونية أو الأغاني أو الأحداث الشهيرة. وغالباً ما تتضمن الميمز عناصر من هذه المصادر لتوليد سياق فكاهي أو نقدي.

كما تتضمن الميمز تعديلات أو إعادة دمج للصور أو مقاطع الفيديو أو النصوص الموجودة. وكثيراً ما تستعير الميمز عناصر من المحتوى الأصلي وتعيد توظيفها بطريقة جديدة ومبتكرة.

لنأخذ على سبيل المثال الميم الشهير “امرأة تصرخ على قطة” كمثال على التناص.

يجمع هذا الميم بين صورتين منفصلتين: واحدة لامرأة تصرخ وتشير بقوة والأخرى لقطة مرتبكة المظهر تجلس إلى طاولة طعام. يخلق تجاور هاتين الصورتين سيناريو فكاهياً حيث يتم تفسير تعبير المرأة وإيماءتها على أنها توبيخ للقطة، فيما لا تبدي الأخيرة أي اهتمام.

واحد من آلاف التنويعات على هذا الميم، هو إرفاق صورة المرأة الصارخة بعبارة “كارن تطلب مقابلة المدير” ووضع كلمة “المدير” على صورة القطة. هكذا يولد الأثر الساخر عبر التناص بين الصورة/ القالب الأساسية وبين الفكرة المرجو نقدها وهي في هذه الحالة سلوك شائع لدى نساء أمريكيات ينتمين لطبقة معيّنة، حيث أصبح اسم “كارن” مصطلحاً جماهيرياً يستخدم على نطاق واسع لوصف نوع معين من النساء البيض في منتصف العمر ، المتطلبات، واللواتي غالباً ما يتصرفن بشكل عدواني.

الميم الشهير "امرأة تصرخ على قطة"

Knowyourmeme
– كارن تطلب رؤية المدير – المدير

من جهة أخرى، هناك أيضاً ميم شائع إلى حد كبير وهو ميم “الصديق المشتت”.

في هذا الميم هناك ثلاثة شخصيات: رجل يمشي مع صديقته بينما يحدّق في امرأة أخرى بإعجاب، في وقت تنظر إليه الصديقة بطريقةٍ فيها استياء. عادةً يتم استخدام هذه الصورة على نطاق واسع للتعبير عن المواقف التي يتم فيها إغراء شخص ما بأمرٍ جديد بينما هو ملتزم بشيء آخر.

مثلاً نرى في واحد من التنويعات على هذا الميم، جملة “كتبك التي لم تقرأها بعد” مصاحبة للمرأة التي تقف خلف الرجل، فيما يُشار إلى المرأة الغريبة بكونها “كتب جديدة”. فقط عبر كتابة هاتين العبارتين على الشخصيتين، يخلق معنى جديداً تماماً بواسطة التناص، يلقى صدىً لدى الكثير من المستخدمين الذين مرّوا بتجربة مشابهة.

الميمز والأيديولوجيا: اليمين المتطرف نموذجاً

شخص يرتدي قميص عليه شعار "كيو أنون" خلال تجمع انتخابي لدونالد ترامب في كورالفيل، آيوا، الولايات المتحدة، يوم الأربعاء 13 ديسمبر 2023.

Getty Images
نظرية مؤامرة “كيو أنون” هذه بدأت بموقع/ منتدى إلكتروني يدعى “4 تشان” تأسس عام 2003

يجادل ويغنز أيضاً في كتابه بأن الميمز ليست مجرد صور فكاهية بل هي أدوات تواصل تحمل دلالات أيديولوجية معقدة، وتعتمد على السياقات السيميائية والتناصية لنقل رسائلها.

وتُعدّ الميمز، برأيه، “حججاً بصرية” داخل الخطاب الرقمي، تتضمن ممارسات أيديولوجية وتساهم في إعادة إنتاج الخطاب.

ويظهر الفيلم الوثائقي “الشبكة المعادية للمجتمع: من الميمز إلى الفوضى”، رحلة صعود نظرية المؤامرة “كيو أنون” في الولايات المتحدة وتحوّلها إلى ما يشبه المنظمة التي ساهمت في اندلاع أحداث السادس من يناير/ كانون الثاني 2021، يوم اقتحم مؤيدو دونالد ترامب الكونغرس الأمريكي اعتراضاً على نتيجة الانتخابات الرئاسية.

نظرية المؤامرة هذه بدأت بموقع/ منتدى إلكتروني يدعى “4 تشان” تأسس عام 2003، واعتمد بشكل أساسي على نشر الميمز ومشاركة النقاشات إلى أن أصبح ثقافة كاملة قائمة بذاتها. على هذا الموقع نشأت “كيو أنون”، وما بدأ كنكتة تحوّل إلى حركة سياسية مؤثرة في الولايات المتحدة. كما كان لروّاد هذا الموقع دور في حركات أخرى مثل “أنونيموس” وحركة “احتلوا وول ستريت” عام 2011.

ويصوّر الفيلم الوثائقي مساهمات “4 تشان” في ثقافة الإنترنت والعواقب غير المقصودة لأفعالها، مع التأكيد على كيف أسرت “كيو أنون” وضللت أجزاء كبيرة من الجمهور.

ولعبت الميمز دوراً مهمّاً في ولادة نظرية المؤامرة هذه وانتشارها. فقد كانت بمثابة أدوات رئيسية لنشر رسائل الحركة، وتجنيد الأتباع، وتعزيز الشعور الجماعي بينهم.

يظهر شعار موقع 4Chan في هذه الصورة التوضيحية بتاريخ 23 نوفمبر 2023 في وارسو، بولندا.

Getty Images
استخدمت “كيو أنون” مجموعة متنوعة من الرموز والعبارات والاختصارات الفريدة التي تم نشرها من خلال الميمز.

حدث ذلك من خلال تمكّن الميمز من تبسيط الأفكار المعقدة ونشرها، إذ تتضمن إفكار “كيو أنون” مجموعة واسعة من المؤامرات حول الحكومة والمشاهير والنخب العالمية. وقد ساعدت الميمز في تحويل هذه الأفكار المعقدة إلى محتوى سهل الهضم والمشاركة. باستخدام الصور الفكاهية والشعارات الجذابة والتفسيرات المبسّطة، سهلت الميمز على الناس فهم ونشر نظريات “كيو أنون”.

كذلك، أدى استخدام الفكاهة والسخرية والصور الاستفزازية إلى زيادة احتمالية مشاركة محتوى “كيو أنون” عبر منصات التواصل الاجتماعي. وساعد هذا التفشّي في وصول أفكار الحركة إلى جمهور أوسع يتجاوز دوائر نظرية المؤامرة التقليدية.

كذلك، ساهمت الميمز في إنشاء لغة ورموز خاصة بالمجموعة. وقد استخدمت “كيو أنون” مجموعة متنوعة من الرموز والعبارات والاختصارات الفريدة التي تم نشرها من خلال الميمز.

لنأخذ على سبيل المثال مصطلح “الصحوة الكبرى” الذي تستخدمه الحركة ومؤيدوها بكثرة. تُستخدم هذه العبارة لوصف عملية إدراك الناس لمؤامرات الدولة العميقة المفترضة، والطبيعة الحقيقية للأحداث العالمية وفقا لمعتقدات “كيو أنون”.

ومصطلح “الحبة الحمراء” المستعار من فيلم “ذي مايتركس” الشهير، حيث تشير “الحبوب الحمراء” إلى عملية الإيقاظ/ الصحوة على حقيقة المؤامرات. من هنا، بات المصطلح يرمز في ثقافة الانترنت إلى رفض الروايات السائدة لصالح وجهة نظر “كيو أنون”.

واستطاعت هذه العناصر تعزيز الشعور بالانتماء والهوية بين أتباع المجموعة، مما خلق لغة مميزة داخل المجموعة قد يجد الغرباء صعوبة في فهمها.

ثقافة الميمز والنظرية التسريعية

التسريعية (Accelerationism) هي نظرية سياسية تشير إلى أنه من أجل تحقيق تغيير اجتماعي جذري يجب تسريع سقوط الأنظمة والهياكل الحالية القائمة بدلاً من السعي إلى إصلاحها. يمكن تطبيق هذه النظرية على جوانب مختلفة من المجتمع، بما في ذلك الاقتصاد والتكنولوجيا والثقافة.

وتنطوي التسريعية على مجموعة من الأفكار الثورية والرجعية في الوقت نفسه، أي على الأيديولوجيات اليسارية واليمينية التي تدعو إلى تكثيف جذري للنمو الرأسمالي والتغيير التكنولوجي وتخريب البنية التحتية وغيرها من عمليات التغيير الاجتماعي لزعزعة استقرار الأنظمة القائمة وخلق تحولات اجتماعية جذرية.

وتعتبر التسريعية طيفاً أيديولوجياً يتضمن رؤى يسارية ويمينية متناقضة، وكلاهما يدعم تسريع الرأسمالية وهياكلها وكذلك شروط التفرد التكنولوجي (Singularity)، وهي نقطة افتراضية يصبح معها النمو التكنولوجي خارجاً عن السيطرة ولا رجعة فيه.

وفي حين أن اليسار المتطرف هو من استخدم المصطلح في الأصل، فقد استُخدم أيضاً من قبل المتطرفين اليمينيين مثل الفاشيين الجدد والنازيين الجدد والقوميين البيض ودعاة التفوق الأبيض للإشارة بشكل متزايد إلى “تسريع” الصراع العرقي كوسيلة لتحقيق دولة عرقية بيضاء.

ويحاجج البعض بأنه يمكن استخدام ميمز الإنترنت وثقافة “إعادة الدمج” التي تحيط بالميمز، في سياق التسريعية، من خلال تضخيم ونشر الرسائل المتطرفة أو التخريبية بسرعة عبر المنصات الإلكترونية، خصوصاً أن الميمز تنتشر بسرعة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وغالباً ما يحدث ذلك في غضون ساعات أو أيام.

واستخدم كل من تسريعيي اليمين والجماعات اليمينية المتطرفة ببراعة الإنترنت وثقافة الميم لنشر أفكارهم، ولأدلجة الأفراد، وإنشاء “غرف صدى” تعزز معتقداتهم.

وعلى الجانب اليساري في طيف التسريعية، تنتقد العديد من الميمز أو تسخر من جوانب المجتمع الرأسمالي المعاصر ومن ثقافة المستهلك والأنظمة السياسية القائمة.

كذلك، كمنتجات للثقافة الرقمية، ترتبط الميمز ارتباطاً جوهرياً بالمشهد التكنولوجي، حيث أنها تتطور مع التقدم التكنولوجي، مما يعكس تسارع الثقافة الرقمية، مثلما حصل مع ظهور نوعية جديد من الميمز بالتزامن انتشار تطبيق تيك توك على سبيل المثال.

الميمز والسخرية السياسية: الحالة المصرية نموذجاً

الممثل المصري عادل إمام

Getty Images
نال مشاهد “الزعيم” الكوميدية شعبية كبرى في عالم الميمز، جعلته أيقونة حتى للأجيال التي لم تعاصر ذروة أعماله السينمائية والمسرحية.

لا شكّ أن ثقافة الميمز المنتشرة في مصر تتصدّر مثيلاتها في العالم العربي من حيث نوع السخرية وغزارة الإنتاج.

وترفدها بشكل أساسي السينما المصرية الأقوى تاريخياً بين نظيراتها في الدول العربية. يكفي على سبيل المثال معاينة ما سُمّي بـ”الولادة الثانية” للممثل المصري عادل إمام، حيث تنال مشاهد “الزعيم” الكوميدية شعبية كبرى في عالم الميمز، لتجعله أيقونة حتى للأجيال التي لم تعاصر ذروة أعماله السينمائية والمسرحية.

وإذا كان الضحك والكوميديا هما صفتان ملتصقتان بالمصريين منذ القدم، فإن صناعة الميمز المصرية عرفت انطلاقتها الكبيرة خلال ثورة يناير عام 2011 وفي أعقابها.

وبلغت هذه الصناعة ذروتها خلال حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي في وقتٍ يعتبر فيه المجال العام مقفلاً منذ أكثر من عشر سنوات، والحركة السياسية شبه معدومة في مناخٍ يراه الكثيرون سلطوياً إلى حد كبير.

لكنّ السخرية السياسية التي ظلّت حبيسة وسائط التواصل الاجتماعي خلال هذا العقد، والتي تجد في صناعة الميمز المتنفس الوحيد لها مع تعذر نقل النقد والسخرية إلى الشارع أو الفضاءات العامة، لها وجوهها السلبية، بحسب رسام الكاريكاتير والفنّان المصري محمد أنديل.

يقول أنديل إن هناك جدلاً حول فكرة دور السخرية السياسية في المجتمعات المقموعة أو السلطوية. فالكليشيه الغربي هو أن السخرية السياسية أداة من أدوات التعبير ومؤشر على صحة حرية الرأي في المجتمع، ولذلك يُحتفى دائماً بأي نقد للسلطة، وخصوصاً رأسها، باعتباره يساهم في تفكيك هيبتها وبالتالي يمنح قدراً من القوة للشعب.

المشكلة، في رأيه، هي أن السلطة في مصر بالذات دائماً كانت لديها طريقة لتوظيف النقد لخلق حالة من التنفيس لدى الناس، طالما بقيت الأمور ضمن المستوى المقبول. فالنقد الراديكالي الذي لديه شيء يقوله عن الـ”raison d’être” للنظام ككلّ (علّة وجوده) لا يصل إلى التيار العام، والذي يصل إلى التيار العام يكون تحت رقابة حذرة جداً، مثل حالة علاقة (الرئيس الأسبق حسني) مبارك وعادل إمام نموذجاً.

ويضيف أن هناك كليشيهات داخل النقد نفسه مقبولة بل ومحبذة مثل فكرة الكلام عن الزعيم كطاغية وابتلاء من الله والدعاء بأن “ربنا يأخذه” وهكذا، والتي هي سردية يستفيد منها الطاغية أيضاً لأنها سردية انهزامية وسلبية وقدرية إلى حد كبير. وتتضمن أيضاً كاريكاتير يرسّخ فكرة لا إنسانية الحاكم، واعتباره من خارج المنظومة البشرية ولا منقذ منه سوى العناية الإلهية وليس إرادة الشعب ولا فعله السياسي.

أما نوعية النقد أو السخرية التي قد تؤنسن الطغيان وتفككه أكثر وتحاول فهمه من زوايا سيكولوجية أو سياقية، فمن المستحيل أن يتم تقبلها لأنها تُشرك المشاهد في حالة إيجابية ولو من باب التفكير فقط والدراسة، وتجعل الزعيم “موضوعاً” و”مفعولاً به” وليس العكس، بحسب أنديل.

وعما يمكن إرجاعه إلى أسلوب “التطهّر” الذي تستخدمه السخرية في المجتمعات المقفلة سياسياً مثل المجتمع المصري في الوقت الراهن، يقول أنديل إن تشبّع المشهد العام بالنكات والأضاحيك عن الرئيس بالذات يحوّله مع الوقت إلى ميم بحد ذاته أو إلى شخصية كوميدية أكثر منها سياسية.

هذا الأمر يربطه في اللاوعي بشيء إيجابي، حتى لو كان الشخص يكرهه ويعاني بسببه، فهو يسارع لمشاهدة أحدث إنتاجاته الكوميدية لأنه يضمن أنه سيضحك. وهذه الحكاية خادعة جداً لأنها تعطي المواطن شعوراً زائفاً بالقوة عندما يشعر أنه بمجرد استهلاكه أو مشاركته لهذه النكتة، قد قام بشيء جريء أو مشاغب. ويتكون لديه شعور أجوف بالفاعلية السياسية، بينما على أرض الواقع يكون التأثير السياسي لهذه الممارسة محدوداً جداً.

ويضيف أنه في سياق مكونات الحالة الشعبوية، تُعتبر “أضحوكية الزعيم” مسألة مهمة جداً، لأنها من ناحية توفر ترفيهاً للمؤيد، ومن ناحية أخرى تلفت انتباه المعارض وتثير غيظه، فيظل مشغولاً بالشخصية كنوع من “المتعة المذنبة”.

وهناك أدوات شهيرة لإنتاج الزعامة الشعبوية تستثمر في عناصر معينة مثل الغرابة الشكلية (كشعر دونالد ترامب وبوريس جونسون، وملابس القذافي، وشارب هتلر) والفجاجة والركاكة الخطابية المبالغ فيها التي تغازل الجهل المفترض في الطبقات الأدنى، وتوفر للطبقات المتعلمة مساحة للحكم والشعور بالتميز المحبب للنفس.

بهذا المعنى، تكون الوصفة ناجحة على كل حال؛ فالجاهل يشعر بأن هناك من هو مثله في الحكم فيؤيده، والمثقف المتحذلق يشعر بأنه أفضل من رئيس الجمهورية… فينام قرير العين.

المزيد حول هذه القصة

مسؤلية الخبر: إن موقع "سيدر نيوز" غير مسؤول عن هذا الخبر شكلاً او مضموناً، وهو يعبّر فقط عن وجهة نظر مصدره أو كاتبه.

Comments are closed.