Home » بي بي سي عربي » ”بلا ولا شي..“

أسميها الأغنية اليسارية.. وربما يفعل كثيرون.. “بَلا ولا شِي.. بحبِك..بَلا ولا شِي”. حينما كانت مسؤولياتي ملء يد واحدة وعقلي أدراجه منظمة، انشغلت كثيرا، ضمن ما انشغلت بفكرة الوطن، وتمكنَتْ من مؤشرات قلقي البكر فكرةُ اللا وطن واللا انتماء.. ربما لالتصاق شعورِ أصيل بالغربة بملامحي قبل حتى أن أدرك مدارك الكبار. كنت أستشعر خوفا مبهما في المطارات ومحطات القطارات والموانيء.. وخفة محببة في طرق السفر والعودة.. كنت في غربة دائمة.. لكنني لم أفهم أبدا أن تُحرم من وطن رغما عنك ودون فرصة لنظرة وداع أو انتقاء ما ينتمي لكيانك ليغترب كما تغترب.

دائما حيّر عقلي الصغير مفهومُ الانتقاء لما يجب أن تترك وتأخذ إذا أُجبرت على الرحيل “بلا ولا شي”.. كنت أفكر لو اضطررت لن أختار سوى أهلي.. فبدونهم لن أحيا ومعهم “أحترف الغياب” ولا زلت ولا يلوموني.. كنت أشاهد في نشرات الأخبار فلول يوغوسلافيا وناغورني قرة باغ وأصمت.. يغادر عقلي ويسافر إلى هناك.. كنت في الحادية عشرة إبان حرب الخليج الثانية.. لم يستطع ضميري حسم الجانب الخير، إذ كانت الحياةُ في ذلك الضمير الطفل أبدا أشرارا وطيبين.. لا لون ثالث ولا “بين بين”.. كل ما أرّقني كان صف الهاربين.. المذعورين.. العالقين أبدا كما بدا آنذاك بين شفتي بركان مباغت لم يمنحْهم رفاهيةَ القرار.. تخيلت ليلة هادئة بدأت كعشرات ليالِ تسبق يوما مدرسيا لا يتطلع إليه أحد.. أوامر حبيبة بغسل الأسنان والأرجل والتوجه إلى الفراش كي لا تناضل أمهاتنا في إيقاظنا في الصباح.. يقولون النوم مراحل، ففي أي مرحلة ياترى اندكّ البيت الأول.. وبيت من كان؟ وهل تمهلتهم وحشية المدفعية الثقيلة ليدركوا أنهم قتلى بين غمضة عين والتالية؟ كم ابن عم وصديق لطفل كان منذ دقيقة يتنفس ويحيا ويملأ الدنيا فرحا وزجرا وصبرا عليه وتدليلا له؟ ياإلهي… ربما لم يكن أهل البيت كلهم فيه حين اندكّ…. أين كان الأب؟ وحين عاد… هل وجد بيته وأطفاله هكذا؟ أثرا بعد عين؟ ماذا فعل؟ أم كانت الأم ربما في زيارةِ قريبةِ متأخرة أو في عملٍ، طموحُه إعاشةُ طفلين أو ثلاثة أو خمسة أتت بهم للحياة لترغد وتقر عينا؟ خاصمني النوم لأيام سقطت بعدها فريسة للكوابيس والوحوش الطفولية والدراما شديدة الحزن… رسمت وكتبت ومثّلت وعزفت لمرات أفكار الحرب والهرب والخراب… عبرت عن حُمّى الخوف من غول الحرب بالفن المبتديء الضحل.. كانت طريقة أمي ربما في رؤية ما يدور في عيني الكبيرتين ورأسي المرتبك.. إذ بدون هذه الفنون لم تكن تعرف أبدا ما يتقاتل في رأس طفلتها الصامت..

تطايرت الأسماء الرنانة آنذاك..أعقدها كان عاصفة الصحراء.. درع الصحراء.. نصل الصحراء… لم تغب عن بالي أبدا هذه الاسماء.. لماذا يسمي الناس الحروب؟ ولماذا يختارون أكثر الأسماء رعبا وقبحا وترويعا.. لماذا يحتفي الإنسان بالحرب؟ ولماذا هناك مستشار للأمن القومي يدعى برنت سكوكروفت مهمته دك بيوت الآخرين؟ وكيف يتسق الأمن لجهة في خراب أخرى؟ ثم الاسم الأكثر إرعابا على الإطلاق حينئذ: الجنرال نورمان تشوارتزكوف – قائد الحرب.. بعدها بسنوات كثيرة أتعلم أن للحروب لوردات ومُلاكاَ وسماسرةَ وتجارا.. الأقبح دون إبرام ماعرفت وتعلمت وجادلت عن تجارة السلاح. أسئلتي تتفاقم ياسادة.. على من تندك البيوت وبمن تستعر نار الحرب وعلى من تجور؟ أناس يحملون سلاحا يقتلون آخرين يحملون سلاحا؟ ربما… ولكن.. ربما آلاف… مئات الآلاف… الملايين، كانوا يستعدون في ليلة هادئة منتصف الأسبوع ليوم مدرسي جديد رتيب لا يلتفت إليه أحد… ياللبشاعة..

مرت أعوامي.. فقدت أمي والقدرة على التعبير بالفنون.. واشتغلت بمراقبة الحرب والاقتتال والإرهاب والسياسة وطالت عشرتي بهم.. وأخيرا تخصصت في دراسة الحرب وفلسفتها.. ربما لأن أسئلتي الطفلة لا تزال تهدد لياليّ وتتقاتل في عقلي.. قال لي أساتذتي إن دراسة الحرب أكاديميا تسأل “كيف”؟ فقررت تغييرَ المسار إلى “دراسة الحرب النقدية”.. فسؤالي غير سؤالهم.. أنا يعذبني سؤال “لماذا؟” لماذا بين غمضة عين وأخرى يصبح أحدهم أو كلهم لاجئين أو نازحين؟ أو مشردين؟ ولا يزال سؤالي حائراَ حيرة الملايين المشردين في العالم.. المعذبين أبدا تحت الجاثوم.. الهائمين في قوارب مثقوبة حتما يعرفون أن على متنها البائس هلاكَهم.. أو مهرَّبين داخل ثلاجات عفنة من حدود لأخرى، أو سيرا على الأقدام بمحاذاة أسلاك شائكة صدئة ، خلفها متنمرون حتما لا يريدون لهم فكاكا منها أو عبورا.. أو اتخذوا لنفسهم جدارا يداريهم من عين الصيادين ذوي الآلات الكبيرة القاتلة.. أو الضئيلة دقيقة التهديف على الإنسان دون سواه… لغاتهم تختلف وأسماؤهم لا يتذكرها أحد.. أرقام.. مجرد أرقام لا تؤرق سوانا، الباحثين عن الحقيقة ومغيثي اللاجئين الباحثين عن الإنسانية ولربما فيما بعد المحاكم الدولية حيث القانونيون الساعون إلى العدل. لكن أمرا واحد يتخللهم جميعا.. يشف كياناتهم ويحولها إلى رقائق بشرية هشة شديدة الحزن والمعاناة.. وقد تخلق من أحدهم أو بعضهم أبطالا واستثنائيين وقَصصاَ مشرفة.. جميعُهُم يهربون، بلا ولا شي..

هذا الأحد أحاور أحد هؤلاء المهمومين بالأمان للاجئين في أصقاع البسيطة.. السيد أمين عوض- مدير مكتب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالأمم المتحدة. واجهته بخطط أمراء الحروب وتجار السلاح والمناورين باللاجئين في الشرق الأوسط لمآرب سياسية. سألته إن كان من المثالية أن نؤمن بالبشرية والعدالة وأتون الحرب يأبى إلا أنا يستعر في المنطقة؟ سألته عن جدوى المنظمة وما يتردد عن كسادها وفسادها وعدم جدواها.. والأهم.. لم أدخر سؤالي الطفل القديم… لماذا هناك بين جموع البشر من هم… بلا ولا شي؟

بلا قيود- الأحد الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش على شاشة بي بي سي العربية.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
WhatsApp إنضم الى مجموعة الأرز الإخبارية