Home » بي بي سي عربي » لعنة “الحبيبة” فى الدراما التونسية
مهرجان قرطاج السينمائي 2016

Getty Images

مهرجان قرطاج السينمائي 2016
أدوارُ النساء في الدراما التونسية التي نشأتُ عليها مكرّرة وتفتقر إلى التنوَع والفانتازيا. العائلة مركزية، العلاقات بين الشخصيات في أغلبها علاقات دم، تستنسِخ نمطية العلاقات العائلية وصراعاتها حول الإرث والأحقاد القديمة في واقعيَة اجتماعية لا تذهب إلى ما خلف الرواية الرسمية المحافظة، ولا تمنح المشاهد فرصة التجاوز أو الحُلم.

لست متأكّدة بشأن عدد الساعات التي قضيتها متعلّقة بالشاشة الصغيرة. أُسافِر عبر حكاياتها لأكون كلّ تلك الشخصيات التي يُمكني أن أصيرها خارج الجدران المغلقة لغرفة معلّقة بشقّة في الدور الخامس. لكنّني أعرف تماما أي الشخصيات تقمّصت وأي اللقطات بدت لي جميلة أو كثيفة فأعدت تمثيلها في استوديو الواقع.

لم أحب يوما الأدوار العائلية، أجد الزوجات مزعجات غالبا، فقيرات التأثير. الأمّهات غارقات في درامية مجانيّة ومباشرة، والأخوات إمّا مُهدّدات في شرفهن أو كائدات للمشاكل. في المُقابل أُحبّ الحبيبات: يامينة، فاطمة، ليليا، غالية… انتهاءً بحبيبة.

“يا الأيام كفاية، تعبنا منْ الآهاتْ عشْنا ألفْ حكاية هاذي آخِرْ الحِكَايَاتْ”.

هذا اللّحن هو التِتر الشهير جدّا للتُونسيين. أغنية البداية لمُسلسل “غادة” الذي هَدهد خيال العاطفيّات مثيلاتي من جيل أواخِر الثمانينات. يحكي المسلسل صفحة من تاريخ النضال التونسي ضدّ الاحتلال الفرنسي تتخلّله قصّة عاطفية تجمع “لعفيف” و”يامينة”.

“لعفيف” بطل ملاكمة ومقاوم، أما “يامينة” فتعمل في منزل والدة إسماعيل. تُكافح كي تقنع أخاها بالعمل بمطعم إيطالي لتهرب من بطش إسماعيل وتحرّشه المتواصِل بها. تتأزم الملحمة العاطفية بنفي عفيف من البلد، وزواج يامينة بصديقه حتى يحميها من إسماعيل وغيره من الطامعين. وتنتهي بعودته من الغربة بعد عشرين سنة ولقائه بابنتهما “أمل”، وليكتمل ركن المأساة، تمتنع يامينة عن لقائه قانعة بنصيبها.

خمس عشرة حلقة لم تبتسم خلالها يامينة سوى في لحظات خاطفة ولم نر لها ردات فعل سوى الصمت، ودموعًا وديعة كلّما واجهت مظلمة.

تمرّ الأحداث بتونس، يتكاثف الصراع بين المستعمرين والعمّال، ويشتدّ حدّة بين المقاومين والعسكر، ودور “يامينة” جامد لا يتطوّر.

مدونة بي بي سي: حب عن بعد

ليس فصلا مناسبا للحب

أحببت مُسلسل “غًادة”، أثّرت فيّ الوطنية الرومانسية وسحر التاريخ. حاولتُ تقمّص يامينة مرّات عدّة، أن أتماهى مع رقّتها، أن أنكسر بذات الصمت المتعفّف. لكن سرعان ما تضيق نفسي.

مشاعري تطلُب الكثافة. ذاتي تلحَ في للتعبير عن نفسها و شيء عميق في داخلي يرفض النهايات التراجيدية للحب.

كان يجبُ أن أنتظر أكثر من عشرين سنة حتى تقدّمَ الدراما التونسية حبيبةً جديدة، تنافس يامينة.

هي ابنة لمغنّ شعبي وخطيبة لأكبر صعاليك المدينة العتيقة. سمّاها المخرج “حبيبة” ربما إصرارا على دور الحبيبة رغم لا نمطيّتها.

يقدّمها في الحلقة الأولى تشقُّ السوق كعاصفة وتُواجه كلّ من يتجرّأ على التحرّش بها. شخصية مركّبة تعرضُ نفسها بأوجه مُختلفة، حادّة ثم ناعِمة. أنانية قاسية وعطُوف حانية. تمنحُنا “حبيبة” لحظات كثيفة الرومانسية، في لعبة غواية شيّقة المتابعة بينها وبين بلال الذي يتحوّل تدريجيا من شابّ شدِيد اللّطف إلى صُعلوك غيور ومتسلّط. لا تُقابله حبيبة بالصبر ولا تروّض إرادتها إرضاءً لقلبها ولا تذرِفُ دمعا وديعَا. تنتَفضُ عليه في لقطة شديدةُ العُنف وتتوعّدُه أن لا يُكرِّر تدخّله في حياتها لأنها ترفض التسلّط من أي إنسان. تبصُق عليه في ازدراء. تُركّزُ الكاميرا على وجه حبيبة، عُيونها تلمَع بحِقدٍ وغضبٍ صريحين “نعم للحب، لا للعنف”.

مع ذلك لا تُفارق لعنة الحبّ الدراما التونسية ولا يسمَح المخرج لنفسه بالتمادي في تصوّر قوة حبيبة وقُدرتها على تحقيق إرادتها وتحققَها في حب سعيد فيتدَاركُ تحرّرَها من العنف والسُلطوية بعقابٍ قاس. الاغتصاب. تُغتَصب حبيبة من قبل خطيبها السابق “برينقة” دون قدرةٍ على ردّ الفعل أو إعلاء الصوت وتتلاحق الأحداث.

تتحامل حبيبة على انكسارها، وتبدو كاملة الألق على المسرح في الحلقة الأخيرة. يتوقف المخرج عند عتبة الحدث ولا تبحث الكاميرا أبعد من صمتها.

ويبقى سؤالي معلَقا، أيَ لعنة تلاحق الدراما التونسية فتعاقب حبيباتها بالخسارة والانكسار.

الحب في خيال مخرجينا حدث استثنائي مرتبط ارتباطا وثيقا بالخسارة. يعكس تصوَرا لم يتجاوز المواضيع التقليدية للدراما الكلاسيكية حيث المرأة إما ظل ومكمل لحركة نضالية يقوم بها الرجل، أو خلفية موسيقية جميلة لعالم من الرجال. وإذا تجاوزنا التقليدية صارت إما مهزومة وصامتة تنتظر مصيرها، أو متمردة وفائرة ثم مغتصبة ومنكسرة كمحصلة لتمردها.

أحبّ حبيبة، أحبّ فستانَها الأحمر، رقصَها، تنمّرها، بسَاطتها، عُنفها، شراسَتها وأحبّ أن أفكّر أنّ جيلا من المراهقات يحلُمن بها ويتقمّصن دورَها. على أمل واحد، أن يتحرَرن من اللَعنة، يعلين الصوت لفضح الظلم، وينتصرن للبهجة.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
WhatsApp إنضم الى مجموعة الأرز الإخبارية