Home » بي بي سي عربي » كيف غطت أحداث ميدان تيانانمن على كارثة انفجار قطارين في روسيا
تشيرنوبيل

Getty Images

صورة لمفاعل تشيرنوبيل في 29 نيسان / أبريل 1986، بعد أيام ثلاثة على الانفجار الذي وقع فيه

قبل ثلاثين عاما بالضبط، فضت السلطات الشيوعية الصينية بوحشية اعتصاما للطلاب المطالبين “بالديمقراطية” في ميدان السلام السماوي (تيانانمن) في العاصمة بكين.

ففي الرابع من حزيران / يونيو 1989، نشرت السلطات الصينية دبابات وجنودا لاعادة السيطرة على أحياء تقع في قلب بكين، وأطلقت القوات النار على كل من اعترض طريقها.

وتتراوح التقديرات لضحايا تلك الأحداث بين المئات والآلاف.

ولكن، وبينما كانت أنظار العالم مشدودة إلى العاصمة الصينية، وإلى التقارير الأخبارية عن المذبحة المروعة التي جرت هناك، كانت كارثة أخرى على وشك الوقوع على مسافة 4 آلاف كيلومتر من بكين في جبال الأورال الروسية.

ففي حادث يعد من أسوأ الحوادث التي تشهدها السكك الحديد الروسية، دمر انفجار للغاز قطارين للركاب أثناء سيرهما قرب مدينة أوفا في الأورال مما خلف 1300 ضحية بين قتيل وجريح.

سبب الحادث كان تسربا للغاز من خط أنابيب قريب من سكة القطار، وأدى انفجار الغاز المتسرب إلى تكون غمامة من النار التهمت القطارين اللذين كانا مارين في تلك اللحظة، إذ تسبب الشرار المتأتي من عجلاتهما إلى اضرام النار في الغاز مما تسبب في الانفجار الهائل الذي أتى على القطارين وركابهما.

كانت شدة الانفجار، حسب تقرير إخباري نشرته آنذاك وكالة أنباء سبوتنيك الروسية، تعادل 10 آلاف طن من مادة TNT شديدة الانفجار، والتهمت نيران الحريق القطارين بالكامل.

قضت في الحريق العديد من الأسر مع أطفالها كانت مسافرة من وإلى أحد منتجعات البحر الأسود، ووصفت وكالة الأنباء الرسمية تاس الحادث بأنه “كارثة كبرى.”

وبعد زيارته لمكان الحادث، قال رئيس الاتحاد السوفيتي آنذاك ميخائيل غورباتشوف إن المكان عبارة عن “جهنم حقيقية”.

غطى الاعلام السوفيتي والدولي، وصحيفة نيويورك تايمز على وجه الخصوص، الحادث. ففي مقال نشرته حول الموضوع قالت الصحيفة إن التلفزيون السوفيتي عرض “مشاهد مروعة جدا للحادث.”

ولكن يبدو أن الكارثة رغم كبرها أخذت بالاختفاء من الوعي الجماعي إلى حد ما.

وكان من المفاجئ أن ثلاثة من المؤرخين السوفيت قالوا لبي بي سي إنهم لا يتذكرون – أو يتذكرون قليلا – كارثة قطاري أوفا.

تقول ديان كوينكر، استاذة التاريخ الروسي والسوفيتي في كلية لندن الجامعية ( UCL) إن التغطية الضعيفة للحادث “كانت متوافقة مع السياق المتبع في الاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت.” كانت كوينكر يوم وقوع الحادث تحضر مؤتمرا دوليا للمؤرخين في مدينة غراز النمساوية.

وقالت لبي بي سي “كانت أعيننا مشدودة إلى التغطية التلفزيونية لاحداث ميدان تيانانمن في بكين، وكان المؤرخون السوفيت كما غيرهم يعبرون عن صدمتهم وغضبهم لما كان يجري هناك. غاب حادث أوفا عن انتباهنا تماما.”

أما استاذ الدراسات الروسية في جامعة هارفرد الأمريكية مارتن تيري، فيقول إن أنباء الحادث دفنت تحت أكوام من “الأخبار الكبيرة” الدولية والمحلية.

ففي تلك الحقبة، كان الاتحاد السوفيتي يشهد سلسلة من الكوارث المتأتية عن تدهور وبدء انهيار المنظومة الاشتراكية تحت عبء الاضطرابات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي كانت تواجهها – وكان حادث انفجار مفاعل تشيرنوبيل النووي في نيسان / أبريل 1986 من الأمثلة الساطعة لذلك التدهور.

وحتى الجنرال المتقاعد يفجيني بوجينسكي، الذي التحق بالجيش السوفيتي في عام 1968، لا يتذكر أي شيء عن كارثة أوفا.

ولكن بوجينسكي، الذي كان عضوا في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة السوفيتية في ذلك الوقت، كان واعيا بما كان يحدث في الصين، ويقول إن الرقابة الصارمة التي كانت مفروضة على الاعلام آنذاك ربما تفسر جهل الكثيرين بالحادث.

وقال الجنرال المتقاعد لبي بي سي “عموما، كان الاعلام السوفيتي أكثر تركيزا على الأنباء الإيجابية ولم يكن يحيط الجمهور علما بالأخبار السلبية الا بشكل مقتضب.”

ولكن على العكس من كثيرين، تتذكر الدكتورة سفيتلانا ماسغوتوفا ما وقع في ذلك اليوم بوضوح تام.

إذ عملت ماسغوتوفا، التي تحمل شهادة دكتوراة في علم النفس وكانت تبلغ من العمر آنذاك 30 عاما، اخصائية متطوعة لمساعدة الناجين من الكارثة.

وروت لبي بي سي قصص الآلام والمعاناة التي شهدتها بعينيها.

نقلت ماسغوتوفا جوا من موسكو إلى مستشفى في أوفا في صباح اليوم التالي لوقوع الحادث، حيث عملت لشهور ثلاثة في مساعدة الضحايا الذين كان الكثير منهم مصابا بحروق شديدة تمتد من الرأس إلى أخمص القدم.

وكتبت ماسغوتوفا لاحقا في كتاب أنها “شهدت الجحيم”، وشبهت العمل في المستشفى في أوفا “بدخول جحيم دانتي (أحد اجزاء الكوميديا الالهية الثلاثة).”

وكتبت في كتابها المعنون “منعكسات: بوابة إلى التطور العصبي والتعلم”، “كان يبدو أن الجميع مصابون بمس من الجنون”.

وكتبت “كان الأطفال الذين تتراوح اعمارهم بين سنتين و19 سنة يصرخون ويولولون ويصيحون بهستيرية، أو كانوا يتراكضون هنا وهناك نتيجة الألم الذي كانوا يشعرون به وصعوبة التنفس التي كانوا يعانون منها.”

وكتبت أيضا أن “طفلا واحدا من كل ستة أطفال قضوا نحبهم في احضاننا” في الأيام الأولى لعملها في المستشفى.

وحالها حال مذبحة ميدان تيانانمن، لم يتضح بشكل محدد عدد الضحايا الذين قضوا في كارثة أوفا. فحسب الرواية الرسمية، بلغ عدد القتلى 575 وعدد الجرحى أكثر من 800.

غورباتشوفGetty Images

وصف الرئيس السوفيتي آنذاك ميخائيل غورباتشوف مكان حادث أوفا بأنه “جهنم حقيقية”

تقول الدكتورة ماسغوتوفا إن الحادث لم يلق القدر الذي يستحقه من الاهتمام، خصوصا اذا اخذنا بنظر الاعتبار عدد الضحايا والجهود “البطولية” التي بذلها الأطباء في معالجة الناجين.

وتقول إن الرئيس غورباتشوف ربما لعب دورا في التقليل من أثره على المدى البعيد. ورغم الاحترام الذي تكنه له “لدعمه الديمقراطية” في روسيا، تؤمن الآن أنه “كان احد الأسباب للتغطية على الحادث.”

وقالت إن الجهود التي بذلت لمساعدة ضحايا الحادث “افتقرت إلى اسناد حكومته”، لأنه وقع في فترة حرجة من تاريخ الاتحاد السوفيتي.

كان والد الدكتورة ماسغوتوفا أحد الذين حضروا المراسم التي أقيمت بمناسبة الذكرى السنوية الـ 30 لحادث أوفا في الرابع من حزيران / يونيو 2019. تقام هذه المراسم عادة عند محطة قطار أولو تيلياك القريبة من مكان الحادث والتي تبعد عن مدينة أوفا شرقا بمسافة 50 كيلومترا.

وبينما ينشغل العالم مرة أخرى ببكين وذكرى تيانانمن، قالت الدكتورة ماسغوتوفا إن الحفل التذكاري لضحايا أوفا يستحق قدرا مساويا من الاحترام.

لا يسعنا القول الا أنه لو وقع الحادث في يوم آخر، لكان التاريخ اعطاها ما تتمناه.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
WhatsApp إنضم الى مجموعة الأرز الإخبارية