Home » bbc » الوزير والزبال

منذ صغري كان يؤلمني كثيراً مشهد “الزبال”، وأعتذر بشدة عن استخدام هذا اللفظ ولكنه الدارج والأعم في مصر، بل النقابة التي تجمع أصحاب هذه المهنة يطلق عليها هنا في مصر ‘نقابة ‘.

وبالعودة إلي طفولتي، حينما كنت أشاهد شاباً في العشرينيات من عمره يحمل وراء ظهره ‘القفة’ ويطوف الطوابق السبعة على قدمه لجمع القمامة من أمام كل وحدة سكنية بالعقار، كنت أتأمل وأتخيل إحساسه وإحساس أطفاله، وأتساءل: ماذا يقولون في المدرسة عن مهنة الوالد؟ فهناك مرحلة في أعمار كلُ منا يتباهى بعمل والده فمن يقول والدي طبيب، مهندس، محاسب، ولكن حينما يسأل هذا الطفل عن مهنة والدة ماذا يقول؟ في مجتمع لا يعطي أصحاب هذه المهنة ما يستحقون من تقدير، ما ذا يقول؟

وحينما كبرت سمعت وزير العدل المصري يصرح بها علانية وبلا مواربة : “ابن الزبال مش ممكن يكون قاضي!” وكأن المهن وراثية وعلى “الزبال” أن يورث أبنائه وأحفاده وجميع عائلته هذه المهنة أو أن يحرموا من مهن العدل والعدالة!

تذكرت هذه المشاهد وغيرها كثير وأنا أستعد لهذه الحلقة لأن ضيفي هو نقيب “الزبالين” شحاته المقدس، واستمعت لأكثر من حوار وهو يتحدث عن طفولته ومساعدته لوالده في الإجازة الأسبوعية. وتوقفت عند حكاية رواها حيث صعد ذات مرة لأخذ القمامة من إحدى الوحدات السكنية ففتح له الباب زميل له في المدرسة وكان رد فعله أنه اسقط محتويات القمامة التي جمعها ولم يستطع التحرك ووقف في ذهول. وفي اليوم التالي حدث ما توقعه حيث أخبرَ التلميذُ هذه القصة لجميع زملائه وأخذوا في السخرية منه ومن عمل والده.

وأنا استمع لهذه القصة أغلقت الفيديو وأغمضت عيني لأتخيل واقع هذا الموقف على طفل لم يتجاوز السنوات العشر من عمره، وكمّ الإحساس بالإهانة والشعور بالدونية عن باقي زملائه.

ولكني تعلمت أن الصلابة في الحياة تأتي من رحم الألم، فقد أكمل مسيرة والده وتزوج وهو في الصف الثالث الإعدادي ولديه من الأبناء عشرة. يروي قصة نجاح والده بمنتهى الفخر ويطلق على نفسه وذويه لقب رجال أعمال، ولديه شركات وأولاده في مراحل تعليمية مختلفة. في حواري معه قال إن الزبال يستطيع أن يُميز زبالة كل شقة ومن أي منطقة وحتى زبالة الموظف المُرتشي! فخطر على بالي شيء وردّيتُ سائلة: هل تستعين الشرطة بكم في بعض الجرائم؟ فقال: لا.

أعتقد أن سبب سؤالي هو فيلم الراحل نور الشريف ‘آخر الرجال المحترمين’ حيث تُختطفُ طفلة أثناء رحلة مدرسية يقودها نور الشريف والذي ساهم في إعادتها وتحديد المنطقة المتواجدة بها الطفلة كان حي الزبالين. وبالمناسبة الطفلة التي خُطفت كانت تسمى نسمة!

كنت أتمنى أن يطول حواري مع شحاته المقدس لأن مثل هذه الشخصيات لديها الكثير لتتكلم عنه إنسانياً وحياتياً وعملياً ولكن دائماً الوقت هو العدو الأول. ولكنني قبل الذهاب سألته: كل إنسان لديه مهنة ،حرفة، يتعلمُ منها شيئاً أو تضيف له قيمة في الحياة، ماذا استفدتَ من جمع الزبالة؟ فرد بمنتهى الثقة وقال “الوزير لو مشي من مكانه الوزارة هتشتغل عادي ،إنما أنا لو قعدت البلد هتوقف”

أدعوكم لمتابعة هذا الحوار وغيره من محتويات حلقة هذا الأسبوع من برنامج بتوقيت مصر الذي يأتيكم في تمام السابعة وخمس دقائق بتوقيت غرينتش، التاسعة وخمس دقائق بتوقيت القاهرة مساء كل خميس.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
WhatsApp إنضم الى مجموعة الأرز الإخبارية