Home » بي بي سي عربي » هويتي .. قيدٌ أم فرصةٌ لإثراء التنوع؟

عندما اكتشفتُ أنني يجب أن أستعد لإجراء مقابلة تجريبية لبرنامج ذي علاقة بالجامعة، كان اهتمامي الأول والأخير بوسيلة إجراء المقابلة، وهل ستكون عبر الهاتف أم سكايب.

أحسستُ براحة تفيض في بدني عندما علمتُ أنها ستكون هاتفية، إذ أن الشخص الذي سيجري المقابلة لن يتمكن من رؤية قطعة القماش التي تشير إلى هويتي، ومن خلال الهاتف سيستمع حتما إلى لهجتي البريطانية، وقد يُدرك أنني أنتسب إلى مؤسسة غربية.

اعتقدتُ أن تلك المعلومات ستؤهلني للنجاح في المقابلة، بينما إفترضت بحكم ما واجهته من تمييز في السابق أنه سيُحكم عليّ إذا اكتشفت هويتي وأصولي العربية، لذلك انتظرتُ المكالمة المصيرية بفارغ الصبر.

لماذا التقطت فتاة أمريكية مسلمة صورة مع معادين للإسلام؟

الإسلاموفوبيا: تجربة ترويها مسلمة بريطانية

وأخيرا مرّت الساعة كأنها أعوام طوال، ورنَّ جرس الهاتف فكان أول شيء سُئلت عنه هو هويتي، شعرت لوهلة بالتردد الشديد، لا أعرف السبب في ذلك؛ هل لأنني دائماً وجدت صعوبة في التحدث عن هويتي؟ أم بسبب ضغط المقابلة وتوترها؟

لكنني في النهاية وضعتُ أفكاري في خطاب يليق بي، وكان أول ما أشرتُ إليه هو جنسيتي الغربية، لأن هذه المعلومة وحدها تدل على وجود انتماء للغرب.

في بادئ الأمر، كنت مترددًة بشأن التحدث عن أصولي الفلسطينية ولكن كان يجب عليّ ذلك، لأن الأمر جزءٌ من هويتي. ورغم أن هذا السؤال أرهقني، شعرتُ بسعادة غامرة عند انتهاء المكالمة.

مضى الوقت ونحن نتحدث عما سأمارسه في فترة العمل، وكان أملي الوحيد ألّا تكون هويتي محط أنظار الآخرين.

عاهدتُه خلال المحادثة بأن أخلص في عملي وأُصبح محل ثقة، وكنت مصرّة على النجاح في تلك الفترة التدريبية، وتخطي أي عائق قد يقف أمام طريقي. وحينها قلت لنفسي إنه من الأفضل أن أركز على مهاراتي وشغفي بالعمل، ولا بد لي من التخلص من الوساوس والتحرر من مخاوف التعرض إلى التمييز.

وبالفعل، مُنحتُ فرصة التدريب التي انتظرتها طوال سنوات دراستي الجامعية. ولكن في الواقع، كنتُ ما أزال حينها متخوفة من السفر إلى الولايات المتحدة ومواجهة الشخص الذي قابلني عبر الهاتف.

وبعد ساعات من السفر المرهق، وصلتُ إلى العالم الجديد، ولم يمض من الوقت سوى أقل من أربع وعشرين ساعة وشعرتُ بالفعل كأنني شخص وُضع في غير مكانه.

اتجهت حينها أنا وزميلاتي الثلاث إلى صيدلية CVS وعندما بلغت مدخل الصيدلية شعرتُ كأنني منعزلة عن الحياة الواقعية وجال في خاطري انطباع مفاده أنني لا أناسب ثقافتهم، ومع أول نظرة استغراب من رجال الأمن حاولت بشتى الطرق تجاهل شعور الشك والوسوسة ولم أعر الأمر اهتمامًا، وقلت لنفسي: “أنتِ على ما يرام، توقفي عن تلك الأفكار البلهاء، الأمر ليس له علاقة بهويتك”.

“قُصفت مدينتي طرابلس ليلة عيد ميلادي”

ما تطلعات المرأة السودانية بعد دورها البارز بالثورة؟

ومع ذلك، عندما غادرنا الصيدلية، كان هناك بالصدفة رجل شرطة جوار حارس الأمن ينظر إلينا باستغراب، فشعرتُ وكأنني مذنبة، والمثير للسخرية هو أن الأمر نفسه لم يكن غريباً بالنسبة اليّ، فقد راودني ذلك الشعور اللعين من قبل خلال زيارتي لإنجلترا في السابق.

بسبب ما واجهته في الماضي من صراع ثقافات كنت دائما أقنع العرب بأنني بريطانية الهوية وعلى النقيض عندما يسألني الغرب فأجيب بأنني عربية الجنسية.

لقد أمضيت عمرًا في هذا الصراع المستمر إذ تنقلت عبر مدن وبلدان عدة دون إستقرار ولكن هذا الصدام المستمر للثقافة يرهقني يومًا بعد يوم إذ يصعب على تعريف نفسي، وهذه الوصمة نشأت من تنقلي المستمر عبر مختلف قارات العالم مثل أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية.

منذ بلوغي الثالثة من العمر، كنتُ أنفصل عن الأماكن التي “ترعرعت فيها”. وفي كل مرة ينتابني شعور الإستقرار كنت أتلقى خبر الانتقال إلى بلد آخر أو مدينة أخرى، وبسبب نشأتي في المملكة المتحدة وانتقالي إلى فلسطين ثم عودتي إلى إنجلترا وبعدها انتقالي إلى قطر ثم إلى الولايات المتحدة مجددًا أصبحت غارقة في صراع حياة في عالمين مختلفين .

لم تكن تلك التجارب سهلة في مقتبل العمر، وكانت المشاعر التي تنتابني عند وداع الأصدقاء من أصعب اللحظات في حياتي، كما أنني لم أستمتع بصداقات طويلة في عمري بل كانت جل صداقاتي عابرة، وترك هذا الانقطاع أثرا عميقا في حياتي وجعلني أتساءل عن هويتي والمكان الذي كنت أنوي الاستقرار فيه حقًا.

محاكم دمشق تحارب الطلاق بفيلم عن مساوئه

كيف تنجح العلاقات العاطفية رغم بُعد المسافة؟

ولمرة أخرى، قدر لي أن انتقل إلى العمل في مؤسسة بالخارج كجزء من برنامج البكالوريوس.

“أنا المتدربة الجديدة،” قلتُ بتردد في أول أيام العمل.

حين مشيت خطواتي الأولى إلى مكان العمل الجديد أحسستُ بإرهاق، وهناك تعرفت على المشرف العام الذي أجرى لي المقابلة التدريبية في بداية مسيرتي.

دبت هالة من العواطف عندما صافحته، وأردت أن أثبت له بتلك المصافحة وبحضوري أنني سأعمل بجد وأن أنجز ما وعدت وفى تلك اللحظة شعرتُ بالطمأنينة ثم سعيت لإثبات وجودي له وللآخرين في المكتب وأنني جزء أساسي من فريق العمل.

كيف تستخدم التنظيمات الإرهابية المرأة كسلاح سري؟

هل كشفت الاحتجاجات تفاصيل لم تكن معروفة عن نساء السودان؟

صفحة فيسبوك التي “يكرهها” الرجال وحكومة السودان

عندما ألقيتُ أول نظرة على زملائي في العمل، تملكتني رغبة عارمة في البكاء ولكنني تماسكت ووعدتُ نفسي بأن أعمل بكل ما أوتيتُ من قوة لإظهار كفاءتي.

وفي تلك اللحظة، تذكرتُ حياتي وأنا بنت اثنتي عشرة سنة أعيش في مدينة صغيرة غربي يورك شاير البريطانية، وكان عليّ أن أمثل هويتي الفلسطنية.

شكل ذلك الجزء بالنسبة لي حدثا مهما للغاية في حياتي، لأنه كان عليّ أن أحتمل خسارة عدة صداقات؛ لذلك دخلتُ المكتب في ذلك اليوم وأنا أعي أنني لن أعاني من ألم الخسارة التي عانيتها في الماضي لأن الناس رأوني بالهيئة التي ظهرتُ بها فور وصولي.

كان الشعور بالترحيب شعورُا لن أنساه أبدًا، وأدركت مدى تقديري لكوني من فريقهم المتنوع وأنتمي لدائرة التنوع الثقافي الموجود في ساحة العمل.

وعند هذه النقطة أدركتُ أن هويتي لم تكن قيدا يكبلني عن فعل كل ما يحلو لي بل كانت فرصة لإثراء التنوع الذي كان موجودًا بالفعل داخل المجتمع.

بعد تعرضي لكل هذه التجارب في الماضي، بدأت أفكر مليا في أثر هويتي لدى كل من تعامل معي ونظر إلى بسلبية، ولكن عندما بدأت استكشاف مزيد من الثقافات ودمج نفسي في مجتمعات مختلفة، بدأت أقر أن هذا المفهوم مغروس في داخلي فقط.، فقد أرى هويتي كشيء مختلف تمامًا ويحدد تقبل الناس لي، لكن الأمر ليس كذلك في كل الأحوال.

أدركتُ أنه من الخطأ أن أعد هويتي حاجزا بيني وبين الآخرين ولا سيما أن المضي في هذا التفكير سيؤثر سلبا على حياتي .

من المؤسف أن هذا ما يجب أن نفعله كفتيات منتميات إلى ثقافات شرق أوسطية باعتقادات دينية ليست غالبة في الغرب، لكنها خطوة ضرورية لتمهيد الطريق للفرص المستقبلية، خاصة للفتيات العربيات العاملات في الغرب.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
WhatsApp إنضم الى مجموعة الأرز الإخبارية