Home » بي بي سي عربي » ياعمّي وين الطريق..؟

يُذكّرني الواقع الفلسطيني كثيرا بلعبة شاهدتها قبل سنواتِ الانتفاضة الثانية، بالقرب من السوق العتيقة في القدس: صغارٌ يصطفون في حلقة حول أحدهم وقد وقع عليه الاختيار وعلى عينيه عصْبة صغيرة ذكرتني بقصاصات جداتنا العبقة برائحة البُن ومقص الجدات الأسود الكبير وعدة الحياكة وحبوب الهال.. يتغنى الفلسطيني الصغير: ياعمي وين الطريق؟ فيجيبه الآخرون وكأن لا هَمّ حولهم ولا جنود ولا حواجز ولا قضايا عثرة واقتتال: قدامك حجر وابريق…

فيعود الصغير يسأل وبراءة ماكرة صغيرة تشي بأنه يعرف جيداً ما سيسمع لكنه يستلذ التكرار: ياعمّى وين الطريق؟ ومن جديد تأتي الإجابة المُنغّمة الجماعية: قدامك حجر وابريق…

الواقع أن للُّعبة وقعا في وجداني، ليس فقط لشبه حميم بينها وبين اللعبات الصغيرة في أزقّة تكمن في الذاكرة الهنيّة ولا تندثر أبدا… وإنما لأن شبها كالجاثوم يلازمها ويربط بينها وبين حال فلسطين منذ سَطَر التاريخ كلمته الأولى في عُمْر الصراع الذي يبدو لعقل المتفكر أزليا بين شعب يشكو الاحتلال الذي أقرته الأعراف والقوانين الدولية، ودولة اعترفت بها ذات القوانين بعد ما عُرف محلياً بنكبة 1948 دون مواراة أو مواربة أو جفن جافل.

إذا اتسق لعينيك أفق القدس شرقا وغربا، وامتد عمرك لتشهد على هذا الصراع، حتى إن فنيت أنت وهو باق، لابد لك من لحظة تتسرب الديباجة اللحوحة إلى أذنيك، ومنهما لعقلك ومنه لضميرك: ياعمّي وين الطريق؟ وصدقني ألف من سيرد سؤالك بالإجابة ذاتها بألف صيغة وألف سجع: قدامك حجر وابريق!

اللعبة، للأسف لا تقف هاهنا.. فالطفل معصوب العينين لا تتوقف عذاباته الصغيرة عند الحيرة، لا، بل تأبى الحلقة المحيطة إلا من الدوران والدوران حوله وتحدي قدرة ذراعيه القصيرين على الإمساك بأي مُفرد من هؤلاء الذين يلتفون حوله ويشكلون سجنه العصي. إذا أمسك بأحدهم، حل محله في دائرة الحيرة، وتستمر دوامة اللا يقين إلى مالا نهاية. وهكذا المعضلة الفلسطينية، كلما تسنى لأحد الحائرين الفلسطينيين أن يضع آخر محله فعل.. والجميع في الحلقة المفرغة.. حتى بزوغ الفجر..

قبل عامين كتبت مقالين لا يخلوان ذاتهما من حيرة. أحدهما يَدرس التوصيف القانوني كصحفية محترفة آنذاك قبل أن أكون الآن دارسة للقانون الدولي ودراسات الحرب النقدية لدقائق الحالة الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. تساءلت في عنوان الأول: لماذا مستوطنون وليسوا سكانا؟

ساجلت حينها رئيس بلدية القدس وعمدتها الإسرائيلي نير بركات عن قرار الحكومة الإسرائيلي في 2017 بناء وحدات استيطانية جديدة بعد تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة في ضوء قرار مجلس الأمن ٢٣٣٤ القاضي بعدم شرعية أي مستوطنات إسرائيلية في القدس الشرقية المحتلة.

مقال آخر حمل ضفتي لندن ورام الله سميته “علبة حليب أطفال من خارج المستوطنات لو سمحت!” وضم في فحواه لُبّ حواري مع عمر البرغوثي- أحد المؤسسين الرئيسيين لحركة المقاطعة لإسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها – المعروفة عالميا بحركة BDS

بين المقالين، عامٌ وحوارات وأوراق مبعثرة كثيرة.. وبينهما ودراستي اليوم آلاف الأوراق التي أوقفتني صغيرة أمام كل ما اعتقدت أنني تعلمت وعرفت.. لو كان لي كلمة في هذا المقال لأخذت موقعي في حلقة الحيرة بلا أدنى ادعاء لأي معرفة أكثر من أي وقت مضى، لأعصب عيناي، صغيرة غير عابئة، وحيرتي منغّمة تناضل للإمساك بغيري أدفع به مكاني في الحلقة المفرغة: ياعمّي وين الطريق؟!

في حلقة هذا الأسبوع من بلا قيود، أحاور خالدة جرار – عضوة المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، عن يسار الأراضي الفلسطينية المحتلة وخيارات عصر ترامب. أساجلها عن سفارة أمريكية انتقلت للقدس وصفقة القرن التي قد تكون. أسألها عن الحلقة المفرغة بين السلطة وفصائل فلسطين يسارا ويمينا، وإلى متى الخلاف وإلى أين؟ وما مصير المصالحة التي سمعنا ضجيجها كثيرا ولم نر لها طحينا؟

بلا قيود – الأحد، الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش على شاشة بي بي سي عربي.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
WhatsApp إنضم الى مجموعة الأرز الإخبارية