Home » بي بي سي عربي » ذكريات من زمن فات

في تمام السابعة صباح يوم الخميس الموافق التاسع عشر من شهر مايو عام 2016، كنت أول من يعلن في مصر عن اختفاء طائرة مصر للطيران من طراز إيرباصA320 من على شاشات الرادار فور دخولها المجال الجوي المصري قادمة من العاصمة الفرنسية باريس وعلى متنها ستة وستون شخصاً. فقد كنت وقتها على الهواء مباشرةً في قطاع الأخبار بالتلفزيون المصري. لم استوعب حينها معنى اختفاء طائرة من على الرادار، إذ أن معلوماتي وقتها حول حوادث الطيران كانت محصورة في أمرين، إما سقوط الطائرة أو تفجيرها، وكانت المرة الأولى التي أسمع فيها عن “اختفاء” طائرة. بل كان لديّ أمل كبير أن أذيع خبر عودة الطائرة مرةً أخرى إلى شاشات الرادار، ولكن هذا للأسف لم يحدث. وعلى مدار التغطية المفتوحة على شاشة التلفزيون، سألت أكثر من خبير عن معنى اختفاء طائرة من على شاشات الرادار، وللأسف كانت جميع الإجابات تؤكد سقوطها!

مَثّل هذا الحدث صدمة لي، فهذه طائرة مدنية قادمة من باريس كانت تقل على متنها عروساً كانت زميلتي في إحدى الدورات التدريبية وسبق أن تبادلنا أطراف الحديث. عادةً هذه الأخبار تكون برمتها مؤلمة، ولكن عندما تكون قريبة منك لهذه الدرجة الوضع يختلف، لدرجة أنني مررت بفترة اكتئاب وخصوصا أنني كنت مسؤولة عن تغطية الحدث على مدار الثلاث أيام منذ الإعلان عن اختفاء الطائرة ومرورا بالإعلان عن سقوطها والعثور على حطامها ولاحقاً على أشلاء.

ظللتُ بعد هذه الحادثة عازفةً عن السفر خارج مصر خوفاً من التحليق، فتَولـّد داخلي رعب شديد بأن هذا المشهد سيتكرر معي وأصبحُ أنا جزءً من خبر يذيعه أحد زملائي. سيطرَ مشهدُ الطائرة والأشلاء عليّ لمدةٍ طويلة. وأتذكر في أول رحلة سفر للخارج، كنت في قمة التوتر والخوف، فظللت أبكي وأدعو الله بأن أعود آمنة لأهلي لدرجة أن جميع الركاب توتروا مثلي وظلوا خائفين إلى أن هبطتْ الطائرة بسلام. وأتذكر مضيفة الطيران ظلت بجواري في محاولة لتهدئتي.

تذكرتُ هذه المشاهد وغيرها كثير حينما نشرت صحيفة لوموند الفرنسية تقريرها بشأن أسباب سقوط طائرة مصر للطيران إيرباصA320 وخلص التقرير إلى أن الطائرة أصدرت أكثر من خمسين إنذاراً وخطأ تقنياً في الفترة القصيرة السابقة على الحادث، فيما أصدرت مصر للطيران بياناً أكدت فيه حرصها على عدم الإدلاء بأية معلومات فنية تخص الحادث نظراً لإحالة التحقيق للنيابة العامة ،كونها الجهة المنوط بها حالياً التحقيق فيه ويرجع إليها التقرير في هذا الشأن. وكانت النيابة العامة قد أعلنت في وقت سابق انها وجدت آثار لمتفجرات على أشلاء الضحايا في إشارة إلى تحطم الطائرة ناجم عن عمل ارهابي على عكس ما تقره السلطات الفرنسية بأنه ناجمٌ عن حريق في قمرة القيادة.

إلى هنا ينتهي السجال بين مصر وفرنسا ولكن يبقى السجال الدائر في نفسي وفي نفس كثيرين يسافرون على طائرات مصر للطيران؛ هل كانت الطائرة فعلاً تحتاج إلى تكهين (إصلاح أو تبديل أوتكهين)كما خَلُصَ التقرير؟ هل أطلقت الطائرة فعلاً عبر نظام أكارس للاتصالات عشرين إنذارا قبل الحادثة بيوم واحد يؤكد وجود أعطال فيها؟ وأسئلة أخرى كثيرة وجهتها في حلقة هذا الأسبوع من بتوقيت مصر لضيفي كابتن هاني جلال وهو كبير الطيارين سابقاً في مصر للطيران. تحدث جلال عن أمور إجرائية، وأوضح الكثير من المعلومات والنقاط حول التعاون المصري الفرنسي في هذه القضية. وخلال الحوار أيضا تطرقنا إلى إجراءات الأمان التي يجب اتباعها قبل الإقلاع من المطارات والتي أطمأن لها قلبي نسبياً أثناء الحوار.

وتذكرتُ أيضا في حلقة هذا الأسبوع موضوعا ناقشته قبل قرابة سبع سنوات في مؤتمر نسائي، حيث أناقش موضوعا عن الشركة التي أعطت العاملات النساء بها إجازة في أوقات الدورة الشهرية. هل غريب أن من وافق على هذا القرار هو رجل صاحب الشركة؟

كما أناقش قانونا صدر عام 2009 بمنع تداول الطيور حية ولم يدخل حيز التنفيذ حتى لحظة هذه الحلقة وكأنه ذكريات من زمن فات.

حلقة جديدة من برنامج بتوقيت مصر، حيث نتكلم من داخل مصر بحرية وحياد وخط أحمر واحد هو المهنية، وما عدا ذلك فمن حقي أن أسأل جميع الأسئلة وأطالب بجميع الإجابات، ليصبح بتوقيت مصر صوتاً لكثيرين لا صوت لهم.

بتوقيت مصر كل خميس الساعة السابعة وخمس دقائق بتوقيت غرينتش، التاسعة وخمس دقائق بتوقيت القاهرة.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
WhatsApp إنضم الى مجموعة الأرز الإخبارية