Home » bbc » نشطاء في مصر: المراقبة الشرطية “نصف حرية”

بشعر غير مصفف ووجه منهك تعلوه آثار إرهاق، يسير رامي (اسم مستعار) غير مبال خارجا من قسم الشرطة بعد قضاء ليلته بداخله.

لم يكن رامي مطلوبا على ذمة قضية أو وفق قواعد الاشتباه أو التحقيق الشرطي، بل كان يقضي نوبة مراقبة شرطية ليلية تلزمه بالمبيت في قسم الشرطة يوميا لثلاث سنوات.

رامي، كمئات آخرين في مصر، حكم عليه بالحبس ثلاث سنوات، ومراقبة شرطية لثلاث سنوات أخرى كعقوبة تكميلية تحتم عليه أن يقضي في قسم الشرطة التابع له 12 ساعة يوميا من السادسة مساء حتى السادسة صباحا.

التقيته في الصباح الباكر عند خروجه من مقر مراقبته بالقسم في العاصمة المصرية القاهرة، يقول رامي: “قضيت ثلاث سنوات في السجن كعقوبة في اتهام سياسي، لكن ربما فترة المراقبة اللاحقة التي أقضيها أشد قسوة من السجن”.

وأضاف الشاب العشريني: “يتم التحفظ عليَّ من السادسة مساء حتى السادسة صباحا وغير مسموح باصطحاب هاتفي أو أي جهاز إلكتروني، ولنصف اليوم أكون في عزلة تامة عن العالم. فُصلت من الكلية التي كنت أدرس بها وأنا في السجن. هذه المراقبة دمرت حياتي فأصبحت لا أستطيع أن ألتحق بأي عمل لضيق الوقت”.

وتوسعت المحاكم المصرية مؤخرا في إضافة عقوبات تكميلية لاحقة لأحكام السجن، لاسيما في القضايا ذات الطابع السياسي، وكذلك فرض تدابير احترازية لمن يخلى سبيله على ذمة قضية من المحبوسين احتياطيا، وهو ما يعتبره متابعون يهدف إلى “تضييق الخناق على النشطاء السياسيين ومتابعة أنشطتهم المعارضة للسلطة”.

يوضح رامي أنه بعد الخروج من القسم يكون متعبا، فلا فرصة للنوم بالداخل ولا غرفة محددة للمراقبين، فيقضي ما تبقى له من اليوم ما بين النوم والجلوس مع الأهل.

ويضيف رامي: “استمرت عائلتي في الإنفاق علي ثلاث سنوات وأنا سجين، وها هي تعيد الكرة فلا صاحب عمل يقبلني”.

والتدابير الاحترازية التي تقضي بها المحاكم تعني متابعة قسم الشرطة بصفة دورية وتهدف بالأساس إلى استبدال الحبس الاحتياطي وفقًا لنص المادة 201 من القانون رقم 150 لسنة 1950 والتي تم تعديلها عام 2006 من قانون الإجراءات الجنائية.

وحدد المشرع العقوبة التكميلية بعد قضاء مدة الحبس على ألا تزيد مدتها عن 5 سنوات فى كل الأحوال.

وهناك عدة أنواع للتدابير الاحترازية تقررها وزارة الداخلية بحق من يخضعون للمراقبة أبرزها عدم مغادرة المتهم للمنزل لساعات محددة، أو قيام فرد أمن من قسم الشرطة التابع له المتهم بالمرور عليه بمسكنه، أو أن يقوم المراقب بتسليم نفسه للقسم التابع له لمدة ثلاث ساعات يوميا أو مرة واحدة أو مرتين أسبوعيا.

ومن بين أشهر المُخلى سبيلهم وفق تلك العقوبات التكميلية، الناشط والمدون علاء عبد الفتاح الذي قضى خمس سنوات في السجن ويخضع الآن للمراقبة الشرطية لخمس سنوات مقبلة، وأحمد ماهر مؤسس حركة شباب ٦ إبريل وعبد الرحمن طارق الشهير بـ “موكا” والمصور الصحفي محمود أبوزيد الشهير بشوكان.

ومعظم هؤلاء تقرر أن يسلموا أنفسهم لقسم الشرطة التابعين له للتوقيع كل مساء والبقاء فيه منذ غروب الشمس حتى شروقها.

“لست حرا”

علاء عبد الفتاح، الذي جاءت فترة مراقبته كجزء من عقوبته التي انتهى جزؤها الأول داخل السجن منذ أيام، نشر على صفحته على فيسبوك في الأيام الأولى لبدء المراقبة: “للأسف أنا مش حر ولا حتى بالمعنى المنقوص للحرية الدارج في بلادنا. أنا بسلم نفسي كل يوم لمهانة ومذلة اسمها المراقبة”، لوصف وضعه بعد خروجه من السجن وبدء فترة المراقبة لخمس سنوات.

وأشار عبد الفتاح في تدوينة له إلى أنه مستعد لدفع تكلفة تركيب سوار إلكتروني أو حراسة شرطية على منزله أو كاميرات مراقبة عند مدخل المنزل كبديل عن المراقبة في قسم الشرطة.

وذكر عبد الفتاح الأربعاء أن ضباطا، ربما ينتسبون إلى الأمن الوطني، أيقظوه من نومه في قسم الشرطة أثناء قضاء نوبة مراقبته وهددوه بالحبس مجددا “عقابا على كتابتي عن ظروف المراقبة”.

ولم تعلق الداخلية المصرية على ما نشره عبد الفتاح.

تبهجني فرحتكم بخروجي من السجن لكن للأسف أنا مش حر.ولا حتى بالمعنى المنقوص للحرية الدارج في بلادنا.أنا بسلم نفسي كل يوم…

Posted by Alaa Abd El Fattah on Monday, April 1, 2019

ومن أشهر من يخضعون حاليا لتلك المراقبة الشرطية الناشط السياسي أحمد ماهر، العضو المؤسس لحركة 6 إبريل- أحد رموز ثورة الخامس والعشرين من يناير. وعلى حسابه على موقع تويتر، ذكر ماهر تعليقا على اجراءات المراقبة التي يخضع لها علاء:

أما الصحفي “سامحي مصطفى” الذي قضى في السجن نحو 4 سنوات في القضية المعروفة إعلاميا بـ”غرفة عمليات رابعة” فاشتكى من وضع المراقبة في إحدى تغريداته بعد حادث سير كاد أن يودى بحياته، وقال إنه رغم الحادث لم يسمحوا لي بإجازة أو راحة من المراقبة.

عقوبة أم عقاب؟

وقالت منظمة العفو الدولية على لسان الباحث المتخصص في الشؤون المصرية حسين بيومي في تصريحات خاصة لبي بي سي: “تدابير المراقبة القاسية في مصر هي في الحقيقة شكل آخر للاحتجاز التعسفي الذي تمارسه السلطات المصرية ضد عدد كبير من النشطاء والمعارضين السلميين، لا لشيء إلا أنهم عبروا عن آرائهم بسلمية”.

وأكد بيومي أن المراقبة الشرطية أصبحت تستخدم كوسيلة “لقمع المعارضة وإسكات المعارضين في مصر”.

وفي تقرير بعنوان “تحت البصر”، ذكرت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان قيام السلطات القضائية خلال العام المنصرم بإخلاء سبيل 174 متهما على الأقل بتدابير احترازية على ذمة قضايا على خلفية سياسية، بينما هناك مئات يخضعون للمراقبة بموجب أحكام قضائية.

وأشار التقرير إلى أن “التدابير الاحترازية ومثلها عقوبة المراقبة الشرطية تسلب العديد من الحقوق الشخصية للمتهم، وتقيد نشاط المراقب وحركته في المجتمع نهارا وفي أغلب أيام الأسبوع”.

وقالت لجنة حماية الصحفيين الدولية CPJ في بيان لها بعنوان “في مصر… تنتهي الحرية يوميا في الساعة السادسة مساء بالنسبة لشوكان وعلاء عبد الفتاح”: “يتوجب على علاء والمصور الصحفي شوكان الذهاب إلى قسم الشرطة في السادسة مساءا يوميا، وأنه من حق الضابط المسؤول في قسم الشرطة أن يقرر ما إذا كان عليهما أن يقضيا الليل في الزنازين أو أن يوقعا في دفتر الحضور ثم ينصرفا، ولكنهما منذ الإفراج عنهما قضيا كل ليلة خلف القضبان”.

وقد اتصلت بي بي سي عربي بوزارة الداخلية المصرية للحصول على تعليق فيما يخص ظروف بقاء الخاضعين للمراقبة داخل أقسام الشرطة ولم تتلق أي رد.

مصالحة مع الشباب؟

لكن هناك من يدافع عن تلك الإجراءات ويرى أن الهدف منها إجراء مصالحة مع شباب الثورة.

الدكتور أحمد مهران، أستاذ القانون العام و مدير مركز القاهرة للدراسات السياسية والقانونية، قال في تصريح سابق لصحيفة محلية: “الدولة تتجه في الآونة الأخيرة إلى تحقيق فكرة المصالحة الوطنية وفق ما جاء فى الدستور المصري، وذلك بهدف استعادة الثقة بين الدولة وشباب ثورة يناير وثورة يونيو”.

وأضاف مهران: “الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد احترامه لسيادة القانون ورغبته فى تطبيق روح القانون مع الشباب الصادر بحقهم أحكام جنائية”.

وقال المحامي ناصر عبد الحافظ تعليقا على توسع السلطات في استخدام تلك الاجراءات: “المشرع يفترض في بعض الأحيان أن العقوبة المقررة غير كافية للردع وحماية المجتمع والسلم العام، ولذلك يلجأ لتلك التدابير التي تضاف للعقوبة الأصلية”، مشيرا إلى أن “تلك التدابير قد تفلح فيما لم تفلح فيه العقوبة الأصلية”.

وأشار عبد الحافظ إلى أن المسجون السياسي قد يكون أكثر خطرا من الجنائي حيث أن السياسي “أثره ممتد” بعد خروجه من السجن لأنه “قد يسعى بين الناس بالفتنة، وفي ذلك تهديد للأمن والسلم العام”. وأضاف عبد الحافظ: “المشرع يرى ان التدابير تؤدي وظيفة اجتماعية للحفاظ على المجتمع”.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
WhatsApp إنضم الى مجموعة الأرز الإخبارية