Home » بي بي سي عربي » “اعتقدت بأن التحول عن المثلية سيجعلني سعيدة”
شولي

BBC

بعد صراع من أجل التوفيق بين هويتها الجنسية ودينها، قضت شولي سنة كاملة في برنامج علاجي لتحويلها من المثلية إلى الوضع الجنسي الطبيعي.

“لا أريد أكثر من أن أكون امرأة عادية، وهذا السبب الوحيد لوجودي هنا”.

أغلقت عيناي وشددت قبضتاي، ورغم أننا كنا نجلس واحدا أمام الآخر وجها لوجه، تجاهلت نظرات المعالج. ولكني ركزت بشكل دقيق إلى ما قاله: “تقولين إن أمك كانت تعمل؟” أومأت بالإيجاب. تبع ذلك سؤال “لابد أنك تشعرين بالقلق بحضور الشبان. ما هو سبب ذلك؟” عضضت على لساني والتزمت الصمت.

كنت دائما أشعر بالخوف قبل كل حصة عندما كنت أتسلق السلم إلى مكتب المعالج، فقد كنت أشعر بالقلق من أن يراني أحد ويعرف سبب وجودي في هذا المكان. لم أتمكن من الاسترخاء أبدا، إذ كان ظهري متشنجا وجسدي متوترا طيلة الوقت.

نظرت إليه نظرة ثقة، واتخذ هو ذلك على ما يبدو كاشارة على الاستمرار في الحديث.

سألني كيف كنت أشعر عندما كنت أرى فتاة تعجبني في “الجيم”. قلت “كنت أشعر باثارة”. هز برأسه وبدأ يسألني عن سبب شعوري بهذه الاثارة. وقال إنه ربما كان عدم قدرتي بالشعور بالانجذاب إلى الرجال سببه قلقي من أنني لا أحوز على اعجابهم.

تنهدت. إذ لم اعرف بماذا أشعر عدا أني كنت مخدرة ومحاصرة.

كلا، لم يكن ذلك حلما مزعجا، بل إني كنت في خضم عملية تحويل للمثليين هيمنت على حياتي في أوائل العشرينيات من عمري وغيرت حياتي إلى الأبد.

تيقنت حينئذ بأن عليّ أن أكون طبيعية من أجل أن أكون سعيدة. كيهودية تقليدية معاصرة، كنت مستميتة من أجل أن أحيا حياة “عادية” – التي تعني الزواج من “شاب يهودي جيد” وأن تكون لي عائلة – وأن أكون متقبلة من جانب شركائي في الدين. فبينما يتقبل العديدون من الطوائف اليهودية الليبرالية فكرة المثلية هذه الأيام، ما زال كثيرون في الطوائف الأرثوذوكسية التقليدية يعارضونها على أساس أنها محرمة في النصوص الدينية.

أثناء حضوري في عيادة المعالج، كنت أحاول مترددة التفاعل مع محاولاته التوصل إلى السبب الأساسي لوضعي الجنسي. وبكل سذاجة، اعتقدت بأن ألم البحث في تفاصيل طفولتي وتعريض والديّ للتمحيص كانت ذات جدوى لأنني اعتقدت بأنني سأخرج من برنامج العلاج في نهاية المطاف امرأة عادية. وهذا كان كل ما كنت أريده آنذاك.

شوليBBC

معتقدات شولي الدينية جعلتها تستميت من أجل أن تحيا حياة “طبيعية”

ورغم التقدم الذي شهدته المملكة المتحدة وغيرها من الدول في العقود الخمسة الأخيرة فيما يخص حقوق المثليين وثنائيي الجنس، ما زال كثير من الدول يمارس عمليات تحويل المثليين، وهو اسلوب شبه علمي يحاول تغيير التوجه الجنسي للأفراد أو تقليل ميلهم لآخرين من نفس جنسهم. هذا التوجه في طريقه للمنع في المملكة المتحدة بعد تقرير مهم صدر في العام الماضي.

يعتمد ذلك التقرير على احصاء شارك فيه مثليون وثنائيو الجنس في المملكة المتحدة. أجري الاحصاء من خلال الانترنت بين تموز / يوليو وتشرين الأول / أكتوبر 2017، رد عليه أكثر من 108,000 مشارك. وتوصل الإحصاء إلى أن 2 في المئة من المشاركين قد شاركوا في جلسات تحويل في محاولات لتغيير ميولهم الجنسية، بينما عرض على 5 في المئة منهم المشاركة في مثل هذه الجلسات. ومن الذين شاركوا في هذه الجلسات، قال 51 في المئة إنهم احيلوا اليها من قبل جماعات دينية، بينما قال 19 في المئة إن عاملا في المجال الصحي أحالهم اليها.

رغم أني نشأت في لندن في كنف أسرة متفتحة، لم أتعرف على أي شخص يعرف نفسه صراحة بأنه مثلي أو ثنائي الجنس. وعندما كنت في الحادية عشر من عمري، قلت لأمي بأني معجبة بطفلة في صفي. ولكن أمي قالت لي إن الكثير من الناس يعجبون بنفس جنسهم عندما يكونون في سن البلوغ، وبأني كنت أصغر من أن أصنف نفسي.

لم نناقش الموضوع لعدة سنوات، ولكن في السنة الأولى التي التحقت بها في الجامعة في عام 2010، حاولت مناقشة موضوع مشاعري الجنسية مع والديّ ثانية ولكن الأمر لم يكن أيسر بحال من الأحوال. كانت المشاعر تتفجر في احشائي وكان لابد علي من التعبير عنها.

بعد التحاقي بالجامعة، القيت بنفسي في خضم الحياة الطلابية، وحاولت أن أتغاضى عن مشاعري الجنسية. شاركت في احدى المجموعات اليهودية في الجامعة، وفي نهاية سنتي الأولى قررت الاشتراك في رحلة صيفية كانت هذه المجموعة تنظمها إلى اسرائيل.

استغرقت الرحلة اسبوعين، وكان الشخص الذي أخرج معه في ذلك الوقت هناك أيضا. وفي احدى الليالي شربت حتى الثمالة، وأخبرت أحد كبار السن المشاركين في الرحلة بأني لم أكن أميل نحو ذلك الشخص في الحقيقة. وقلت له بأني أميل للفتيات أكثر من الفتيان.

شوليBBC

شاركت شولي في رحلة الى اسرائيل

في صباح اليوم التالي، استيقظت في رعب كبير، فقد كنت خائفة بأن يخبر الشخص الذي تحدثت اليه آخرين. ولكن بعد أن تحدثت إليه في وقت لاحق، وعد بحفظ السر.

شعرت بالارتياح لأنه لم يبد أنه في وارد الحكم عليّ وبعد الرحلة، بدأت أراه بشكل شبه دوري، لأنه كان الشخص الوحيد الذي كنت أصارحه. بكيت كثيرا، ولكن الاعتراف بالحقيقة كان أمرا مريحا. قلت له بأني أتمنى أن أكون عادية وأن تكون حياتي أقل تعقيدا.

وخلال أحد محادثاتنا، قال لي إن هناك طريق أجد من خلاله “السعادة”، من خلال شخص يعرفه في اسرائيل يجري جلسات لتحويل المثليين. تلخصت الخطة بأن أؤجل دراستي لسنة واحدة أسافر خلالها إلى اسرائيل للاقامة في مدرسة دينية.

كنت متحفزة وقلقة بنفس الوقت، فقد كانت خطوة حاسمة، ولكني كنت مصممة على أن ابذل كل ما أوتيت من جهد لانجاحها. فقد كنت مستميتة للعثور على سبيل يجعلني أشعر بتحسن في حياتي.

تبرع والداي بتحمل نفقات سفري (ألف جنيه استرليني) لأنهما كانا يعرفان ما كنت أعاني منه نفسيا وكانا يريدان مساعدتي. لم يعرف أحد منا شخصا شارك في جلسات تحويل المثلية، ولم نكن على علم بالضرر الذي قد تحدثه هذه الجلسات. ففي اسرائيل، واعتبارا من بداية عام 2019، يعرض الأطباء أنفسهم للمنع من ممارسة المهنة والطرد من الجمعية الطبية الاسرائيلية اذا ثبتت ممارستهم لهذه الجلسات، وكانت الجمعية حظرت هذا العلاج في وقت سابق من العام الحالي – بعد سنوات من تجربتي الشخصية معها.

استغرقت فترة علاجي 18 شهرا – فقد واصلتها عن طريق الفيديو بعد عودتي الى المملكة المتحدة. ومن الطروح التي نظرت إليها على أنها غاية في الخبث كان اسلوب البحث عن ذكريات الماضي، وهو اسلوب لعلاج التنويم المثير للجدل.

في حالتي، كنا نبحث عن خطيئة قد أكون قد ارتكبتها في الماضي قد تكون أدت إلى “تحولي إلى المثلية”. قيل لي أن أغمض عيناي وسئلت عما أرى. حاولت أن أقول بأن هذا الأسلوب غير مجد، ولكنهم أصروا على أحاول ثانية. في نهاية المطاف، انهرت وقلت لهم إني كنت أملك مزرعة وأني حاولت قتل شخص ما – وكلها أمور مصطنعة بالطبع. يبدو لي الأمر الآن أن هذا العذر كان بدائيا، ولكني كنت حريصة على الانتهاء من الموضوع.

وكانت احدى الاجراءات الأخرى المزعجة التي أخضعت لها اجراء تقليل تحسس حركة العينين واعادة برمجتهما ( EMDR). وهو اجراء حديث العهد نسبيا لا يعرف العلماء كيفية عمله بالتحديد، ولكن يقال إنه يقلل من أعراض متلازمة عواقب الصدمات ( PTSD) عند البعض.

في حالتي، سئلت عن الأمور التي كانت تخيفني وتلك التي كانت لا تعجبني – كممارسة الجنس مع رجل – بينما كانت مجبرة على تتبع قلم المعالج من جانب إلى آخر. الفكرة كانت أن اتخلص من كل المشاعر السلبية التي كانت تعتمل في داخلي ازاء الجنس العادي، ولكن هذا الأسلوب لم ينجح معي، إذ كان تصور هذه المواقف يصطدم بمشاعري الحقيقية.

جلسةBBC

جلسة علاج

حالما عدت إلى لندن، اتضح لي بأني كنت في مكان مظلم جدا من الناحية العاطفية. كانت حالتي تتدهور من سيء إلى أسوأ دون أن أرى أي تغيير في وضعي الجنسي، مما جعلني أتيقن بأن الأمور قد تعدت المقبول. وفي لحظة يأس، سألت المعالج إن كان الأسلوب الذي يتبعه قد نجح مع أي كان.

أوصلني المعالج باسرائيلية كانت بدأت جلسات العلاج قبل ست سنوات، ولكنها لا تتمكن إلى ذلك الوقت من تقبيل رجل أو ممارسة الجنس معه. عندما سمعت قصتها، تيقنت بأني لا أريد أن أعيش حياتي اعتمادا على كذبة، وبأني لا أريد أن أحيا دون حب أو جنس وبضرورة وضع نهاية لكل هذا.

والآن، وبعد سنوات ست، أشعر أكثر سعادة، رغم أني أشعر بصعوبة في وضع ثقتي بالناس، ورغم ميلي إلى المبالغة في تحليل العلاقات الشخصية. ولكن الأمر الإيجابي الذي خرجت به هو أني اكتشفت أن والديّ هما أكبر سند لي. فقد كان والدي، الذي كان يعاني من الشعور بالذنب للآثار السلبية التي اصابيتني جراء “العلاج”، أول الذين نصحوني بالتخلي عنه وممارسة التجربة في عالم المثلية الجنسية. منحني اسناد والديّ القدرة على المضي قدما في حياتي.

والآن، يستضيف والداي حفلات عشاء للمثليين في أيام السبت (شابات) ويساعدون أولياء أمور المثليين ويحاولون إيجاد شريكة لي عن طريق السؤال من الجميع – بمن فيهم حاخامات- اذا كانوا يعرفون بمثليات لطيفات.

أعتقد بأن الكثيرين من المثليين وثنائييي الجنس يواجهون صعوبات في العثور على مكان يتقبلهم بشكل كامل. ففي المجال الديني، قد يقال لهم إن وضعهم الجنسي غير مقبول، بينما ينظر في العالم المثلي إلى تدينهم على أنه شيء غير طبيعي وغير مرحب به. وإلى أن تحل هذه الأحجية، ينبغي على صغار المثليين وثنائيي الجنس أن يختاروا بين الدين وهويتهم الحقيقية.

طاردتني كلمات المعالج لعدة سنوات، فكان صعبا عليّ ألا أسمع صوته في ذهني. ولكني الآن وصلت إلى مكان أتقبل فيه هويتي ولذا فأنا أشعر بسعادة كبيرة.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
WhatsApp إنضم الى مجموعة الأرز الإخبارية