هل تجاهلت الحكومة المصرية حق المشاة في خططها لتطوير الطرق؟

دشنت مصر عام 2014 “المشروع القومي للطرق”، ومنذ ذلك الوقت صرفت الحكومة المصرية مليارات الجنيهات لإحداث ما وصف بـثورة على الطرقات تأتي في إطار تطوير البنية التحتية في البلاد تحضيراً لمرحلة “الجمهورية الجديدة”.

وقد انعكس ذلك تقدماً في ترتيب مصر في مؤشر جودة الطرق إلى المركز الـ 28 عام 2019 مقارنة بالمركز الـ 118 عام 2014، وذلك وفقا لتقرير التنافسية العالمية الصادر عن المنتدي الاقتصادي العالمي. إلا أن شكاوى بعض المواطنين من صعوبات في عبور الطريق بأمان، وفقدان البعض الآخر منهم لأحبائهم وأصدقائهم أصبح أمرا يدق ناقوس الخطر، ويثير تساؤلات عن مدى أخذ أمن وسلامة المشاة في الحسبان في خطط تطوير الطرق في مصر.

رسم بياني يظهر تقدم ترتيب مصر في مؤشر جودة الطرق

BBC

غياب جسور المشاة

فقد هاني أحمد نجله حسام – الذي كان يبلغ 25 عاما عند وفاته- في يوليو/تموز من عام 2020. وقد وقع الحادث الذي أودى بحياة الشاب خلال عبوره الطريق في إحدى مناطق مدينة نصر، الواقعة شرقي القاهرة.

ويقول هاني إن نجله توفي إثر ارتطام سيارة أجره به وهو يعبر من أمام المنصة، مضيفاً أن عدم توفر كباري (جسور) مشاة كافية دفع نجله إلى عبور الطريق الواسع، المعروف بطريق النصر- الأوتوستراد، في محاولة للوصول إلى وجهته في الضفة الأخرى: “أقرب كوبري مشاة كان على بعد 500 متر من حسام”.

ويكمل رواية ما حدث بحرقة: “الإسعاف تأخر على نقل ابني حوالي ساعة، وبعد ما نقلناه لمستشفى فيه تخصص مخ وأعصاب، الطبيب قالي لي إنه وصل شبه متوفٍ”.

وزير النقل المصري السابق دكتور هشام عرفات، قال في تصريحات لبي بي سي، إن الحكومة أنشأت العديد من كباري المشاة وبها سلالم متحركة لتسهل الانتقال على المواطنين، مضيفا: “أرقام منظمة الصحة العالمية تشير أيضا إلى انخفاض كبير في عدد الإصابات التي تؤدي إلى الوفاة في حوادث الطرق، ولكن هناك أيضا بعض الحوادث ناتجة عن عدم التزام الناس بمناطق العبور المخصصة، فالدولة كما وفرت سلالم مشاة، على الناس أن تلتزم بها، وهذا الأمر يتطلب توعية منذ الصغر”.

تضارب في الأرقام

ويشدد الدكتور عرفات -الذي شغل منصب وزير النقل في مصر في الفترة من فبراير/شباط 2017 حتى فبراير/شباط 2019 – على تقارير تشير إلى مسؤولية العنصر البشري عن 72 في المئة من الوفيات الناجمة عن حوادث الطرق.

يقدم المسؤول المصري السابق هذه الأرقام في مقابل ما يقول إنه خطوات شتى تتخذها السلطات للحد من حوادث الطرق، مشيراً إلى أن “حياة الإنسان أهم من سرعة الوصول وسهولة حركة البضائع، والجميع يتمنى أن تتلاشى هذه الحوادث”، ومؤكدا ضرورة “الرجوع إلى الإحصائيات الموثقة” عند تناول الأمر.

وتشهد الأقام الحكومية والدولية الخاصة بوفيات حوادث الطرق في مصر تضاربا واضحا، ففي وقت ذكر فيه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بحسب نشرة صدرت عنه في أبريل 2020 أن عام 2019 شهد وفاة 3484 شخصا في حوادث على الطرق، تشير أرقام المنظمات الدولية إلى أن العدد أكبر من ذلك بكثير.

صعوبة مضاعفة

شكل تحقيق السيولة المرورية والحد من الازدحامات الخانقة واحدا من أهداف مشاريع تحديث الطرقات وتوسيعها في مصر.

لكن عددا من المختصين بالتخطيط العمراني يرون أن الحكومة المصرية، في خططها لتطوير وتوسيع الطرق، أعطت الأولوية لتحرك السيارات على حساب الأفراد وباقي مستخدمي الطريق والشارع.

يقول عمرو عصام، خبير التخطيط والتنمية العمرانية، لبي بي سي: “الثابت من الممارسات والتجارب العالمية في هذا السياق، أن أي توسيع في شبكة الطرق لصالح المركبات الآلية يصحبه تقويض لحركة المشاة وتقليص من المساحة الخاصة بتنقلهم وهذا ما حدث مؤخراً في الكثير من مشروعات التوسعات الأخيرة بشبكة الحركة في مصر، وهنا يجب أن تنطلق أي محاولة لتحديث شبكة الحركة من ثوابت رئيسية، في المقدمة منها، المشاة وضرورة توفير الراحة والسلامة لهم”.

وفي ضوء التوسعات التي زادت من عدد المسارب (المسرات) المخصصة لعبور السيارات على الطرقات خاصة في شوارع القاهرة، أضحى عبور المشاة مهمة صعبة على بعض مستخدمي الطرق. إذ تشكو زينب أحمد من أنها باتت تجد صعوبة مضاعفة في عبور الطريق لاصطحاب أبنائها في طريق العودة من مدرستهم الكائنة في حي مصر الجديدة شرقي القاهرة، وتتابع قائلة: “الطرق وسعت بشكل كبير، وبدلا من محاولة تجاوز سيارتين خلال العبور أصبح يتعين علي أن أعبر من أمام ثماني سيارات، أتمنى عمل كوبري مشاة هنا”.

ولا يقتصر الأمر على المشاة، فخلال حديثي إلى أحد سائقي أجرة، بشأن حجم المشكلة التي يواجهها، طالب بتوفير مزيد من جسور المشاة، لكنه أشار أيضاً إلى بعض السلوكيات التي يقوم بها عدد من المارة والتي قد تزيد من فرص وقوع حوادث على الطريق:”هناك من يتحدث في الهاتف عند عبور الطريق، أرجو أن يتم إنشاء كباري مشاة، لأنني حين أضغط المكابح لوقف السيارة بشكل مفاجئ لتفادي دهس أحد من المشاة أعرض سيارتي للارتطام من الخلف”.

وترتفع الخطورة لمستخدمي الطرق من المشاة بسبب تحديد السرعة القصوى في شوارع المدن الداخلية عند 60 كيلومتراً في الساعة، وهي سرعة مرتفعة بالنسبة لمعظم الشوارع.

إذ تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن المشاة يشكلون ثلث الوفيات الناتجة عن حوادث الطرق في مصر. وتتحدث مؤسسة “ندى لطرق مصرية آمنة” – وهي مؤسسة مصرية غير حكومية أنشئت عام 2014 بهدف نشر الوعي بالاستخدام الآمن للطرق – عن وفاة طفل أو مراهق كل أربع ساعات بشكل يومي على الطرق في مصر.

معدلات السرعة المسموحة في مصر

BBC

مبادرات لحل الأزمة

لا تشكل خسارة الأرواح على الطرق أمراً خاصاً بمصر وحدها، فوفقا لمنظمة الصحة العالمية يلقى حوالي 1.25 مليون شخص سنويا حتفهم نتيجة لحوادث المرور.

وهو ما دفع الأمم المتحدة إلى وضع تخفيض عدد الوفيات والإصابات الناجمة عن حوادث المرور في العالم إلى النصف بانتهاء العقد الجاري ضمن خطتها للتنمية المستدامة لعام 2030.

وفي هذا الإطار، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في أغسطس/آب 2020 قرارا لإطلاق عقد جديد للسلامة على الطرق يمتد في الفترة من 2021 حتى 2030.

محلياً، أنشأت الحكومة المصرية المجلس القومي للسلامة على الطرق في مارس/آذار من عام 2013. وتم تكليف المجلس، الذي يضم في عضويته 12 هيئة حكومية برئاسة وزارة الداخلية، بدراسة وتقديم الخطط القومية للسلامة على الطرق ووضع وإقرار استراتيجية عامة مُلزمة للحد من الحوادث.

إلا أن أخبار هذا المجلس انقطعت في وسائل الإعلام المحلية في السنوات الأخيرة، في حين يعود تاريخ آخر منشورعلى صفحة المجلس على فيسبوك إلى أبريل/نيسان من عام 2018.

الطرق في مصر

BBC
قلة الأماكن المخصصة لعبور المشاة والسرعات الزائدة داخل المدن تسبب الوفيات والإصابات

في الأثناء تبنت الحكومة المصرية مؤخرا مشروعا يهدف إلى تنفيذ “منظومة نقل ذكي”، من المقرر أن تكون جاهزة في يونيو/حزيران من عام 2024، لتحقيق مجموعة أهداف من بينها الكشف عن الحوادث وتفادي وقوعها.

وحتى ترى هذه المنظومة الموعودة النور، تتواصل الحملات المدنية الساعية للتعامل مع مشكلة حوادث الطرق وزيادة الوعي بسبل الأمان على الطريق. فعلى سبيل المثال قامت مؤسسة ندى لطرق مصرية آمنة، باختيار عدد من “سفراء السلامة على الطرق” للعمل على نشر الوعي بين الشباب وطلاب المدارس.

ويبقى نجاح هذه الجهود في تحقيق الأثر المطلوب ورفع مستوى السلامة على الطرقات مرهونا بتبني استراتيجية شاملة تشمل “تطبيق معايير سلامة على كل منظومة الطريق: معايير لبناء الرصيف، معايير للسرعات …. معايير لكيفية عمل تدخلات هندسية لإجبار السيارات على خفض سرعاتها…معايير لعرض الطريق..”، يؤكد أحمد شلباية، أحد مؤسسي مؤسسة ندى.

للمشاركة


بي بي سي
إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولة عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com