Home » bbc » جميلة

المدقق في تطور الحركات التحررية قد تخادعه قطبية العلاقة بين الأنظمة والثوار. فبين القطبين المتقاتلين بالضرورة خط ممتد من أقصى اليمين لليسار تحتله حركات وأحداث وشخوص قد تغير وجه الحركة بأكملها.

في نضال الجزائريين ضد الاستعمار الفرنسي بَدا الخطان الأبيض والأسود مصقلين بلا لبس، فالاستعمار بوجهه الكلاسيكي آنذاك كانت له رؤية نفعية وتوسعية وإن كان في التعميم وجه للخلل يغفل فوارق السياسات وطباع التطبيق. والمقاومة له في الدول المستعمَرة والمحتلة زَينتها هالة من الأخلاقية الوطنية لم يختلف عليها آنذاك من كان في قلبه مسٌّ من حرية.

لكن البينَ بين مكمن الشيطان ودوار التاريخ. حين أُلقي القبض على جميلة بو حيرد عام 1957، كانت متطوعة في جبهة التحرير الوطني الجزائرية كتفا بكتف آخرين من بينهم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، لمناهضة الاستعمار الفرنسي. بعد سنوات من التعذيب الوحشي تلاه ترحيل إلى فرنسا ليُحكم عليها بالموت الذي أبداً لم يَنفَذ. قالت نصا آنذاك في محاكمة أرخ لها على الصفحات المطبوعة كل من وقعت له عين على التاريخ النضالي للشعوب التحررية تقريبا، قالت: ” أعرف أنكم سوف تحكمون عليّ بالإعدام لكن لا تنسوا أنكم بقتلي تغتالون تقاليد الحرية في بلدكم ولكنكم لن تمنعوا الجزائر من أن تصبح حرة مستقلة”.

لكن لأوراق التقويمات على الجدران صلف يعصف بصفحات التاريخ المنمقة، وقد يبعثرها إلى حين.

خرجت جميلة بعد التحرير لتنجو من حكم بالسجن مدى الحياة، وتنخرط في المأسسة التي تؤطر عادة للحركات العفوية وحتى المنظمة، وقد تزرع حولها أسلاكا بلاستيكية خانقة للمضمون والحالة الثورية. تولت جميلة رئاسة اتحاد المرأة الجزائري، لتخوض نضالا آخر ضد عراقيل الرئيس أحمد بن بلة آنذاك. آثرت التخلي قبل نهاية العامين على المنصب، فاستقالت غيرَ آسفة واعتزلت السياسة المؤطرة.

تتطاير أوراقي المبعثرة لتختلط بالنافق من أوراق التقويم من الحائط، على مكتبي، وتعود جميلة لتسطر عنها الأخبار في لقاءات مع الرئيسين السوري بشار الأسد والمصري حسني مبارك، لتدمي تاريخها أسهم المنتقدين الذي رأوا تناقضا بيّنا بين مبادئ النضال التقليدية، والمناصرة غير الاستثنائية لمناضلين خالتهم النزعة القومية على حساب المبادئ المجردة من وجهة نظر منتقديهم من التيارات المدنية والحقوقية. استأثرت أقلام أخرى بمهمة الدفاع عن وجهات بو حيرد في زياراتها وإضفاء صيغة عصرية على ما وصفوه بالنضال ضد نزعات توسعية لم تثبت براءة تامة لقوى الإمبريالية الجديدة ومطامعها في الشرق الأوسط.

ثم يحدث ما يحدث في الجزائر الآن. تنهار صلابة المشهد تحت خطوات الحشود الماضية ضد ترشح جديد للمناضل القديم، الرئيس صاحب الصحة المعتلة بشدة عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة. يَمضون ضد ما يرونه دولة عميقة رسخت لممارسات الأنظمة الشائخة الرخوة حيناً والقامعة أحياناً. وتنضم إليهم جميلة بو حيرد ليثور المداد مرة ثالثة معها وعليها. فالصورة بالتأكيد تدفئ أفئدة المتأملين والآملين في ثورة في الجزائر تبدأ بالانتفاضة الشعبية وتنتهي بخلع النظام وبطانته. لكن ذات الصورة تثير حفيظة من ثاروا عليها سابقاً لما يعتبرونه السير على خطين متوازيين لا ينبغي لهما أن يلتقيا.

في بلا قيود أقدم حلقتين خاصتين عما يجري في الجزائر. أبدأ بالمعارضة التقليدية التي هالتها الاحتجاجات كما هالت النظامَ الحاكم، ممثلة في عبدالقادر بن قرينة رئيس حركة البناء الوطني ومرشح انتخابات الرئاسة الجزائرية. ثم أُتبعُها بالموالاة للعهدة الخامسة ممثلة في بلقاسم ساحلي الأمين العام لحزب التحالف الوطني الجمهوري. أسأل الرجلين عن الدولة العميقة والعهدة الخامسة وطوفان الاحتجاج السلمي في الجزائر. وأي سيناريو ينتظر البلاد إذا لم يستجب الرئيس لمطالب المحتجين، بين ما يوصَف بفزاعة الإسلاميين والتسعينيات المخيفة، وسيناريو الفوضى، خلاقة كانت أو غير ذلك. كل يحتسب من حيث يقف.

بلا قيود الأحد – الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش على شاشة بي بي سي عربي.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
WhatsApp إنضم الى مجموعة الأرز الإخبارية