أوليفييه روا يتحدث عن عالم ما بعد 11 سبتمبر وماذا بقي من “صراع الحضارات”

للمشاركة

كيف تغيّر العالم خلال عقدين على أحداث 11 سبتمبر؟ بالنسبة إلى عالِم السياسة والمتخصص في الشؤون الإسلامية الفرنسي أوليفييه روا (72 عاماً)، لا يزال من المبكر الإجابة عن هذا السؤال. “علينا أن ننتظر 20 عاماً أخرى لكي نعرف”، يقول في حديثه مع بي بي سي نيوز عربي.

يحظى الأستاذ في المعهد الأوروبي الجامعي في فلورنسا بشهرة عربية واسعة، إذ ترجمت مؤلفاته إلى اللغة العربية ومنها “الإسلام والعلمانية”، و”عولمة الإسلام”، و”تجربة الإسلام السياسي”، و”الجهل المقدس”.

يكتب روا عن تحوّلات السياق الديني ما بعد طغيان القيم العلمانية على نظم الحكم السياسية في أوروبا، وتأثير العولمة على صعود التطرّف الديني كردة فعل على رفض القيم السائدة.

ولأنه من أبرز المنظرين لتهافت نظرية صراع الحضارات التي راجت بعد أحداث 11 أيلول، وغزو أفغانستان والعراق، كان من البديهي طلب الحديث معه بمناسبة الذكرى العشرين للهجوم على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك.

حدثنا أوليفييه روا من مدينة درو الفرنسية، خلال يوم كثيف بالمقابلات مع وسائل إعلامية أخرى. لا يبخل الرجل في إعطاء محاضرات ومقابلات. ولكن برنامجه ازدحم في الأسابيع الماضية، بعد التطورات الأخيرة في أفغانستان وسيطرة طالبان على كابل.

في الثمانينيات، أمضى روا سنوات طويلة في أفغانستان، خلال الحرب بين المقاتلين الأفغان والاتحاد السوفياتي، وعمل في آسيا الوسطى لسنوات، حيث درس طاجكستان وباكستان عن قرب. وشهد على كلّ التحولات التي عرفتها المنطقة، وها هو يشهد اليوم من جديد على انقلاب في المشهد العسكري والسياسي هناك.

بالنسبة لكثر، كانت الانقلابات الدينية من أبرز التحولات في المشهد العالمي بعد هجوم تنظيم القاعدة على قلب الحضارة الرأسمالية الغربية الحديثة. وبعد عودة طالبان إلى الحكم في أفغانستان اليوم، تطرح أسئلة كثيرة حول الدروس المستقاة من سنوات ما بعد 11 سبتمبر/ أيلول. هل كانت الحروب التي قادتها الولايات المتحدة باسم نشر القيم الغربية، من أجل لا شيء؟

الإجابات أدناه خضعت للتحرير بغرض الوضوح والاختصار.


بي بي سي نيوز عربي: أنت من أبرز المنظرين لعدم جدوى نظرية صراع الحضارات، هل ما زلت عند موقفك اليوم بعد مرور عقدين على 11 سبتمبر/ أيلول؟

أوليفييه روا: نعم، أجد أن الخلاصات حول ما يسمّى صراع الحضارات بعد هجمات 11 سبتمبر، لم تكن صالحة.

عندما وقعت الهجمات قبل عشرين سنة، خرجت أصوات تقول “إن المسلمون يتحدون قيمنا”. والمقصود بتلك القيم، القيم الليبرالية، مثل الديمقراطية، وحقوق المثليين، النسوية، وغيرها… ولكن ماذا رأينا بعد 16 عاماً من ذلك التاريخ؟ انتخاب الأمريكيين لدونالد ترامب رئيساً وفق برنامج مناهض للنسوية، ومناهض لحقوق المثليين، ولحقوق الأقليات.

لم تعد المسألة مسألة قيم غربية يُراد فرضها على عالم تقليدي يحتفظ بقيم رجعية.

ما نراه اليوم بدل “صراع الحضارات”، هو ما أسميه “صراع القيم” داخل كل المجتمعات.

لننظر مثلاً إلى ما يحدث في الولايات المتحدة، وأعني حرب الثقافات أو ما أسميه حرب القيم، إذ تتشكل منذ السبعينيات جبهة بيضاء مسيحية شعبوية قومية ضد زواج المثليين والأقليات والمهاجرين، وجبهة ليبرالية منفتحة.

بي بي سي نيوز عربي: في كتاب الجهل المقدس، تتحدث عن ذلك الشرخ القيمي، هل يمكن أن تشرحه لنا أكثر؟

أوليفييه روا: ما قصدته في “الجهل المقدس” أن المؤمن في العالم اليوم يجد نفسه أمام خيارات صعبة، لأن إيمانه لم يعد متصلاً بالقيم السائدة في المجتمع.

على سبيل المثال إن أردنا أن نتناول مسألة الميول الجنسية، نلاحظ أنه حتى عقد الستينيات في أوروبا، كان المجتمع العلماني يتشارك القيم ذاتها مع الأديان، في ما يخصّ المثلية والعائلة والجنس. كان القانون الفرنسي على سبيل المثال يجرم المثلية، ويعطي أهمية للزواج وللإنجاب في أطر شرعية…

الآن أخذت المجتمعات عموماً وجهات أكثر ليبرالية، ولكن على المقلب الديني، لم تتغير الأمور.

الجهل المقدس هو حين يرفض المؤمن الاعتراف بالثقافة السائدة، ويقول سأعيد تركيب حياتي وفق القيم الدينية فقط، ومن أمثال هؤلاء الكاثوليكي الأصولي، والسلفي، واليهودي الأرثوذكسي، الذين يرون أن الثقافة السائدة ليست فاسدة فحسب، لا بل وثنية أيضاً.

بي بي سي نيوز عربي: في كتاباتك تتحدث عن فشل الإسلام السياسي كمشروع، ولكن طالبان تعود إلى الحكم اليوم. هل ما زلت عند رأيك؟

أوليفييه روا: بالطبع فشل الإسلام السياسي كمشروع إدارة للسلطة والمجتمع عبر دولة إسلامية. مثال على ذلك “الإخوان المسلمون” الذين فشلوا سواء بسبب القمع، أو بسبب خسارة قاعدتهم الشعبية، أو كما حدث في تونس، حيث فقدوا قدرتهم على جذب الشرائح الرافضة في المجتمع، مع دخولهم في لعبة الديمقراطية.

ولكن بموازاة فشل الإسلام كمشروع سياسي، ظهرت لدينا الأصولية الجديدة والأسلمة الثقافية للمجتمع خارج أي نموذج سياسي، من خلال إعادة تدوير الأسلمة على يد الحكومات الاستبدادية العربية.

إن عدنا إلى سنوات التسعينيات، سنجد أن الإسلاميين كانوا من يطبق الحسبة، ويلاحقون المثليين، وينادون بتطليق الخارجين عن الإسلام. والآن من يفعل ذلك؟ المحاكم التابعة للدول.

فرضيتي أننا بعد حقبة ما بعد الإسلام السياسي في التسعينيات، انتقلنا الآن إلى ما يمكن وصفه بحقبة ما بعد السلفية. النموذج السلفي يلفظ أنفاسه الأخيرة، وهناك تنويع للحقل الديني.

في التسعينيات كان السلفي هو المسلم الجيد، ويعطي دروساً للجميع. نشهد الآن عودة الصوفية في مصر والمغرب وحتى تركيا، وفي المغرب هناك أشخاص لا يترددون في إعلان إفطارهم علناً خلال شهر رمضان.

طرحت حركات الربيع العربي فكرة تحقيق المواطنة غير المشروطة بالانتماء الديني. لدينا الآن جيل أكثر تسامحاً، وأقل تشدداً حول الموضوع الهوياتي من الأجيال السابقة، والمشكلة الوحيدة هي إيجاد نموذج سياسي مناسب.

أمل الديمقراطية بعد الربيع العربي فشل، لكن الثقافة السياسية للشباب تغيرت وأصبحت أكثر تسامحاً.

بي بي سي نيوز عربي: عن أي تسامح نتحدّث في ظل التوتر السياسي والهوياتي الواضح بين الشيعة والسنة على سبيل المثال؟

أوليفييه روا: المشكلة هنا، أن هذه الاختلافات الدينية خاضعة لاستراتيجيات الدول التي تسعى للسيطرة الإقليمية، من خلال أخذ المسألة الدينية ومسألة الأقليات رهينة. أعتقد أن الحل قد يكون عبر منح الاستقلالية للديني. بمعنى أن يتواصل القادة الدينيون مع بعضهم البعض من دون المرور بالدول.

هذا ما يجعل زيارة البابا إلى العراق مهمة، لأنه التقى بشخصيات دينية لإجراء حوارات دينية. كان لذلك وقع إيجابي، بعد لقائه المرجع آية الله علي السيستاني، وقبله شيخ الأزهر الإمام أحمد الطيب. لن تظهر نتيجة ذلك على المدى القصير، ولكن ستتضح أكثر على المدى الطويل.

بي بي سي نيوز عربي: سادت فكرة دينية بعد 11 سبتمبر أن الهجوم كان من علامات القيامة. وكذلك تجددت خطابات نهاية الزمان لدى جماعات مثل داعش في السنوات الأخيرة. تقول إن العلمنة والعولمة أسهمتا في تأجيج أفكار نهاية الزمان عند بعض المتدينين، كيف ذلك؟

هناك فكرة لدى بعض الجماعات الدينية أن العالم يتجه إلى نهايته، وأن العلمنة دليل على أن نهاية الزمان والقيامة باتت قريبة. تجدين ذلك لدى السلفيين والكاثوليك الأصوليين، وخصوصاً لدى الإنجيليين المهتمين جداً بعودة المسيح الثانية ونهاية العالم.

التفاوت بين الديني والثقافي الذي يعيشه بعض المؤمنين، يخلق تأثيراً مخيفاً ومقلقاً بالنسبة لهم، ويخلق انطباعاً يشبه ما يرد في سفر رؤيا يوحنا حول عودة بابل، أي طغيان المجتمع الفاسد وعودة الأصنام. ذلك لا يخلق خوفاً من القيامة فحسب، بل رغبة بها.

تسود الآن لدى بعض الجماعات المتطرفة فكرة أننا لم نعد قادرين على أي إصلاح في العالم الحالي، ما يمثل نهاية اليوتوبيا بالنسبة للمتدينين.

يدرك المتطرفون في العمق أن الدولة الإسلامية لا تملك مقومات الحياة. لذلك يبحثون عن الشهادة لأنهم متشائمون من النصر. نرى ذلك لدى الشباب الذين يلتحقون بداعش، فهم لا يفعلون أي شيء يظهر اهتمامهم ببناء دولة إسلامية، بل يلتحقون بالتنظيم للقتال والموت فقط.

بي بي سي نيوز عربي: هل تعتقد أن بعض حركات اليمين المتطرف لديها تقاطعات مع حركات مثل داعش؟

أوليفييه روا: بالنسبة للحركات اليمينية التي تروّج للعنف، نعم. فكرة أننا اقتربنا من نهاية العالم، وأننا بتنا قبل القيامة، فكرة منتشرة جداً.

بعض أفراد اليمين المتطرف يتبنون العنف الآن مثل بريفيك مرتكب هجمات عام 2011 في النرويج. يعتقد هؤلاء أننا مُنحنا الفرصة الأخيرة قبل نهاية العالم، ويجب حمل السلاح.

نلاحظ أيضاً ارتباطات مثيرة للفضول بين نموذج الإرهابي الإسلامي المتطرف، والذين ينفذون الهجمات الدامية في المدارس الأمريكية.

هناك تواز مثير للدهشة بين طريقة عمل الجهاديين وتصرفات الشباب العدميين الذين يهاجمون مدارسهم.

بي بي سي نيوز عربي: بالنظر لحديثك عن صراع القيم، هل تعتقد أن المجتمع الأوروبي العلماني، كما في النموذج الفرنسي مثلاً، لديه نفور من الدين بشكل عام، أم من الإسلام بشكل خاص؟

أوليفييه روا: بالنسبة لليمين التقليدي في أوروبا، القارة مسيحية، والإسلام جسم غريب.

ولكن ما نلاحظه أن من يريدون الحفاظ على “مسيحية” أوروبا، ليسوا مسيحيين، بمعنى أنهم لا يذهبون إلى القداس ولا يعيشون وفق تعاليم الكنيسة، وعلاقتهم بالمسيحية هوياتية وثقافية صرف.

ولكن إن أفرغنا الدين من الايمان وحولناه إلى موضوع ثقافي بحت، فإننا بذلك نقتل الدين. هذا ما يقوله لهم البابا، بالدعوة لمقاربة الدين من خلال الإيمان والحب.

على المقلب الآخر، إن نظرنا إلى اليسار، فهو مناهض للدين خصوصاً في فرنسا، إذ أنه تشكّل ضد الكنيسة بالأساس. ووفق هذه الرؤية اليسارية، الإسلام هو آخر تجسيد للدين، ويجب الانتصار عليه.

بعد حادثة شارلي إيبدو، بدا وكأن هناك معركة لحماية الحق بالتجديف من الإسلام، ولكن الكنيسة الكاثوليكية أيضاً ضد التجديف.

منذ أن أصبحت شارلي إيبدو رمزاً للمعركة ضد الأصولية الإسلامية، تحولت “روحية شارلي” إلى خطاب رسمي في فرنسا، وكأنه يجب علينا جميعاً أن نكون شارلي، لكن الكنيسة ليست شارلي، ولا يمكنها ان تقبل التجديف أو السخرية من الرموز الدينية.


للمشاركة


بي بي سي
إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولة عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com