Home » bbc » في مقام التخلّي

المتمعن في رحى الحرب الطاحنة لسوريا الوطن والمواطن.. يرى رؤي العين كابوس مابعد الحرب…

ثمان سنوات عملْتُ فيها ودققتُ في مَشاهد سوريا ذات الأبعاد الأربع. فالعسكري بُعدٌ قريب، ليس بحاجة لتدقيق النظر جداً وإنْ أثار كل خلية تفكر في العقل الدارس للحرب.. أتون دمار شهده الجميع كحمم اللافا يخلط الحابل بالنابل ويطهو سوريا طهيا. اختلفت الأسماء ودارت الدوائر وتناوب الممولون. والأسباب تعددت لكن الموت واحد.

السياسي كبُعد يستدعي قدْرا ليس باليسير من الفكر.. فأين حدود الثورة ومتى بدأ الاقتتال؟ من له مصلحة في كل دورة؟ من استفاد؟ ولمن؟ لذاته أم لشبح آخر بعيد.. أو قريب يدير رُحاها ويجني المغانم؟

الدبلوماسي أكثر الأبعاد خجلاً.. فشخوصُه لم تكن فاعلة… ولم تحدث أثراً.. اللهم إلا عند كل باب اعتقدنا أنه الأخير قبل تسوية.. ويا إلهي كم اعتقدنا.. ويا إلهي كم كنا مخطئين!

أما الوكالة.. وكالة الحرب من الخارج، فهي بُعد الأبعاد.. جامعة كاشفة.. بعد هذه السنوات، شهدنا موازين القوى تتبدل وتتآلف ثم تتنافر وتحترب. تارة تسلح قوة عظمى فصيلا أو فصائل، تارة تجفف عليهم المدد، تارة تتدخل قوة أخرى بنفسها وتقلب الموازين، تارة تستخدم هذه القوة أو تلك الأخرى وكلاء أقرب وأفهم، وأعمق تأثيرا.. تارة يتدخل الوكيل القريب وتارة يتمنّع.. وفي كل عطفة وروحة وأوبة، مدنٌ تحاصر ومدنيون يجوعون وأطفال يشردون ونازحون في الخراب ولاجئون في البحر..

هذه سوريا التي سافرتُها قبل الحرب وفي خضمها.. لا أنسى وصولي إلى أضنة على فوهة انفجار وقع قبل ساعات.. اختلطتْ في رأسي الأفكار برائحة البارود الذي لم يكن دخانه تلاشى بعد.. يا إلهي كم من رفيع هذا الخط الفاصل.. قدمي في تركيا والأخرى في سوريا.. وعشرون ضابطاً أصابعهم تتأهب لإطلاق النار لو بدر منا ما يُثير.. كنا فريقا ليس بالكبير.. للتو جالت بعقلي الملتهب دائما مشاهد لم أعشها إلا على صفحات الكتب المهترئة في دار الكتب حين كنت لازلت في مصر… أضنة.. شمال سوريا العثمانية.. اتفاقية أنقرة.. العام الأول من العقد الثاني من القرن العشرين.. ترحل أضنة بالحد المفتعل من سوريا إلى تركيا.. كيف لتاريخ أن يُطمس بجرة قلم في محبرة على هذا النحو.. فرنسا والحكومة القومية التركية تتفقان على اقتطاع أضنة ضمن الصناجق الشمالية من سوريا ولصقها في تركيا في مقابل اعتراف تركيا بالانتداب الفرنسي على سوريا. يتبنى الحلفاء في الحرب العظمى الاتفاق.. العام بعد الاتفاقية الأولى بعامين اثنين.. والاسم الجديد للمعاهدة لوزان.. خط جديد يُرسم بين تركيا من جهة والحليفتين بريطانيا وفرنسا من الأخرى.. وسوريا، كيفما اتُفق في بين البين.

سنوات كثيرة مرت منذ حاورت ضيفا من القامشلي للمرة الأولى.. لم يكن بشار الأسد بعدُ رئيساً. كان ناشطاً سياسياً كردياً مَن حاورتُ.. وكان الالتهاب في الشمال وصل حد المواجهة.. قرأتُ بعدها وعملت كثيراً على ما يسميه الكورد “مَظلمة الشمال السوري” و”المشروع الكردي في سوريا”، حتى أتى ذلك اليوم في عام 2012 في عين الحرب على طرف الفوهة.. رأيت التاريخ بعينيّ رأسي.. وكأن طبقات الأرض المكشوفة أمامي روايا مختلفة للحكاية نفسها..

سألت نفسي السؤال نفسَه مئات المرات: من يتخلى عن هذه الأرض؟ ألهذه الدرجة تجبر الحرب المرء على ما يكره كرهَ التحريم؟ ترى أكم من حلفاء تخلوا عن أصدقائهم هاهنا على سبيل المصلحة؟ أكم من دماء سالت هنا من أجل فكرة؟ أو حلم؟ أو قضية؟ درستُ قضايا سوريا كلها تقريبا وأصبحتُ من المختصات.. لكن أسئلة كثيرة لم تجد طريق الحل إلى رأسي.

سألت السؤال لكل طرف ولكل مسؤول تقريبا خلال سنواتٍ ثماني.. فيمن تثقون؟ ومن يعول عليكم؟ ومن تخلى عنكم وتخليتم عن من؟ لرموز النظام، لرموز المعارضة بضفتيها السياسية على اختلاف منصاتها والمسلحة على اختلاف مشاربها وأهوائها ومموليها. سألت المفكرين والباحثين والفاعلين..

هذه المرة .. القضية هي التخلي.. أو هكذا يبدو.. حليف الأكراد في الشمال السوري بالقرب من الفوهة ذاتها.. الحليف الأمريكي يعلن المغادرة.. تتطاير الرؤى من هنا ومن هناك كالشظايا الطائشة: سلّم الأمريكان الأكراد لتركيا. حذر الأمريكان الأكراد من بشار الأسد وروسيا. لا بل إنه اتفاق بين واشنطن وموسكو… لا أحد يعلم على وجه اليقين إن كان الأمر خطة أو مفاضلة أمريكية بين حليفين: الكردي والتركي أو بالفعل سيخلع التاريخ على دونالد ترامب لقب قائم مقام التخلي.

بلا قيود هذا الأسبوع مع ألدار خليل القيادي في حركة المجتمع الديمقراطي في شمال سوريا، واجهته بحواري سابقا مع صالح مسلم، الرئيس السابق لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري قبل نحو العام، ثم بحوار سبق حواري مع خليل بيوم واحد في العالم هذا المساء مع إلهام أحمد – الرئيس المشاركة للهيئة التنفيذية لمجلس سوريا الديمقراطية. تعددت الإجابات والسؤال واحد: ماذا أنتم فاعلون في مقام التخلّي؟

بلا قيود مع رشا قنديل الأحد – الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش على شاشة بي بي سي عربي

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
WhatsApp إنضم الى مجموعة الأرز الإخبارية