أولمبياد طوكيو 2020: البطلة البريطانية التي تغلبت على شكوكها بقدراتها لتقترب من الذهب الأولمبي

للمشاركة

كاتارينا جونسون - طومسون

Getty Images

في سن العاشرة، ظهرت موهبة كاترينا جونسون-طومسون في الوثب العالي؛ كانت طويلة ورشيقة وحطمت الرقم القياسي المدرسي في محاولتها الأولى.

كانت والدتها، تريسي، تفضل أن تصبح ابنتها راقصة، ومع ذلك رافقتها على مضض في رحلاتها عبر ضواحي جنوبي ليفربول.

كانت جلسة تدريب الوثب العالي تستمر 60 دقيقة وهو ما يعادل تقريبا الزمن اللازم للوصول إلى مكان التدريب. كان الأمر متعباً.

لم تدرك كاترينا وتريسي ذلك في ذلك الوقت، إذ أن رحلة الحافلة تلك كانت مجرد بداية رحلة أطول.

بعمر الثالثة عشرة، استقلت قطارا إلى مدينة ستوك الإنجليزية للمشاركة بأول بطولة وطنية لها، وعندما بلغت سن التاسعة عشرة، كانت تعتلي بدلا من تلك الحافلة موجة من المشاعر الوطنية؛ إذ بدت وكأنها وريثة البطلة جيسيكا إنيس هيل في أولمبياد لندن 2012.

لقد كان ذلك صعوداً حاداً وسريعاً في مسيرتها الرياضية.

قالت كاترينا جونسون-طومسون للصحفي في بي بي سي سبورت، مايك هانسون : “كنت من أوائل الرياضيين في المضمار؛ فالسباق السباعي (الذي يتضمن الحواجز العالية والوثب العالي ورمي الكرة الحديدية ثم 200م جري، والوثب الطويل ورمي الرمح ثم 800م جري) كان في اليوم الأول. كنت معتادة على التنافس مع 40 شخصاً سابقاً أما الآن فقد كنت أمام ثمانين ألف شخص يهتفون لفريق بريطانيا. كنت أرجف في الواقع لأنني كنت متحمسة للغاية. كنت مفعمة بالحياة ولم يكن هناك أي توقعات بتحقيقي نتائج لافتة”.

لكن كل ذلك تغير. تباطأت وتيرة التقدم إلى ما يقرب من الحالة الطبيعية، أما الضجة المرافقة لها والتوقعات فلم تخفت.

تتذكر كاترينا: “عندما أخذت جيسيكا إجازة طويلة لإنجاب طفلها الأول، كان الجميع لا يزال يتابع الحدث لكن النجمة لم تكن موجودة. شعرت أنه ينبغي عليّ التدخل لملء الفراغ”.

“لا أعتقد أنني مررت بمرحلة انتقالية. وجدت نفسي على حين غرة في الجانب العميق مباشرة (دون تمهيد) وأعتقد أنني لم أتمكن من التعامل مع ذاك الظرف تحديدا في عامي 2015 و 2016 على وجه الخصوص”.

في بطولة العالم في بكين عام 2015، أخطأت كاترينا في كل قفزاتها الطويلة الثلاث، مبددة أي أمل في الحصول على ميدالية. وبعد خيبة الأمل هذه، غيرت شاشة التوقف الخاصة بهاتفها وجعلتها لقطة لقدمها وهي تبتعد عن خط القفز – كانت الصورة تذكيرا يوميا لها لتحفز نفسها على التطور.

بعد عام على تلك الحادثة، وصلت إلى دورة الألعاب الأولمبية في مدينة ريو وهي منهكة القوى عقليا وجسديا؛ إذ زادت عمليتا جراحة خضعت لهما شكوكها بنفسها وبقدراتها وحلت في المركز السادس.

وتقول: “كنت إذا قمت برمية سيئة أتساءل عما كان يقوله المعلقون عني. كنت أقول لنفسي هم حتما يمزقونني بتعليقاتهم. كنت أتحدث مع نفسي بهذا الصوت السلبي السام جدا عندما كنت أخوض المنافسات”.

“كنت أتوهم أن كثيرين كانوا يقولون عني مثل هذه الأشياء، حتى أني وصلت إلى درجة الشك بنفسي وقلت: هل أنا فعلا رياضية سباعية؟ توقفت الأمور بمكانها. كان لابد وأن يتغير شيء ما”.

كان هناك خيار مضمون وهو البقاء في بلدها، على بعد عشر دقائق من أمها تريسي، والبقاء مع المدرب ذاته الذي كانت تعمل معه منذ أن كانت في الخامسة عشرة من عمرها. وربما كان بإمكانها التخصص في الوثب العالي وبذلك تعود إلى مرحلة البداية مجددا.

أما الخيار الآخر فكان الذهاب نحو المجهول.

تعترف كاترينا أنها “بيتوتية – أو طائر بيتي” أما أمها تريسي فكانت قد طارت خارج العش مبكرا منذ أن كانت مراهقة؛ إذ غادرت إنجلترا وحيدة في أوائل الثمانينيات نحو باريس بحثا عن عمل في ملهى مولان روج الليلي الشهير.

تقول كاترينا: “كانت أمي فنانة استعراضية، وراقصة في فرقة فرنسية. سافرت حول العالم منذ صغرها. ولم يكن الأمر كما هو الآن حيث يمكنك البقاء على اتصال مع الناس. غادرت المنزل وكان عليها في ذلك الوقت كتابة رسائل إلى مربيتي”.

في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2016، سارت الشابة على خطى أمها حازمة حقائبها وذهبت إلى فرنسا لأنها شعرت أن أحلامها لا يمكن أن تتحقق في بلدها.

استأجرت شقة صغيرة في مونبلييه، في أقصى جنوب البلاد وألتقت بالمدرب جان إيف كوشاند. وغير المدرب طرق تدريبها وتقنيتها تماما.

لكن الأهم من كل ذلك كانت قدرته هو ومدربين آخرين على تغيير طريقة تفكيرها.

كشف كوشاند لكاترينا أنه أطلق عليها لقب “متخاذلة” بسبب سلوكها في المنافسة. وكان يجب أن يتغير ذاك السلوك.

لم تكن كاترينا تتكلم الفرنسية، لكنها سرعان ما أدركت معنى كلمة “C’est la vie – هكذا هي الحياة”.

تقول كاترينا “برتراند هو مدربي الآن. إنه يشعر بالبهجة في التنافس وهذا يعطيني الحماس. شريكي في التدريب كيفن ماير، لاعب عشاري فرنسي، لديه عقلية قوية. جاء إلى برلين للمشاركة في بطولة أمم أوروبا عام 2018 كبطل عالمي، لكنه ارتكب ثلاثة أخطاء في الوثب الطويل (نفس الخطأ الذي ارتكبته هي في بكين عام 2015). اقترب من الكاميرات وهز كتفيه وقال: هكذا هي الرياضة. أردت أن أقدم أفضل أداء لي في ذلك اليوم وهذه الأشياء تحدث”.

“وبعد شهرين خرج وحطم الرقم القياسي العالمي في العشاري ونسي الأمر. “بينما أنا تواريت وذهبت إلى فندق أمي وبقيت أبكي طوال الليل. كنت أعاقب نفسي على ذلك طوال الوقت. حتى أنني في عامي 2018 أو 2019 كنت كلما وثبت كنت أفكر في ذلك الذي حصل. كنت أعلم أن مغادرة ليفربول أمر ضروري لي – كما حصل لأمي – من أجل الوصول إلى حيث أردت الوصول”.

وعندما وصلت إلى بطولة العالم 2019 في الدوحة، لم تكن تشعر لا بالإثارة الهائلة كما كان حالها عام 2012 ولا بالعذاب والرهبة كما كانت عام 2016. تعلمت كاترينا تقبل نفسها كما هي.

وتقول: “كنت على استعداد للذهاب وكنت على استعداد للخسارة أيضا”.

“لم ترادوني أي آمال بالحصول على ميدالية لكنني كنت أعرف أنني في حالة جيدة لأحقق نتيجة جيدة، وكنت أعلم أنني سأفعل ذلك بغض النظر عما يحققه الآخرون”.

حصدت كاترينا في الدوحة بطولة العالم.

وتقول: “كانت مشاعري الطاغية هي الارتياح، حصلت على هذا الآن وإذا فشلت في كل شيء آخر، فأكون قد حصلت على هذا. لطالما لم أصدق نفسي وكنت أصدق آراء الآخرين”.

بدا الطريق إلى طوكيو من هناك سلسا ومستقيما. كان من المقرر أن يبدأ سباق السباعي الأولمبي بعد عشرة أشهر ويوم من فوزها بالميدالية الذهبية العالمية.

لكن بعد ذلك … حدث ما حدث. تسبب الوباء العالمي بإيقاف دورة الألعاب عاما كاملا.

وفي أواخر كانون الأول/ديسمبر 2020، أصيبت كاترينا بتمزق في وتر العرقوب. والأسوأ أن الإصابة كانت في قدمها التي تقفز عليها وتعتمد عليها تماما عندما تتنافس في الوثب الطويل والوثب العالي.

كادت الإصابة أن تغير مسارها حياتها تماما. وتقول: “تحطمت وكان من الممكن أن أمضي بأحد المسارين وسعدت لأن الأمور سارت في أفضل اتجاه بالنسبة لي. كان طريقا طويلا وصعبا، لكنني سعيد لأنني في الطرف الآخر منه الآن”.

غيرت كاترينا شاشة توقف هاتفها مجددا لمساعدتها في إيجاد طريقها.

إنها صورة لفريق ليفربول لكرة القدم، فريقها، وهو يحتفل بعد أن حقق الفوز على نادي برشلونة.

وتقول: “فريق ليفربول ملهم جدا بالنسبة لي، يعلمني أنه بالإمكان العودة من جديد والانطلاق مجددا”.

اليوم تصل إلى الأولمبياد وهي غير مهيأة كما يجب، ومن المحتمل أيضا أنه ينظر إليها بشيء من الاستخفاف. هذه الرحلة السحرية الغامضة التي بدأتها من ضواحي مدينتها ليفربول يمكن أن تنتهي بها في قمة منصة التتويج في ستاد طوكيو هذا الصيف.


للمشاركة
بي بي سي
إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولة عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com