البابا فرنسيس في الموصل: عن راهب ومؤرخ انتظراه طويلاً

للمشاركة

حين صلّى البابا في ساحة حوش البيعة في الموصل الأحد، كان هناك رجلان لم تسعمها الأرض من شدة الفرحة: الراهب الفرنسي أوليفييه بوكيون المقيم في العراق، والمؤرخ العراقي ابن الموصل عمر محمد المقيم في فرنسا.

يشرف الراهب على أعمال إعادة ترميم كنيسة الساعة في الموصل، والمؤرخ هو “الرجل الخفي” خلف حساب “عين الموصل” الشهير، الذي نقل أخبار المدينة خلال سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية عليها، من الداخل.

قبل مدة، نظّم عمر محمد لقاءً مع شباب الموصل في أحد مساجد المدينة، ودعا بوكيون للمشاركة. يومها، اقترب أحد تلامذة المدارس الحاضرين من رجل الدين، وقال له: “أعتقد أنّك أول مسيحي أراه في حياتي”.

أجاب الراهب: “بالطبع رأيت مسيحيين في حياتك، لكنهم يرتدون ملابس مثلك، وليس ثوب رهبان مثلي”. عندها تقدّم تلميذ آخر، وقال له: “هل الرهبان شخصيات حقيقية؟ سمعت عنهم في القرآن، لكني اعتقدت أنهم مثل الجنّ، لا يظهرون”.

يروي الراهب هذه القصة لـ”بي بي سي” عبر الهاتف من الموصل، ليخبرنا أن هناك جيلاً كاملاً من شباب المدينة، لم يشهدوا الحياة المشتركة التي كانت تضجّ في أحيائها عبر السنين، قبل تهجير جزء كبير من سكانها على دفعات، كانت أشدها بعد عام 2014 عند سيطرة داعش على المدينة، وإعلانها “عاصمة لدولته”.

ويقول إنّ “الموصل كانت على مدى قرون جسراً يجمع الثقافات، ومن المدن القليلة خلال عهد الدولة العثمانية حيث يعيش أتباع الطوائف كلها في أحياء مختلطة، ولم يكن هناك حي للمسلمين وآخر للمسيحيين أو اليهود”.

خلال السنوات الماضية، “خسرت الموصل مسيحييها”، كما يقول الراهب الذي يعتقد أنّه من حقّ الجيل العراقي الصغير في السنّ أن يستعيد ذلك بالتنوّع.

تردّد صدى هذا الهاجس في الكلمة التي ألقاها البابا فرنسيس الأحد، في ساحة حوش البيعة في الموصل، بين ركام ما بقي من كنائس ومساجد أثرية، كانت شاهدة على تاريخ المدينة.

وقال البابا إنّ التناقص المأساوي في أعداد المسيحيين، “ضررٌ جسيمٌ لا يمكن تقديره، ليس فقط للأشخاص والجماعات المعنيّة، بل للمجتمع نفسه الذي تركوه وراءهم. في الواقع، يضعف النسيج الثقافيّ والدينيّ الغنيّ بالتنوّع بفقدان أي من أعضائه، مهما كان في الظاهر صغيراً”.

يشرف الراهب أوليفييه بوكيون، مع آخرين، على إعادة ترميم دير رهبان الدومينكان في مدينة الموصل، وكنيسة الساعة، ضمن مشروع “إحياء روح الموصل” الذي يشمل أيضاً ترميم جامع النوري الكبير، ومئذنته التاريخية (المطبوعة على العملة العراقية)، وكنيسة الطاهرة السريانية القديمة.

وكانت أودري أزورلي، المديرة العامة لليونسكو، قد أطلقت المبادرة في عام 2018، “كمشاركة من المنظمة في إحياء إحدى مدن العراق العريقة”.

وفي عام 2019، بعد توقيع البابا فرنسيس وثيقة الأخوة الإنسانية مع شيخ الأزهر أحمد الطيب في أبو ظبي، دخلت الإمارات شريكة في المشروع، ومساهمة في تمويله.

ويقول الأخ بوكيون: “من خلال إعمار الحجرة نحاول إعادة الثقة بين كافة أبناء المدينة. تضمّ الفرق العاملة في الترميم عراقيين من مختلف الطوائف. قبل أيام، سمعت عاملاً يدعى أحمد يقول لأحد المشرفين: “هل لأننا مسيحيون تعاملوننا بهذه الطريقة؟” بالطبع لم يغير دينه، ولكنه قالها لأنه يتماهى مع فريق العاملين معه، ويدافع عنهم”.

https://twitter.com/OPoquillon/status/1368174328152530944?s=20

المشروع بالنسبة لرهبنة الدومينكان طريقة لتوطيد العلاقات بين أبناء المجتمع الواحد ممن لا يعرفون بعضهم البعض، ولكن أيضاً، دفاع عما تراه إرثاً متجذراً لها في بلاد الرافدين.

تأسس دير الرهبان الدومينكان في القرن الثامن عشر، وكان له الفضل في بناء أول مدرسة للفتيات في البلاد، وافتتاح أول مطبعة.

خلال زيارة البابا للعراق، وثق الراهب بوكيون عبر حسابه على تويتر محطات الجولة، قبل وبعد وصوله، وخلال تواجده بين المصلين في ساحة حوش البيعة.

يخبرنا أنّ كمية الركام لا تزال كبيرة، وأنّ العمال أزالوا قبل بضعة أيام من زيارة البابا هياكل سيارات محطمة، كانت مطمورة تحت كومة الحجارة.

https://twitter.com/OPoquillon/status/1367424625559371777?s=20

يعرف الراهب العراق جيداً، إذ أنّه زاره وعاش فيه عام 2003، حين درّس في جامعة الموصل، ثمّ عاد إليه العام الماضي، للمشاركة في ترميم الدير.

ويقول: “قبل نحو عشرين عاماً، كانت الكنيسة تمتلئ بالمصلين كل أحد، الآن أعتقد أن عدد المسيحيين في الموصل كلها لا يزد عن خمسين عائلة”.

وهجرت العائلات بيوتها بين عامي 2014 و2017، ولم يعد إلا قلّة بعد دحر تنظيم داعش. “بعضهم عاد خلال الجائحة، لأنهم ما زالوا يملكون بيوتاً هنا، ولأن تكاليف المعيشة في كردستان المجاورة تفوق طاقتهم”.

ورغم الدمار، يرى المؤرخ العراق عمر محمد، صاحب مدونة “عين الموصل”، إنّ زيارة البابا “مناسبة كي يرى العالم مدينة الموصل بكل دمارها، ربما يسهم ذلك في تحفيز الإعمار”.

يقيم عمر محمد الآن في فرنسا، ولكنه كان يعيش في الموصل خلال سنوات سيطرة داعش عليها، ومنها أطلق مدونته التي كانت تنقل الأحداث في المدينة إلى العالم.

وأبقى اسمه مجهولاً لسنوات خوفاً من تبعات نشاطه الإعلامي، والآن، بات يعمل مع فريق من الصحفيين المحليين الذي وثقوا لحظة بلحظة التحضيرات لزيارة البابا، ومحطاتها.

وتربط المؤرخ والراهب صداقة على تويتر، وخلال يوميات الزيارة، كانا يتبادلان الصور والتغريدات بكثافة، وكلاهما لم يكن قادراً على لجم فرحته بمشهد انتظراه طويلاً.

يقول عمر محمد لـ”بي بي سي”: “كتبت رسالة للبابا في عام 2016، طالباً مساعدته في حماية الموصل، وذلك لأن العلاقة بين الموصل والكرسي الرسولي قديمة. مثلاً، خلال الحرب العالمية الأولى أرسل البابا مساعدات إلى أهل المدينة”.

برأيه، فإنّ زيارة البابا تأكيد من “أعلى سلطة كنسية على أهمية الوجود المسيحي في الموصل والعراق، لأن المسيحية فيه تعود للقرن الأول، وليست وليدة عهود حديثة. الكنائس التاريخية في الموصل مطمورة تحت الكنائس الحالية، ومنها كنيسة مار توما، ودير الربان هرمزد، وكنيسة مار إيليا، وكلها تعود لقرون المسيحية الأولى”.

ويضيف أنّ الأمر ليس له علاقة بالأبنية فقط، بل بكون الموصل شكلت نواة لانطلاق المسيحية الى المنطقة المحيطة وصولاً إلى إيران، وكان له دور في تشكل اللاهوت المسيحي على مرّ العصور.


للمشاركة
إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولة عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com