البابا يزور السيستاني: لقاء “القمة” بين الكاثوليك والشيعة

للمشاركة

“حول التحديات الكبيرة التي تواجهها الإنسانية في هذا العصر ودور الايمان بالله وبرسالاته والالتزام بالقيم الأخلاقية السامية في التغلب عليها”، دار الحديث بين البابا فرنسيس وآية الله علي السيستاني، بحسب بيان صدر عن مكتب الأخير.

شكل اللقاء “فرصة للبابا حتى يشكر آية الله لأنه رفع صوته، مع الطائفة الشيعية، إزاء العنف والصعوبات الكبيرة التي شهدتها السنوات الأخيرة، دفاعاً عن الضعفاء والمضطهدين”، بحسب المكتب الصحافي للكرسي الرسولي، في بيان صدر بعد اللقاء.

كان اللقاء الذي احتضنته النجف صباح السبت، في اليوم الثاني لزيارة فرنسيس إلى العراق، تاريخياً، كونه اللقاء الأول على الإطلاق، بين بابا الكنيسة الكاثوليكية، والمرجعية العظمى للشيعة في العراق.

https://twitter.com/HassanNadhem/status/1368116358576304128?s=20

استقبل آية الله البابا في بيته، بحضور عدد من الشخصيات الكنسية العراقية.

كانت الزيارة مناسبة نادرة لظهور المرجع الشيعي في الإعلام، هو الذي لم يغادر بيته في العقدين الماضيين، إلا مرات معدودة.

بالرغم من عزلته، يعدّ السيستاني من أكثر الشخصيات تأثيراً في تاريخ العراق الحديث، على الصعد السياسية والدينية والاجتماعية.

وصحيح أنّ المرجع المولود في مدينة مشهد الإيرانية عام 1930 لم يتخلّ عن جنسيته الإيرانية بعد، إلا أنّ كثراً يرون فيه تمثيلاً حياً لـ”أصالة الإسلام الشيعي بشقه العراقي”.

فإلى جانب دوره السياسي في تحفيز العراقيين على المشاركة في انتخابات عام 2005، ودور الفتوى التي أطلقها “لحمل السلاح” عام 2014 في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، يلعب الرجل دوراً مهماً في حفظ إرث الإسلام الشيعي التقليدي، كما يرى العارفون بإرث المذهب.

كذلك تمثّل آراؤه الفقهية ورسائله وفتاويه عنصراً محورياً في نظم حياة الشيعة العرب، في لبنان، والعراق، وغيرهما.

ما رمزية الزيارة؟

حظي حيدر الخوئي، مدير العلاقات الخارجية في دار العلم للإمام الخوئي، بفرصة لقاء البابا والمرجع شخصياً، ويقول إنّ الرجلين “لا يتفقان فقط على إعلاء قيم السلام والتسامح والاعتدال، بل أيضاً تجمعهما سمات بارزة في شخصيتيهما، أبرزها التقوى، والتواضع، والزهد”.

ويلفت الخوئي، وهو حفيد المرجع الراحل أبو القاسم الخوئي (1899-1992)، إلى أنّ زيارة الحبر الأعظم للسيستاني، “ليست زيارة للشخص فحسب، بل هي زيارة للمؤسسة النجف بما تمثله من حارسة للإسلام الشيعي الأرثوذكسي، في مقابل الإسلام الشيعي الثوري الممثل بمرجعية إيران”.

ويلفت حيدر الخوئي لـ”بي بي سي” أنّ حوزة النجف قريبة في تركيبتها من تركيبة الكنيسة الكاثوليكية، لكونها أشبه بجامعة وكنيسة في آن، تقدّم دراسات تقليدية إسلامية في الفقه والتفسير وعلوم الكلام، وتوفر قيادة روحانية للشيعة، وتحتضن أيضاً مقاماتهم البارز”.

النجف بدل قم؟

يوضح الخوئي أنّ ما يميز النجف عن أيّ مؤسسة إسلامية أخرى، سواء لدى السنة أو الشيعة، هو “استقلالها المالي والسياسي عن أي حكومة. فالمرجع السيستاني هو مسؤول إسلامي ديني، وليس مسؤولا ًحكومياً، ولا صاحب منصب ديني تعيّنه فيه حكومة، وغير مرتبط بقرار قائد دولة”.

يجري التحضير للقاء بين البابا والسيستاني منذ سنوات، وقد تطلّب خلال الأشهر القليلة الماضية جهوداً حثيثة من قبل شخصيات كنسية عراقية، أبرزها كاردينال الكلدان الكاثوليك لويس روفائيل ساكو”.

ورغم خصوصية هذا اللقاء، إلا أنّه “لم ينشأ من الفراغ”، بحسب تعبير حيدر الخوئي، الذي يذكر بأنّ السيستاني “أرسل عام 2005 وفداً للتعزية في وفاة البابا يوحنا بولس الثاني، ولم يوفر مناسبة لاستنكار الهجوم على المسيحيين ومقدساتهم في العراق، كما أمر بتحويل دور ضيافة الزوار الشيعة في كربلاء إلى ملاجئ للمهجرين منهم”.

يرى بعض المحللين لزيارة البابا إلى السيستاني بأنّها محاولة لمركزة العلاقة مع مرجعية النجف، عوضاً عن مرجعية قم. لكن البابا فرنسيس سبق أن التقى بالرئيس الإيراني حسن روحاني عام 2016. الاختلاف هذه المرة أن اللقاء ليس سياسياً، بل روحانياً دينياً.

لقاء مع “الآخر”

تقول الباحثة الأمريكية في العلاقات الإسلامية المسيحية جوردان ديناري دافنر، إنّ البابا فرنسيس وضع “الحوار وتحسين العلاقات الإسلامية المسيحية نصب عينيه، كإحدى أولويات بابابويته، منذ الأيام الأولى لتوليه منصبه”.

توضح صاحبة كتاب “العثور على يسوع بين المسلمين” أنّ البابا فرنسيس التقى بشخصيات إسلامية حول العالم، من بنغلادش، مروراً بجمهورية افريقيا الوسطى، وصولاً إلى إيطاليا. “زيارته للسيستاني تعني أنّه قد التقى أخيراً المرجع الأعلى للإسلام الشيعي، بعدما سبق والتقى المرجع الأعلى للإسلام السني (شيخ الأزهر أحمد الطيب)”.

وتقول جوردان ديناري دافنر لـ “بي بي سي”، إنّ فرنسيس “بلقائه شخصيات إسلامية من مختلف المذاهب، يبعث برسالتين. الأولى للمسلمين، ليقول لهم أنه أخوهم، يحبهم، ويدعمهم. والثانية للكاثوليك، ليريهم ما يمكن للقاء محب عابر للأديان أن يكون، ومعنى أن تفتح يديك لـ”الآخر”.


للمشاركة
إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولة عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com