التحرش: شابات لم يلتقين من قبل يقدن حراكا ضد التحرش في الكويت

في أواخر أيام عام 2020، نشرت المؤثرة الكويتية الشهيرة، آسيا، مقطع فيديو على تطبيق سناب تشات؛ بدت فيه غاضبة جدا بسبب تعرضها – مجددا – للمضايقة أثناء ذهابها إلى مكان عملها، وطلبت من متابعاتها أن يرسلن لها قصصهن عن مواقف تحرش تعرضن لها – فانهالت القصص عليها طوال يومين.

لكن الأمر تجاوز مجرد التعبير عن حالة غضب، ووصل إلى عمل منظم ضد التحرش من قبل عدة نساء لم يكن يعرفن بعضهنّ، وحاليا يجري العمل للتقدّم بمقترحات عمليّة لمواجهة التحرش، وتبنّى عدد من نوّاب مجلس الأمة القضية.

فما الذي جرى حتى تطورت الأمور بهذه السرعة في الكويت؟

صار الشارع “متلفا للأعصاب”

كانت آسيا، ذات الـ31 عاما والحاصلة على شهادة في العلاقات الدولية وأخرى في علم السلوك الاجتماعي، تقود سيارتها متجهة نحو مكتبها عندما تتبعتها سيارة، وطلب الشاب من داخل السيارة رقمها، ثم حاول ضرب سيارتها، فقررت يومها فتح تطبيق سناب تشات والحديث عما جرى معها.

وتقول لبي بي سي عربي إن التحرش “يحدث يوميا” بالكويت وبأشكال متنوعة، حتى أصبح الذهاب اليومي للعمل أمرا “متلفا للأعصاب”: “صرت أتفادى الشوارع بسبب التحرش. الشعور بأنكِ غير قادرة أن تكوني مرتاحة في بلدك أمر مثير للغضب”.

بعد نشرها الفيديو، أمضت آسيا يومين وهي تقرأ القصص التي أرسلتها متابعاتها، وكلها عن اعتداءات تعرضن لها، وأخذت تنشرها على حسابها بعد إخفاء الأسماء.

صحيح أن آسيا لم تكن هي من أطلق حملة “لن أسكت”، لكنها حتما ساعدت على انتشارها؛ فعلى تطبيق إنستغرام وحده يتابع أكثر من مليونين ونصف شخص المدوّنة الكويتية-الأمريكية التي تنشر حول الجمال والموضة.

أما من أطلقت حملة “لن أسكت” يوم 28 ديسمبر/كانون الأول 2020، فهي شابة في الـ27 من عمرها، وكانت قد عادت إلى بلدها قبل أشهر قليلة بعد أن أمضت نحو سبع سنوات تدرس الطب في مالطا، واسمها شيماء شمو.

تقول شيماء لبي بي سي عربي: “بعد عودتي أردت أن أفعل شيئا ما للبلد ولم أكن أعرف ما هو. عندما رأيت فيديو آسيا وهي شخصية مشهورة جدا قررت أن أستفيد من هذه الفرصة لأتحدث عن هذا الموضوع قبل أن يخفت الضوء عنه”.

لذلك أمضت شيماء تلك الليلة، التي نشرت فيها آسيا الفيديو، وهي تعلّم نفسها استخدام برنامج فوتوشوب لتحضّر لإطلاق صفحة على إنستغرام تخصصها لجمع شهادات أشخاص في الكويت تعرضوا للتحرّش – وبدأت بنشر قصتها هي.

“أرسلتُ رابط الصحفة لمعارفي، وقبل أن أنام كان عدد المتابعين حوالي 100 شخص. ذهبت للنوم وفي الصباح التالي كان هناك أشبه بانفجار على الصفحة من كثرة عدد المتابعين”.

وخلال أقل من 20 يوما وصل عدد المتابعين إلى 12 ألفا.

https://www.instagram.com/p/CK4JL61s_xw/

فئات “غير قادرة على التبليغ”

لم يعد أمرا جديدا أن يبدأ حراك ضد التحرش في دول عربية من على منصات وسائل التواصل الاجتماعي؛ ففي الصيف الماضي مثلا، أنشأت شابة جامعية مصريّة صفحة على إنستغرام (دون أن تكشف عن هويتها حينها) لجمع شهادات ضد أحمد بسام زكي الذي اتهمته كثيرات بالتحرش بهن.

من هي المصرية نادين أشرف التي شجعت الناجيات من التحرش على الكلام؟

حكم بالسجن ضد أحمد بسام زكي في مصر بعد إدانته بالتحرش الجنسي

أما الحملة حاليا في الكويت فليست موجهة ضد شخص معين، وتحرص شيماء كثيرا على التأكد من حذف أية معلومة قد تشير إلى الشخص الذي أرسل الرسالة أو إلى الشخص المبّلَغ عنه – تفاديا للوقوع في مشاكل قانونية كالتشهير.

كما أنها لم تشعر بالقلق من الكشف عن هويتها كمديرة الحملة، فالخوف الأكبر هو على من يرسل القصص، كما تقول.

لذا، ومن أجل ضمان سلامة المبلّغين عن التحرش، تدير شيماء وحدها صفحة الحملة، وعند النشر تحذف كل ما قد يدل على هوية الأشخاص والأماكن، وتستخدم استمارة على موقع غوغل بدلا من إرسال رسائل مباشرة على إنسغرام تفاديا لاحتمال أي اختراق للصفحة قد يكشف بيانات المبلّغين. وحاليا، هي على تواصل مع محام وخبير تقني لزيادة أمان الصفحة.

كما أنها لا تدقق في مدى صحة الشهادات التي تستلمها كي لا تتسبب بإشكاليات أمنيّة.

تركز شيماء على ضرورة أن تكون الحملة شاملة لكل الموجودين في الكويت لكل تحقق هدفها – وكلمة الجميع تشمل طبعا الأجانب المقيمين على أرض الكويت.

وتوضّح أن القصص التي تصلها تكون بالعربية أو بالإنجليزية؛ من قبل رجال ونساء؛ كويتيين وأجانب؛ من أمهات وأيضا ممن هم تحت سن 18 – لكن تبقى هناك فئات بحاجة لإيصال ما تتعرض له لكنها غير قادرة.

تقول شيماء عن ذلك: “من المدهش كيف وصلنا لفئات كثيرة من المجتمع. لكننا لم نصل بعد للعاملات المنزليات وللأجانب الأقل تعليما. نحتاج للعمل أكثر لنصل لهم. نحتاج مترجمين عن اللغة الهندية وغيرها. كما أن هناك مشكلة ثانية في الوصول لمن يواجه مشاكل قانونية، هؤلاء صعب أن يتكلموا ليس فقط بسبب عائق الترجمة، بل بسبب وجود قضايا ضدهم في المحاكم؛ لذا لن يجرؤوا على الكلام عن التحرش لأسباب قانونية”.

حملة “غير نخبوية”هذه المرة

https://www.instagram.com/p/CKwp3PcMWjH/

يوم 9 فبراير، أُطلقت على إنستغرام حملة موازية اسمها “أمانة” ولكل من الحملتين هدف محدد.

فصفحة “لن أسكت” على إنستغرام هي مساحة لمشاركة القصص حول التحرش في الكويت، أما هدف صفحة “أمانة” فهو العمل على إيجاد حلول للمشكلة بأكثر من طريقة: قانونيا وتقنيا وثقافيا.

ولا يزال فريق عمل أمانة “مجهولا” إذ يفضّل فريقه إبقاء هوياتهم غير معلنة، لكن كلا من شيماء وآسيا تؤكد أن الفريق ليس نخبويا ولا يضم شخصيات معروفة، بل مكوّن من نشطاء قاعديين (Grassroots)، من الشباب والصبايا.

تشرح شيماء الحلول التي يعمل عليها فريق “أمانة”، وتبدأ بالجانب التقني، إذ يعمل فريق أمانة على تطوير تطبيق لتسهيل إيصال الشكاوي للجهات المعنية، خاصة بعد تفاعل عدد من نواب مجلس الأمة مع الموضوع.

كما تعمل “أمانة” مع فريق محاميين على مراجعة القانون الحالي لتحديد الثغرات الموجودة وتقديم مقترحات، كل هذا إلى جانب استمرار حملة التوعية من خلال السوشال ميديا “لتغيير تفكير المجتمع” بخصوص معنى التحرش.

وبسرعة لافتة أحدثت هذه الحملة ضجة في الكويت – وترى المحامية عائشة العبدلله، التي تعمل في محكمة الأسرة إنها “من أكثر الحملات التي أحدثت تفاعلا” في البلد، في حين أن حملات سابقة كانت “بلا تأثير حقيقي”.

وتقول إن فيديو سارة كان مهما لأنها كانت “جريئة وواضحة ومباشرة. تكلمت عن وعي بالقضية وقالت ما لم يقله أحد، وبلا لف أو دوران”.

وتضيف: “كان يُحكى عن التحرش بطريقة عشوائية، أما الآن فالعمل منظّم وفعّال، فأصبح الكل الآن يتكلم عن الموضوع. البنات تجرأن وشاركن قصصهن، كما صوّرت صحفية مواقف تحرش في الشوارع. فكسب الحراك ثقة الشعب”.

وغالبا ما يوصف الحراك في مجال حقوق المرأة في الكويت بأنه “نخبوي” ولا يصل إلى كل الفئات، لكن يبدو أن الأمر مختلف هذه المرة.

تعلّق المحامية عائشة قائلة “المشكلة الحقيقية هي أن من يتصدر الدفاع عن الحقوق لا يرى المجتمع كاملا”، وتذكر كمثال فئة النساء البدون المهمّشات.

“وباء كورونا ساعد على انطلاق الحراك”

نالت الحملة اهتمام الإعلام المحلي بشكل لافت، خاصة بعد أن أجرت الصحفية في جريدة القبس، بيبي الخضري، تحقيقا ميدانيا مصورا حول الموضوع نشرته يوم 9 فبراير/شباط ولقي صدى كبيرا في البلد، وشوهد أكثر من مليون مرة، وعوملت الصحفية كبطلة لجرأتها في طرح الموضوع بتلك الطريقة.

حتى أن نائبين في مجلس الأمة اتصلا بها لشكرها على عملها وسألاها عن رأيها بتجارب دول لمواجهة التحرش – فاقترحت تطبيقا مستخدما في السعودية.

ويوم 10 فبراير نشر نائب آخر هو عبدالعزيز طارق الصقعبي على صفحته على تويتر مقترحا تقدم به لتشديد قانون التحرش في البلد.

كما حصلت الحملة على دعم نجمات على سوشال ميديا أخذن يتحدثن عنها وينشرن التوعية حول موضوع التحرش.

https://www.instagram.com/p/CLW3FiHMT53/

تقول آسيا لبي بي سي: “هناك مجموعة عوامل اجتمعت فهيأت للحظة المناسبة لهذا الحراك. أول هذه العوامل هو وباء كورونا”.

وتوضّح ذلك: “كوفيد- 19 حجرنا جميعا داخل بلدنا؛ البقاء طيلة هذه الفترة في الداخل دون وجود إمكانية السفر أجبرنا على النظر إلى بلدنا بطريقة جديدة لأن هذا الأمر الوحيد المتاح أمامنا. نظرنا للبلد بعدسة مكبرة فوجدنا كل هذه الصدوع”.

وتدرك آسيا أن مطلب الحملة بوضع رادع للمتحرشين لن يكون مطلبا من الصعب على النوّاب الاستجابة له. “تغيير القانون المتعلق (بما يسمى) جرائم الشرف، مثلا، مطلب أصعب خاصة وأن الناس قد يقولون هذا لن يحدث في عائلتنا ولا يهمنا، كما أنه قد يتداخل مع التقاليد ويرتبط أحيانا بالدين لذا فهو أمر معقد جدا (..). أما مشكلة التحرش فمن السهل أن يشعر الجميع بقربها منهم”.

لماذا لم ينتخب الكويتيون أي امرأة لتدخل مجلس الأمة؟

MeToo في الكويت؟

رغم انفصالها عن السياق في هوليوود الذي أنتج حركة “ MeToo” عام 2017، التي بدأت بسلسلة اتهامات باعتداءات جنسية واغتصاب وجهتها ممثلات لمنتج الأفلام الشهير، واينستاين، الذي استغل نفوذه وسطوته، كتبت عدة منصات إعلامية عن حملة “لن أسكت” بعنوان “مي تو الكويت”.

لكن شيماء الشمو، التي أطلقت الحملة، لا يعجبها هذا الربط. “لا أحب أن نقارن بحملة ثانية ولا أريد أن يقال إننا جزء من حركة مي تو العالمية فلكل دولة سياق وثقافة خاصة بها. هذا الطرح استشراقي وغير منصف وهو الطرح الأسهل”.

وتضيف: “ومع ذلك لا ألومهم لأنهم يريدون أن يفهموا حراكنا من خلال شيء قريب من ثقافتهم. نحن لدينا الآن نموذجنا الخاص: نشطاء قاعديين (غير نخبويين) ومجموعتنا تضم أشخاصا محافظين ومتدينين وكل هذا جزء من خصوصيتا فنحن جميعا نعمل معا من أجل هدف واضح”.

إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولة عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com