مظاهرات العراق: ناشطات من الناصرية يتحدثن عن الموت والشائعات

تركت الحادثة المعروفة بـ”مجزرة الناصرية”، في خريف عام 2019، أثرا عميقا في نفس العراقية نور الهدى رحيم؛ فقد قتل اثنان من معارفها كانا من بين المتظاهرين، وجرح ثلاثة آخرون من أصدقائها.

قرب قاعة “البهو” الشهيرة في قلب مدينة الناصرية الجنوبية، علّق متطوعون مؤخرا صور أولئك الشباب الذين كانوا في مقتبل العمر عندما قتلوا عند جسر الزيتون في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2019 – ومن وقتها صار الجسر يحمل اسما جديدا: جسر الشهداء.

تقول نور الهدى لبي بي سي، وعمرها لا يتجاوز 26 عاما: “ليس لدي حلم شخصي… كل ما أفكر به طوال الوقت: هل سآخذ حق الذين ماتوا؟”.

وبعد مرور أكثر من عام على تلك الحادثة، تجددت مرة أخرى المظاهرات في المدينة، التي يحب سكانها وصفها بأنها مدينة ثائرة.

“أردت أن أفعل شيئا”

يفخر أبناء وبنات الناصرية بتاريخ مدينتهم العريق – وهي مركز محافظة ذي قار الجنوبية – وبنشاط الحركة السياسية فيها على مر العهود.

جيل الشباب اليوم، ممن هم في العشرينات من العمر، يشارك بمرحلة جديدة من الحراك السياسي – بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2019 من ساحة التحرير في بغداد ثم تبعتها بقية المحافظات.

وتعد ساحة الحبوبي في الناصرية المعادل لساحة التحرير في بغداد كمركز للاحتجاجات. وفي الساحة فيها تمثال الشاعر العراقي، محمّد سعيد الحبوبي، الذي يُحكى عن دوره في مقاومة القوات البريطانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى.

تقول الناشطة الحقوقية والمهندسة الزراعية، إيمان الأمين، إن ردة فعل أهل الناصرية كانت قوية بعد قتل المتظاهرين في بغداد فقد خرجوا في 25 أكتوبر/تشرين الأول وملأوا الساحة الشاسعة. “كانت تُرمى دخانيات (غازات مسيلة للدموع) وتنفجر بيننا، وكان هناك إطلاق نار. نصب الناس الخيام، وكان في الساحة خيام للنساء لكنهن لم يكن يبتن فيها. فالمشاركات من طالبات المدارس والجامعات كن يهتفن ويعتصمن حتى العصر”.

لكن ما حدث في أواخر شهر نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2019 في الناصرية تأزم الوضع كثيرا. إذ قتل في المدينة 42 متظاهرا على الأقل بنيران مسلحين بلباس مدني.

تتذكر نور الهدى جيدا ما حدث في تلك الأيام، وكانت لا تزال في سنتها الجامعية الأولى في كلية الشريعة.

“بعد المجزرة، أردت أن أفعل شيئا، لكن لم يكن باستطاعتي فعل شيء. صار عندي اندفاع قوي. فذهبت إلى ساحة التحرير في بغداد.. أربع ساعات تفصل المدينتين. في التحرير كان الوضع هادئا، وفي الناصرية مجزرة. قررت أن أتعلم الإسعاف وصرت مسعفة بالتحرير أذهب لأي مكان يحدث فيه هجوم. وكنت أرى كيف كانت قوات مكافحة الشغب تحلق شعر عدد من المتظاهرات. بعدها رجعت إلى الناصرية”.

وكادت تلك الحادثة أن تؤدي إلى “نزيف دم” ثانٍ، كما تقول المهندسة إيمان الأمين. إذ توضح أن المتظاهرين بعد تلك الحادثة أخذوا يهجمون على المراكز الأمنية غضبا لما حدث لرفاقهم، وبقي مقر القيادة العامة للشرطة فقط خارج سيطرتهم. “تواصلت الشرطة معي وطلبوا وقوفنا كسدّ بينهم وبين الشباب الذين أرادوا عبور الجسر باتجاه مقر الشرطة. وكان رجال الشرطة عازمين على حماية المقر بأية طريقة. كان الشباب يركضون وعندما رأوا النساء ارتدوا. كان أولئك الشباب مسالمين. لم يكونوا يطلقون النار. كان الشاب منهم يعتقد أنه إن مات سينتبه العالم لما حدث”.

بعد ذلك، أمرت السلطة القضائية العراقية بالقبض على القائد العسكري الفريق، جميل الشمري، في إطار التحقيق في قضية قتل المتظاهرين.

أمر قضائي بالقبض على ضابط كبير بالجيش العراقي بتهمة قتل المتظاهرين

المتظاهرون في مدينة الناصرية العراقية يقدمون مطالبهم للحكومة

“ما إن أدخل الساحة.. لا أخاف”

على عكس مظاهرات بغداد، يبدو أن خروج المرأة في الناصرية إلى الفضاء العام والمشاركة بالعمل الاحتجاجي كان أمرا أصعب، ولم يحظ بترحيب مجتمعيّ.

توضّح نور ذلك: “مشاركة العنصر النسائي قليلة جدا بسبب معارضة الأهل. في بغداد خروج المتظاهرات أكثر قبولاً، أما المجتمع الجنوبي فيختلف عن بغداد؛ نحن مجتمع عشائري، نشاطات المرأة فيه محدودة. وجودنا مرفوض تماما من قبل البعض الذي يعتبر المتظاهرات بنات ليل بسبب الاختلاط بالشباب. أنا تحديت هذه الظروف”.

“صدقيني، خلال وجودي في الساحة ما سمعت كلمة تخدش الحياء. صدقا شعرت بمعنى الأخوة في الساحة. كانوا حريصين علينا. كنت في السابق أحذر من سائق التاكسي. لكن ما إن أدخل الساحة لا أخاف من أحد لأننا خارجون بهدف واحد”، تضيف نور.

لكنها دفعت ثمن ذلك. فبسبب عزمها الذهاب إلى ساحات الاعتصام “خسرت أهلها” الذين خافوا عليها من المشاركة في المظاهرات، خاصة بعد أن وصلها ظرف عليه اسمها “وبداخله طلقة”. وتقول أيضا إنها تعرضت لضغوط في الجامعة، وطالتها شائعات بأنها “تبيع حبوب (مخدرة) للمتظاهرين”، لكنها لم تتراجع؛ فكل ما تريده حسب قولها هو الحصول على “حياة كريمة”.

تذكر إيمان الأمين أسماء نساء عدة في الناصرية “قتلن مرتين”؛ مرة عند تشويه سمعتهن، ومرة عند القتل الفعلي: “يشوهون سمعة المرأة أولا كي لا يثير قتلها ضجة”. فمثلا “أم حسين شاعرة قادت مظاهرات ذبحوها أمام ولدها، ولم يتعاطف مع مقتلها سوى المتظاهرين؛ ونهاوند تعرضت لإطلاق نار وأنقذها أبوها؛ وأم علي انتشر فيديو لها وهي تهتف عندما رأت جثثا في مشفى الحبوبي فوضعوا عبوة في بيتها وقالوا إنها جاسوسة، لكن أهل عشيرتها حموها”.

من بين أبرز المتظاهرات في الناصرية الناشطة، دعاء الأسدي، الحاصلة على شهادة جامعية في الكيمياء والتي تعمل في مركز أورام السرطان قرب ساحة الحبوبي.

تقول إنها ومنذ انطلاق الاحتجاجات وهي تشارك في الحراك، وكانت في البداية تنزل مع عدد من الممرضين وطلبة كليات، وكانت مشاركة المرأة في الناصرية في ذلك الوقت محدودة، ثم تزايد عدد النساء بعد حادثة قتل المتظاهرين.

لكنها تضيف أن كثيرا من الشابات انسحبن من الساحة “لأسباب كثيرة” وقل العدد أكثر بعد وباء كورونا، كما أن بعضهن “جئن بغاية الظهور والتقاط الصور”.

ولا تزال دعاء تذهب إلى ساحة الحبوبي حتى اليوم، ولم تتراجع رغم أنها تلقت رسائل “طعن بالشرف” وتعرضت لأكثر من هجوم على صفحات الفيسبوك بسبب نشاطها، كما وصلتها تهديدات بالقتل أكثر من مرة.

نسألها: من الذي يهددك؟

تقول دعاء: “ما أعرفهم…”.

رغم خطورة الوضع في الناصرية على المحتجين، وعلى النساء تحديدا، قالت الناشطات ثلاثتهن إنهن غير خائفات.

كانت المهندسة إيمان تنسق مظاهرات منذ عام 2011، لكن تلك المظاهرات كانت لا تخرج دون موافقة المحافظ، ولم تحقق أهدافها، لذا كانت احتجاجات تشرين مفاجأة لها ولأبناء وبنات جيلها. “نحن كنا نخباً منظمة. أما ثورة تشرين فكانت ثورة البسطاء والفقراء والطلبة الذين شعروا أن شهاداتهم بلا قيمة. لذا كان الشعار (نريد وطن) لأنهم لم يشعروا أنهم مواطنون”.

لذلك تفسّر عدم الخوف من الحديث علنا رغم تهديد النساء ورفض المجتمع لنشاطهن العام بالقول: “من رأى ما حدث لشهداء تشرين، لم يعد يريد أن يعيش، صار يفضل أن يموت مثلهم. حق التظاهر مكفول بالدستور العراقي. نحن عشنا زمن الديكتاتورية وكنا خرسان. لذلك لابد أن نتشبث الآن بالديمقراطية”.

هذه الفكرة ذاتها كررتها الشابتان دعاء ونور الهدى عند سؤالهن إن كن يشعرن بالخطر.

“سبات في ساحات التظاهر”

لم يردد المتظاهرون، ومن ضمنهم النساء، هتافات خاصة بمطالب متعلقة فقط بتحسين أوضاع المرأة – بل كانت المطالب عامة. فالمتظاهرون خرجوا ضد الفساد وضد الفقر وضد بطالة خريجي الجامعة وضد تدني مستوى الخدمات العامة رغم غنى بلدهم بالنفط.

وبعد نحو خمسة أشهر من الاحتجاجات في العراق، بدأت تسجل حالات إصابات بفيروس كورونا – فتقلصت المظاهرات وغيّر المتظاهرون طبيعة نشاطهم.

تقول نور الهدى: “بداية كورونا أردنا إيصال صورة أن المتظاهرين ليسوا غوغاء. صرنا نحث الناس على البقاء في البيت. أسسنا فرقا تطوعية للتعقيم ولتوزيع كمامات وكفوف على البيوت. كما وزعنا سلات غذائية، وساعد المتظاهرون بنقل قناني الأوكسجين. دخلت ساحات التظاهر في سبات”.

وتتذكر دعاء الأسدي كيف حاولت مع مجموعة من الشباب والشابات إقناع دائرة الصحة بإعادة فتح المشفى التركي العام لمساعدة مرضى كورونا، وكيف تلقى أخوها مساء اليوم ذاته اتصالا بأن دعاء مطلوبة وعليها تسليم نفسها، وكيف اضطرت بعد ذلك لتغيير مكان إقامتها بعد تعرضها لتهديد آخر.

يوم 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2020 عاد المتظاهرون للاعتصام، وعندما حاولوا منع دخول أنصار الزعيم الشيعي مقتدى الصدر إلى ساحة الحبوبي، أُحرقت خيمهم. لكنهم رجعوا إلى الساحة وأعادوا نصب الخيم.

“الجنة اللي ما بيها العراق ما أريدها”

المفارقة في الناصرية هي أنها مسقط رأس كثير من كبار المسؤولين العراقيين – لكن عددا من أبناء المدينة يقولون إن هؤلاء المسؤولين لم يرفعوا مستوى المعيشة ولم يحسّنوا الخدمات في مدينتهم.

واستعدادا للانتخابات البرلمانية المرتقبة، أعلن عن تأسيس عدد من الحركات السياسية يتزعمها نشطاء في مظاهرات الناصرية، لكن دعاء تقول إنها لن تنضم لأي حزب سياسي: “شخصيا أنا ناشطة ولست سياسية، لن أنضم لأي حزب لأني لن أفيدهم. أتمنى أن يشاركوا في الانتخابات… أعرف أنهم أشخاص وطنيون أحرار لكني لا أحب سيطرة أي حزب. كما أني لا أتصور أن تحقق الانتخابات أي تغيير، لكن هذا هو الحل الوحيد”.

وتضيف دعاء “الوضع بالعراق لا يطاق. وسافر كثير من الأصدقاء لعل وعسى نحقق شيء لبلدنا. نموت أو نعيش لا يهمنا. أما سفر ما أقدر أسافر. الجنة اللي ما بيها العراق ما أريدها”.

إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولة عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com