بعد عشر سنوات على مظاهرات الربيع العربي: “رجل المدرعة” يقول “ملعون اللي ينزلها ثاني”

هل تذكرون هذه الصورة وهذا الفيديو اللذين التٌقطا قبل 10 سنوات وأصبحا لاحقا من رموز الثورة المصرية؟ بعد 10 سنوات من هذا المشهد نحاول تكبير الصورة قليلا .. لنرى ماذا حدث قبل وبعد التقاطها؟ ومن هم أبطالها؟ وأين أصبحوا الآن؟

التُقطت هذه الصورة في الـ 25 من يناير / كانون الثاني عام 2011، في ميدان التحرير في القاهرة، الذي أصبح خلال 18 يوما لاحقة ساحة لأحداث كتبت فصلا جديدا من تاريخ مصر، بدأ برحيل مبارك.

والتقط الصورة مصور صحيفة المصري اليوم، طارق وجيه، وصور الفيديو الصحفي، مصطفى فتحي، وكان يعمل وقتها في راديو حريتنا الذي يبث خدماته عبر الأنترنت ويعتمد على تمويل من مؤسسات مانحة.

أما بطل الصورة، رجل المدرعة، فلم يظهر في أي من وسائل الإعلام ويرفض حتى يومنا هذا أن يفصح عن هويته، ورغم ذلك ادعى بعضهم صلتهم به لكن تكشف فيما بعد زيف هذه الادعاءات.

طارق ومصطفى هما الوحيدان اللذان يعرفانه وتربطهما به علاقة ممتدة على مدار السنوات العشر الماضية.

يقول مصطفى: “إن ذلك اليوم كان هادئا للغاية في ميدان التحرير رغم الدعوات للتظاهر التي انطلقت عبر صفحة ” كلنا خالد سعيد” على فيسبوك قبلها بأسابيع للتظاهر في هذا اليوم ضد ” عنف الشرطة” بحق المواطنين”.

وبحسب مصطفى كانت هناك توقعات بخروج تظاهرات ضخمة ما اضطره للذهاب إلى مقر الراديو الذى يعمل به والمطل على ميدان التحرير في الصباح الباكر، لكنه بحلول ظهر يوم 25 يناير لم يحدث أي شيء على الإطلاق. فقط تظاهرة صغيرة أمام مبنى مجلس الشعب الواقع في ميدان التحرير، كان عدد المتظاهرين فيها أقل بكثير من عدد رجال الأمن المحيطين بها وهو المشهد المعتاد في التظاهرات في مصر منذ بدء حركة ” كفاية ” المعارضة في التظاهر ضد مشروع ” توريث جمال مبارك”.

وبعد تصوير هذا الفيديو عاد مصطفى للمبنى السكني حيث مقر الإذاعة، ليسمع بعدها بدقائق صوت عربة شرطة وهرج قادم من الميدان، فحمل الكاميرا وخرج للشرفة المطلة على ميدان التحرير. وهناك رأى وصّور مدرعة تابعة للشرطة المصرية قادمة من داخل ميدان التحرير وتحاول تفريق المتظاهرين وطردهم بعيدا عن الميدان برش المياه عليهم.

يقول مصطفى، المدرعة بصوتها المرتفع ومياهها القوية المصوبة ناحية المتظاهرين، نجحت بالفعل في دفع المتظاهرين خارج الميدان.

وفجأة ظهر من عُرف إعلاميا برجل المدرعة – نور وهو اسم مستعار حفاظا على خصوصيته – وحيدا ليقف أمام المدرعة ويجبرها على الوقوف.

ويقول المصور الصحفي الذي التقط صورة رجل المدرعة، طارق وجيه، إنه “حتى هذه اللحظة لا أعرف كيف استطاع عشريني نحيل أن يقف بهذا الثبات، هل هذه هي قوة الإرادة؟”.

طارق كان قادما من تغطية مظاهرة أخرى صغيرة أمام نقابة المحامين، القريب من ميدان التحرير، وكان عدد المتظاهرين فيها أقل بكثير من عدد رجال الشرطة الذين حاولوا دفع المتظاهرين إلى داخل النقابة. وهو مشهد شبيه تماما بالتظاهرة التي حكى عنها مصطفى أمام مجلس الشعب.

بالصدفة، اضطُر طارق بعد التقاط صور هذه التظاهرة أن يتوجه لمقر الجريدة سيرا على الأقدام مارا بميدان التحرير الذى كان يمكن تجنبه في طريق العودة لكن القدر ساقه إليه ليرى الشاب الواقف أمام المدرعة ويلتقط الصورة التي يقول إنها الأهم في مسيرته الصحفية.

ويصف طارق بداية المشهد بأنه كانت هناك تظاهرة صغيرة أمام مجلس الشعب محاطة بكردون أمني كبير، ومدرعة واقفة داخل الميدان بعيدة قليلا عن التظاهرة، بدأت محاولات الكر والفر بين الأمن والمتظاهرين، ثم تحركت المدرعة لتصدر صوتا مدويا لم يسمعه طارق من قبل في أي تظاهرة، وبدأ المتظاهرون في الفرار من أمام المدرعة يمينا و يسارا خارج الميدان، وكان هناك عناصر من الأمن بملابس مدنية ويجرون وراء الفارين ويضربونهم حتى أن امرأة تعثرت وحاول طارق مساعدتها إلا أن هؤلاء الرجال كانوا أسرع منه وأوسعوها ضربا أمامه.

وبينما هم طارق بالرحيل عن الميدان، فجأة ظهر رجل المدرعة ” ليعيد ترتيب المشهد من جديد، فبعد أن كان المتظاهرون يتراجعون، تشجعوا وعادوا واقتربوا من المدرعة المتوقفة بل واعتلوها، وتقدموا نحو الميدان”.

وبحسب مصطفى، لم يكن الموقف عاديا أو مسبوقا في مصر قبل هذا الوقت “كأن نور بوقفته الشهيرة واضعا يديه في وسطه، صدم قائد المدرعة وكسر شيئا ما، أدركت وقتها أن الأمور لن تعود للهدوء مرة ثانية”.

هذه اللحظة غيرت مشهد التظاهر تماما كما يؤكد طارق ومصطفى، إذ عاد المتظاهرون الذين كانوا قد تفرقوا وزُج بهم خارج الميدان واقتربوا من نور – رجل المدرعة – ليبعدوه عنها خوفا من أن تتقدم فتدهسه.

وحسب طارق “بعد ما كان المتظاهرون يهرعون بعيدا عن المدرعة، عادوا ليعتلوها ويلقون الحجارة عليها، وتجمعوا من جديد لدخول ميدان التحرير”. ويضيف “نور كسر حاجز الخوف الذى لم يعد أبدا كما كان طوال 18 يوما”.

ويقول مصطفى إن نور حاول منع المتظاهرين من إلقاء الحجارة على المدرعة، وكأنه يريد أن يبقى المشهد “سلميا ” حتى آخر ثانية، وبعد هذا الموقف تزايدت أعداد المتظاهرين بشكل ملحوظ وتوجهوا بكثافة أكبر مما كانت عليه في الصباح إلى ميدان التحرير.

اختلف مصطفى و طارق في تحديد من أين جاء نور؟ فمصطفى يقول إنه كان قادما من خارج الميدان وكان عازما على المشاركة في التظاهرات مهما كانت النتيجة. أما طارق فيقول إن نور كان بالفعل بين المتظاهرين الموجودين في الميدان والذين حاولت المدرعة طردهم، وخرج من بينهم ليقف أمامها. في النهاية اتفق مصطفى وطارق على أن نور كان مشاركا في التظاهرات منذ اللحظة الأولى.

عندما التقى مصطفى نور بعد رحيل مبارك سأله عن سبب قيامه بالوقوف في وجه المدرعة فقال له إن الطريقة التي تروع بها المردعة المتظاهرين استفزته، فقرر أن يقف أمامها لتكف عن تخويف الناس، وحتى عندما استخدم يده ليبعد خرطوم المياه عنه كان يستهدف إبعادها عن بقية المتظاهرين لا عن نفسه.

ويقول طارق ومصطفى، إن نور موظف في شركة مرموقة ويعيش في مستوى اجتماعي فوق المتوسط، ولم تكن لديه تقريبا أي مطالب شخصية، بقدر ما كان متضامنا مع مطالب كل من كانوا في الميدان.

لكن لماذا يصر على إخفاء هويته رغم مرور كل هذه السنوات؟ يقول طارق إنه برر ذلك بأنه يريد أن يرى كل المصريين أنفسهم فيه “هو يريد أن يقال إن المصريين فعلوا وليس فلان فعل، هو ليس فرد بل هو كل مصري قرر أن يقف وجه الظلم والقمع”.

للمرة الثانية اختلف طارق ومصطفى بشأن ما حدث لنور بعد 10 سنوات. فطارق قال إن نور تغير عما كان عليه، فعندما التقاه في 2019 كان محبطا للغاية وقال له “ملعون اللى ينزلها تاني، مبقتش فارقة معايا والموضوع خلص”.

بينما يقول مصطفى إن نور شخص يؤمن بأفكاره ومواجهة الظلم ومساندة الحق أينما كان، وهي أفكار يطبقها في حياته الشخصية حتى إنه حكي له كيف اعترض بسيارته، سيارة أخرى كانت تحاول المرور في الطريق العكسي فظل واقفا أمامها ورفض أن يسمح لها بالمرور وأجبر سائقها على السير في الطريق المخصص له.

بحسب رواية طارق ومصطفى، نور بحث عنهما وزارهما في مكان عملهما، وتعرفا عليه من خلال الملابس والكوفية التي كان يرتديها يوم التظاهرة.

وقال نور لمصطفى إنه سمع هتافه من الشرفة “جدع ، راجل، خليك مكانك”. وطلب منهما أن يحميا هويته دون السماح لأحد بانتحال شخصيته إذ خرج بعضهم وادعوا أنهم أصحاب الصورة. وهو ما لا يريد “لقد قدم شيئا لمصر وليس لأحد ولا من أجل الشهرة”.

يقول مصطفى إن نور أهدى الكوفية التي كان يرتديها لأم خالد سعيد، الشاب الذي ينُظر إليه باعتباره أيقونة ثورة يناير.

لكن ماذا حدث لطارق ومصطفى بعد التقاط هذه الصورة؟ طارق يقول ” لم يكن مشهدا عاديا، لكن الصورة كانت واحدة من عشرات الصور التي التقطها، وعدت مسرعا للجريدة، حتى أن رئيس القسم لم يخترها للنشر في الجريدة ، إلى أن نشرتها على صفحتي على فيسبوك يوم 28 يناير ، المعروف بجمعة الغضب “.

بحسب طارق منذ نشرها جابت الصورة مواقع التواصل الاجتماعي وشوهدت ملايين المرات ” قرأت التعليقات، ولم أصدق نفسي كيف اعتبرها الناس تعبر عن الثورة وتصور شجاعة المتظاهرين”.

بحسب طارق ” الآن ، هذه الصورة هي أرشيفي، أهم صورة في حياتي”.

أما مصطفى فبعد نشر الفيديو بثوان، كانت قوة من رجال الأمن تقتحم المبنى السكني الذى يضم مقر الراديو الذي يعمل به لكنهم عجزوا عن تحديد الوحدة السكنية التي يوجدون فيها ولحسن الحظ رحل رجال الأمن سريعا عن العقار بعد تلقيهم أوامر بذلك للسيطرة على الوضع في الميدان. وبعدها بثلاثة أيام أقام مصطفى وفريق عمل الراديو خيمة في ميدان التحرير لبث خدماتهم من موقع الأحداث.

وأكد مصطفى وطارق أن نور كان شريكا في التظاهرات طوال الأيام الـ 18 للثورة كما قال لهما وأنه لم يترك الميدان حتى الاحتفال برحيل مبارك في فبراير/ شباط 2011.

قصة نور تبدو لي كما لو كانت القصة الثامنة ضمن “حكايات الغريب” وهي مجموعة قصصية صدرت للكاتب المصري جمال الغيطاني عام 1976 ، أرّخت لنضال المصريين في محافظة السويس خلال الفترة بين هزيمة 1967 ونصر أكتوبر 1973.

في القصة، فُقد الغريب -سائق مصري- في السويس، وبالبحث عنه من خلال صورته، يكتشف القراء على لسان أهل السويس قصص البطولة والتضحية التي قدمها هذا الرجل والذى عرّفه كل شخص في القصة باسم غير اسمه الحقيقي ولم يعرف أحد هويته أومصيره حتى نهاية القصة لكنه كان بطلا في كل الروايات بصرف النظر عن اسمه.

إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولة عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com