نكتة أطلقتها ممثلة كوميدية تثير جدلا في الصين

للمشاركة

رسم توضيحي لمناصرة نسوية تتعرض للهجوم من قبل الرجال

AFP
سلط الجدل حول تعليقات يانغ لي الضوء على المسار الصعب للحركة النسوية في الصين

هذه ليست المرة الأولى التي تثير فيها الكوميدية الصينية، يانغ لي، المعروفة بـ “ملكة النكت” الجدل وسط جمهورها الصيني، فهي الآن من أشهر الممثلات الكوميديات في البلاد.

صعد نجم الشابة البالغة من العمر 29 عاماً، في الآونة الأخيرة بسبب مشاركتها في برنامج تلفزيوني صيني يسمى “روك آند روست”، وتتناول من خلاله قضايا مثيرة للجدل، ويشاهدها الملايين من متابعي البرنامج في كل أسبوع.

تقدم يانغ لي البرنامج بأسلوب غير مألوف لدى كثير من المشاهدين الصينيين؛ وهو (ستاند آب كوميدي)، أي الكوميديا الارتجالية.

وقد جذبت عدداً كبيراً من المتابعين، لكن نكتها – التي تتناول مواضيع ساخنة – لم ترُق للجميع، وتواجه الآن أكبر رد فعل عنيف في حياتها المهنية.

ما سر “انتكاسة” المرأة في الصين؟

تعرف على اللغة “السرية” التي لا يتحدثها سوى النساء في الصين للتعبير عن أنفسهن بحرية

حملة “مي تو”: متدربة تتهم مذيعا مشهورا بالتحرش الجنسي أمام القضاء الصيني

يانغ لي

Weibo
حظيت تعليقات يانغ لي بالمديح والثناء

في الحلقة التي قدمتها الشابة في الشهر الماضي، أخبرت زميلها الكوميدي أثناء العرض آخر نكاتها الجديدة، فأجابها : “هل تختبرين صبر الرجال؟”.. فردت بطريقة كوميدية ساخرة: “وهل للرجال صبر أصلاً؟”، وقد أثار هذا الرد موجة جديدة من الانتقادات ضدها، إذ اتهمها مستخدمو الإنترنت على وسائل التواصل الاجتماعي، بـ “كره الرجال”، وفي الوقت نفسه دعت مجموعة تقول إنها تدافع عن حقوق الرجال، مستخدمي الإنترنت لإرسال شكوى عن يانغ لي إلى جهاز تنظيم وسائل الإعلام في البلاد، متهمة إياها “بإهانة جميع الرجال بشكل متكرر وخلق نوع من الفرقة بين الجنسين”.

لكن مؤيديها يدافعون عنها بالقول إن المنتقدين الذكور يبالغون في حساسيتهم ويفتقرون لحسّ الدعابة.

ليس هناك أدنى شك في أن طرائف يانغ، أثارت جدلاً جديداً في الصين، إذ تعد كل من الحركة النسوية والكوميديا الارتجالية ظاهرة ثقافية جديدة نسبياً في البلاد.

هل الصينيون شعب ضاحك؟

ليست الفكاهة غائبة في الثقافة الصينية، إذ تتمتع شيانغ شنغ – الكوميديا الصينية – بشعبية كبيرة، وتنبني عادة على ما يقدمه ممثلان كوميديان يسخران من بعضهما البعض لإضحاك المشاهدين والترفيه عنهم.

ولكن عندما يصبح الجمهور هم المستهدف في النكتة، كما هو الحال أحياناً في بعض عروض الكوميديا الارتجالية في الغرب (ستاند آب كوميدي)، يتحول العرض في نظر بعض الصينيين إلى ممل وغير مضحك.

ويقول توني تشو، الممثل الكوميدي وصاحب نادي فكاهة بكين للكوميديا، لبي بي سي: “في الغرب، قد تدور بعض أحداث الكوميديا الارتجالية حول تحدي الجمهور أو السخرية منه أو من السلطات أو الأعراف الاجتماعية”. لكن لا يزال يُنظر إلى هذا النوع من الكوميديا من قبل بعضهم في الصين على أنه فظ أو يفتقد للاحترام.

ويقول الكوميديون إنهم يأملون أن تنتقل هذه الأنواع من الطرائف أسرع من الفيروس..

التقى الممثلان الكوميديان جيسي أبيل من الولايات المتحدة وتوني تشو في الصين عبر الإنترنت أثناء الوباء.

BBC

وعلى سبيل المثال، كما يقول تشو، تعرض ممثل كوميدي في أحد المرات في ناديه للاعتداء من قبل أحد أفراد الجمهور، لأنه أطلق نكتة حول سكان مقاطعة هينان. لكن المفارقة كما يقول تشو موضحاً: “أن الممثل الكوميدي نفسه كان من هينان أيضاً”.

ويضيف: “نتيجة لذلك، يميل بعض الكوميديين إلى عدم الإفصاح عن آرائهم الشخصية، ليس فقط بسبب الخطوط الحمر الثقافية فحسب، بل وخوفاً من تداعيات لا تُحمد عقباها في كثير من الأحيان”.

وانقسم الكوميديون الصينيون حول الجدل الحاصل حول زميلتهم يانغ.

ففي منشور على موقع التواصل الاجتماعي الصيني “ويبو”، الذي انتشر على نطاق واسع وشوهد أكثر من 100 مليون مرة ، قال الممثل الكوميدي الصيني، تشي زي: ” إن يانغ لا تؤدي كوميديا ارتجالية حقيقية”.

لكن الكوميدي الأمريكي الصيني، جو وونغ، قال إنه يدعم يانغ، لأن الكوميديا تمنح فرصة “للمحرومين لينفسوا عن أنفسهم ويسخروا من الذين ينعمون بامتيازات في المجتمع”.

“محاربة نسوية”

القضية الأعمق في هذا الجدل، هي المسار الصعب للنسوية في الصين.

ورغم أن يانغ لي، لم تعلن إطلاقاً أنها ناشطة نسوية، إلا أن منتقديها عبر الإنترنت صاغوا عبارة جديدة لوصفها وعشرات الآلاف من مؤيديها بـ “النسويات المقاتلات”.

فتيات صينيات يلتقطن صورة سيلفي لهن

Getty Images
النساء في الصين مثل الرجال يواجهن توقعات مسبقة يتطلب تحقيقها

وتعني كلمة “نو كوان “في اللغة الصينية، حرفياً بـ “حقوق المرأة” أو النسوية.

وقد استبدل مستخدمو الإنترنت كلمة “كوان” التي تعني “الحقوق”، بكلمة أخرى لها النطق نفسه لكنها تعني “قبضة اليد”، مما يجعلها مصطلحاً مهيناً جداً للنسويات.

وقالت يانغ – وهي طالبة جامعية تبلغ من العمر 23 عاماً، وإحدى منتقدات الممثلة الكوميدية يانغ لي، لبي بي سي: “إن النسويات المتشددات غير عقلانيات، يتحدين الحكومات في كل مكان ثم يطالبن بامتيازات”.

وقالت تشو ين، أستاذة القانون البارزة في بكين، على موقع ويبو: “إن السياسات المتعلقة بالجندر ما هي إلا سياسات غربية وتهدد وحدة الطبقة العاملة، وستؤدي إلى الكراهية ضد الرجال الأسوياء”.

وفي الوقت نفسه، يجادل أنصار يانغ لي، بأن رد الفعل العنيف أثبت وجهة نظر يانغ في العديد من نكاتها، فغالبا ما تُقمع الأصوات ذات المنظور الأنثوي من قبل أولئك الذين يعتقدون أن الرجال أكثر تفوقاً من النساء.

ويرتبط الجنسان بأدوار تقليدية صرفة إلى حد كبير في الصين، كما يتعرض الرجال والنساء لضغوط اجتماعية لأداء أدوارهم المنوطة بهم على أكمل وجه.

وتقول الناشطة الصينية في مجال حقوق المرأة، شيونغ جينغ، إن الرجال أيضاً ضحايا هذه الصور النمطية الجنسانية.

وعلى سبيل المثال، يُتوقع من الرجال في بلد يفيض بالعزّاب المؤهلين للزواج، أن يمتلكوا منازل وسيارات باعتبارهم المعيل الرئيسي للأسرة.

وتضيف: “يتعين على العديد من الرجال تحمل كثير من الأعباء التي تقع على عاتقهم، وينتهي بهم الأمر إلى الشعور بالاستياء والاكتئاب، لكن عليهم أن يفكروا في ما الذي يحتاجونه لإحداث تغيير جذري في المجتمع”.

وتقول لو بين، وهي ناشطة نسوية صينية بارزة، لبي بي سي: “تواجه النسويات في الصين ضغوطاً سياسية واجتماعية فريدة من نوعها مقارنة مع الدول الأخرى”.

ففي عام 2012 ، نظمت ناشطات في مجال حقوق المرأة مظاهرة ضد العنف الأسري وخرجن مرتديات أزياء عرائس ملطخة بالدماء للتعبير عن العنف الذي تتعرضن له النساء. ففي الصين، “يحظى المنتقدون في ظل النظام الأبوي بدعم أكبر من السلطات مقارنة مع نظيراتهم من النسويات”.

بينما تتحدى النسويات القوالب النمطية الجندرية الراسخة في البلاد، تتهمهم السلطات بـ “إثارة القلاقل في المجتمع”. وهذا يعني أنهن أصبحن هدفاً للحكومة الصينية التي جعلت الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي ضمن أولوياتها القصوى.

وفي عام 2015 ، احتجزت السلطات خمس ناشطات نسويات مدة سبعة أسابيع بسبب تخطيطهن لإطلاق حملة ضد التحرش الجنسي في وسائل النقل العام.

أما في عام 2018 ، فقد فرضت الرقابة على حسابات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بـ ” أصوات نسوية” – وهي منظمة نسوية رائدة في الصين – بعد أن كانت السلطات قد أغلقت حساباتها عدة مرات.

حفزت حركة مي تو، الناشطات في مجال حقوق المرأة في الصين

Getty Images
حفزت حركة مي تو، الناشطات في مجال حقوق المرأة في الصين

وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي ، عندما نظرت محكمة صينية في قضية رفيعة المستوى متعلقة بحركة “مي تو”، لم تغطِ وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة الحدث.

ووسط هذا الصمت، نشرت بعض الحسابات المؤثرة مزاعم لا أساس لها من الصحة، على موقع ويبو تدعي بأن “قوات أجنبية” وراء إثارة الجدل.

وتقول لو بين: “يزعم العديد من المنتقدين والمراقبين الآن أن النسويات الصينيات مرتبطات بـ “قوى أجنبية”.

والسؤال “لماذا هذه المزاعم فعالة وسارية جداً في إقناع الجمهور؟”

“لأنهم يكررون ما تقولها الدولة ويتبعون رؤيتها للقضايا”.

وعززت حركة مي تو عزيمة ناشطات حقوق المرأة في الصين.

هكذا خلفية اجتماعية هي السبب وراء إثارة الجدل حول الممثلة الكوميدية يانغ لي لدى إطلاقها لنكتة تتعلق بالرجال.

وليس من الواضح ما إذا كانت السلطات قد فتحت تحقيقاً رسمياً في الحادث أم لا.

وتم حذف حساب ويبو الخاص بالمجموعة التي دعت إلى إبلاغ السلطات عنها لاحقاً.

وفي تلك الأثناء، لم تصدر يانغ لي أي تصريح ولم يستجب فريقها لطلب بي بي سي في إجراء مقابلة معها.

لكن، كتبت يانغ لي مؤخراً في وسائل التواصل الاجتماعي فيما يبدو أنه تعليق مستتر على الجدل الحاصل حولها قائلةً: “لن ينتهي هذا الأمر أبداً، لقد بات الآن من الصعب نوعاً ما العمل في هذا المجال”.


للمشاركة
إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولة عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com