Home » bbc » كيف خسرتُ 51 كيلوغراما من وزني؟

طبعت عبارة “الطيارة جاية من بعيد” طفولتي وصباي، ولمن قد لا يعرف السياق التي تُستخدم فيه هي عبارة تكررها الأمهات لصغارهن عندما يمتنعون عن تناول الطعام، فتشبه الأمهات الملعقة بالطائرة القادمة من بعيد والمحملة بالبضائع في انتظار هبوطها في فم الطفل.

وكانت الطائرات الموجهة إلى فمي محملة بما لذ وطاب من البضائع.

“فتى أكول”

في الثالثة من عمري انتقلت عائلتي من مصر إلى السعودية، فنشأت في الرياض وكنت فيها طفلا وحيدا بعدما اختار إخوتي الكبار البقاء في مصر واستكمال دراستهم هناك، أما أنا فبدأت هناك رحلة التعرف على الطعام.

لم تكن البداية بالحلوى والشوكولاتة وأكياس البطاطس المقرمشة كأغلب الأطفال، لكني تعرفت على الجذور أولا، وأحببت الخضار والفاكهة.

تروي لي أمي تلك المرة التي عادت من العمل ووجدتني جالسا على مائدة الطعام أكل تفاحة و أمامي بحر من الدماء بعد أن جرحت إصبعي أثناء محاولتي لتقطيعها.

أحببت طعام حفلات الزفاف والمناسبات العائلية، وعندما تعرفت على الأوبن بوفيه، كان بالنسبة لي “كطعام أهل الجنة” فصرت ألاحقه أينما وُجد.

أتذكر عندما نصحني أحد المعلمين في المدرسة أنه يجب علي أن أمارس أنشطة خارج المدرسة، فقررت أن أتعلم الطبخ في المنزل.

قضيت ١٧ سنة في السعودية، وكانت حياتي فيها مرتبطة بالطعام لا غير، بين محلات “البخاري والبرياني والمندي والشاورما والقلابة والتميس”.

وصلت عمر السادسة عشرة بمعدل حركة ونشاط يومي لشخص في أواخر عمره، وكانت خمس عشرة دقيقة الوقت الأقصى بالنسبة لي للبقاء على أرضية ملعب كرة قدم، أي محاولة للبقاء أكثر من ذلك قد تؤدي لانهياري في وسط الملعب من التعب وحينها سيكون على الجميع حملي لخارجه.

كنت أنظر دائما لمن حولي بقلق وارتياب، وأخاف من نظراتهم اتجاهي، وأتساءل عن ماذا يفكرون عندما ينظرون إلي؟

وتدهورت علاقتي بالمرآة، لا أحب النظر إلى شكلي، صرت أشتري العديد من الملابس، لعلي أشتري ما يكفي منها ليصبح بإمكاني الاختفاء فيها.

قررت الانعزال أكثر، وقابلت في عزلتي صديقا جديدا ظل يرافقني لمدة طويلة، وهو الاكتئاب.

لم يكن الذهاب لطبيب لمرض نفسي اختيارا متاحا في البيئة الاجتماعية التي نشأت فيه، فبعضهم كان ينظر للأمر كنوع من العار, لذلك كنت عالقا في دائرة مغلقة.

كنت آكل كثيرا لأني مكتئب، أكتئب لأني آكل كثيرا. وحينها بدأت البحث عن مخرج وقررت الذهاب للبحث عن بيئة أخرى للعيش فيها. تركت دراستي الجامعية التي كنت بدأتها في الهندسة وأنهيت منها سنتين في السعودية وذهبت لتركيا لبدء واحد من أحلامي المؤجلة، ألا وهو دراسة السينما وصناعة الأفلام.

في اسطنبول تعرفت على أحد الأشخاص الذين كنت أتابعهم باهتمام لفترة طويلة، وهو المخرج ومنتج الأفلام، البراء أشرف، وقد جمعتني به جلسات عديدة من خلال أصدقاء مشتركين.

تحدثت مع البراء عن اهتمامي بمجال صناعة الأفلام، لكن الصفة الأكبر التي دفعتني للانجذاب نحوه هو أنه كان ضخما مثلي، ومن بين كل النصائح الكثيرة التي قالها لي، كانت الأولى منهم مفاجئة لي، إذ قال لي: “بص يا شلبي .. لو معنديش ليك غير نصيحة واحدة، فالنصيحة دي هتكون متفضلش تخين كدا طول حياتك”.

آكل فأكتئب، أكتئب فآكل

وبعد أن أنهيت إجراءات تحولي لإسطنبول وقبولي في جامعة جديدة لبداية دراستي في صناعة الأفلام، استيقظت في يوم من الأيام وبينما كنت أتصفح حساب الفيس بوك، فوجئت بمنشور “البقاء لله .. البراء أشرف مات”. صدمني الخبر كصاعقة، لم أفهمه، كيف؟ ومتى؟ وأين؟. عرفت بعد ذلك أن البراء كان قد قرر أن يذهب لإجراء عملية تكميم معدة، لكنه لم يخبر العديد من الناس، بعد إجراء العملية، حدثت مضاعفات أدت إلى وفاته.

ورغم أني ظننت أن ابتعدت عنه بعد خروجي من السعودية إلى تركيا، لكن الأكل كان المهرب الذي أعود إليه بعد كل مشكلة أمر بها، وكنت أجد لدى صديقي القديم راحتي، آكل فأكتئب، أكتئب فآكل.

وصل وزني ١٣٩ كيلو، وهذا ما يعادل الوزن المتوسط لدب باندا ضخم، كنت في انتظار أن يخبرني الأطباء في أي وقت أنني مصاب بالسكري أو الضغط.

وأخبروني بالفعل أنه في حالة استمراري بهذا الشكل لا يجب علي أن أتوقع رؤية نفسي في أواخر الخمسينات من عمري.

حينها بدأت في التفكير أن خروجي إلى تركيا وتغيير مجال دراستي لم يكن حلا، كل هذه كانت تغييرات خارجية، ما فعلته ببساطة هو الهروب من المشكلة الحقيقة بدلا من مواجهتها.

“توقف عن الهروب وجلد الذات”

لقد كنتُ في حاجة إلى التوقف عن الهروب ومواجهة نفسي، لذا بدأت كطفل يخطو خطواته الأولى في الحياة، بدأت بأخذ اختيارات مختلفة في حياتي اليومية: سأحاول المشي، بدلا من ركوب المصعد، سأستخدم السلالم، سأطبخ طعامي بنفسي في المنزل وأقلل من أكلي خارجه. وبالفعل بدأت أشعر بأثر هذه التغييرات البسيطة، انقطعت تماما عن أكل الوجبات السريعة، حتى كميات أكلي في المنزل بدأت تتحسن، بدأت أشعر أن صحتي أصبحت أفضل، بدأت ألحظ تغيير في شكلي أمام المرآة، حتى أن وزني بدأ في الانخفاض، وعند هذه اللحظة بدأت في رؤية تغيير حقيقي.

فكرت لماذا إذا لا آخذ هذا الأمر خطوة أبعد؟ سأمارس الرياضة! ذلك الشيء الذي لطالما كان غريبا بالنسبة لي بل مخيفا في بعض الأحيان، لكن لن أذهب لدفع اشتراك في “جيم” أو شراء أدوات ضخمة باهظة الثمن في المنزل، سأبدأ بخطوات صغيرة أيضا، وبدأت ممارسة الرياضة في تلك المساحة الضيقة بجانب سرير نومي في غرفتي، كان الهدف الرئيسي أن أصبح نشيطا.

بالتأكيد لم تسر هذه العملية في خط مستقيم، بالرغم من أن بدأت بخطوات صغيرة وبسيطة لكنها كانت تحتاج لوقت وكانت عملية بطيئة، ومررت بلحظات إخفاق واستسلام، لكن دائما ما كنت أقول لنفسي، إن الوزن الذي اكتسبته في ١٧ عاما لا يجب علي أن أتوقع خسارته في ٧ أسابيع.

وتوقفت عن جلد نفسي في كل مرة أُخفق فيها، لا بأس، سأحاول مرة أخرى. وبعد مرور وقت أصبحت هذه الاختيارات الصغيرة اليومية المختلفة الذي آخذها هي نمط حياتي الطبيعي.

بعد تقليصي ل٥١ كيلو من وزني والانتظام بشكل أكبر في ممارسة الرياضة، كنت في انتظار تلك الهدية الجميلة التي يحصل عليها كل من يتبع نظاما غذائيا ورياضيا، ألا وهي جسد مثالي جميل ومعدة مسطحة مرسومة ب”السكس باكس”، لكن آمالي تحطمت أمام صخرة الواقع عندما بدأ الجلد المترهل وعلامات التمدد في الظهور، وأتذكر بينما كنت أقف في غرفة التغيير في الجيم أنظر لكل الرجال من حولي يقومون باستعراض عضلاتهم، بينما أقوم أنا بشد جلدي المترهل متسائلا إذا كان من الممكن أن يختفي في يوم من الأيام.

“ندوب أم علامات نصر؟

بدأت أشعر مرة أخرى بعدم الأمان والقلق اتجاه جسدي، وكنت في لحظات كثيرة أكره النظر في المرآة، وبدأت في البحث عن طرق للتخلص منه بأي شكل، وفتح لي ذلك عوالم واسعة على الإنترنت حيث وجدت العديد من الناس والشركات يروجون لعلاجات وطرق مختلفة للتخلص من الجلد الزائد، واتضح لي أن هناك المئات ممن يعانون من المشكلة ذاتها وفي المقابل مئات آخرين ممن يستغلونهم بالترويج لمنتجات مزيفة من خلال إعلانات تستخدم صياغات براقة عن “الجسد المثالي”، بدأت في الشعور كيف أن ذلك الهوس بالجسد المثالي أصبح مسيطرا علي، المرة الأخيرة التي سيطر علي شيء بنفس هذا الشكل كان الطعام! وحينها أدركت أنه من الواضح أن رحلتي لم تنتهي بعد وأن ما زال أمامي خطوة أخيرة أنا في حاجة لأخطوها.

“جلدك وعلامات الترهل هي ندوب تدل على حرب مررت بها”

أتذكر ذلك التعليق جيدا الذي كتبه أحدهم على فيديو يوتيوب لشاب كان يتحدث عن رحلة نزوله في الوزن وظهور جلده المترهل أيضا وعن قراره أنه لن يقوم بإجراء العملية اللازمة للتخلص من الجلد لأنه ببساطة ليس في حاجة إليها!

أدركت حينها أن الدرس الحقيقي الذي يجب علي تعلمه أنه لا يجب علي الشعور بالخجل من جسدي، مهما كان حجمه أو شكله، في نهاية الأمر هو الشيء الوحيد الذي يلازمني من اللحظة الأولى لي في هذه الحياة وحتى اللحظة الأخيرة لي فيها، لذلك يجب علي أن أنشيء علاقة صحية معه وأن أعتني به وأحبه.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
WhatsApp إنضم الى مجموعة الأرز الإخبارية