الربيع العربي في ذكراه العاشرة: “العصفور” يتحدث عن تونس التي كان يحلم بها

صورة تعبيرية عن النشاط السياسي قبل الثورة في تونس

BBC
الحراك السياسي في تونس بدأ قبل اشتعال التظاهرات في سيدي بوزيد يوم17 ديسمبر 2011

في الـ 14 من يناير/كانون الأول عام 2011 أجبرت المظاهرات الرئيس التونسي آنذاك، زين العابدين بن علي، على الرحيل إلى منفاه في السعودية، بعد بقائه على هرم السلطة لأكثر من 23 عاما.

لكن قبلها بأسابيع، كانت الشوارع في كل الولايات التونسية مكتظة بالمناهضين لحكمه، ومن بين هؤلاء خرج ” العصفور” كما كانوا ينادونه خلال التظاهرات التي بلغت ذروتها يوم رحيل بن علي،.

اسمه الحقيقي وديع الجلاصي، وهو صاحب الصورة الشهيرة التي يبدو فيها حاملا قفصا بداخله حمامة بيضاء وعلى القفص علم تونسي .

هذه الصورة التقطتها عدسات التصوير في شارع الحبيب بورقيبة بقلب العاصمة تونس، أمام مقرّ وزارة الداخلية، والتُقطت قبل ساعات من رحيل بن علي المفاجئ .

لكن سبقت هذا اليوم أيام من المظاهرات والتحركات على الأرض التي بدأت منذ بداية ديسمبر / كانون الأول 2010 ، كما أشار وديع، الذي يقول إن “الهدف من حمل القفص خلال هذه التظاهرة كان التمويه للهروب من الشرطة ولم يكن يٌخطط لذلك قبل التظاهرة”.

من هو البوعزيزي الذي أطلق شرارة الثورة بجسده؟

ويضيف:”في الرابع عشر من يناير أخبرني بعض الأصدقاء أنني ونشطاء آخرين تحت المراقبة .. كنتُ أخطط للنزول للمشاركة في تظاهرة دُعي إليها في شارع الحبيب بورقيبة، فحملت قفصا به حمامة حتى إذا اعترض طريقي أي شرطي، كنت سأٌقول إن سبب وجودي في الشارع هو بيع الحمام في سوق المنصف باي – وهو سوق شعبي تباع فيه الطيور المنزلية “.

ويحكي وديع أن مئات الآلاف من التونسيين قدموا من مختلف الولايات للمشاركة في التظاهرات التي انطلقت منذ الصباح، وجاء بعضهم سيرا على الأقدام من ولايات تبعد مئات الكيلومترات عن العاصمة .

ويضيف: “منعتنا الشرطة من دخول شارع الحبيب بورقيبة، فجلسنا على قارعة الطريق ورفضنا ترك المكان”.

“عندما دخلتُ الشارع وجدتُ مئات الآلاف وقد جاءوا ليقفوا صفا واحدا، حتى الأطفال كانوا هناك”.

أخذ وديع العلم التونسي الظاهر في الصوة الشهيرة من ابنة صديق كانت تشارك في التظاهرات مع أبيها كانت تحمل علمين لتونس فأعطته واحدا ليضعه على القفص.

ويضيف وديع أن التخطيط للمظاهرات والتحرك على الأرض جرى قبل أسابيع من حرق البوعزيزي نفسه ، وقد زاد حادث الحريق من الإصرار على التحرك بأسرع وقت وبدأت مجموعة النشطاء التي يعمل معها وديع تتسع مستقطبة مزيدا من الشباب المعترض على تدني أوضاع المعيشة وارتفاع مستويات البطالة في البلاد.

ويقول وديع: “كان المحامون يقودون الحراك، ثم انضم إليهم الطلاب والعاطلون لاحقا ـ وكنا نخشي التحدث عبر الهاتف. كنا نلتقي في المقاهي لنتفق على الخطوات القادمة وأماكن لقائنا، وكنا نسمى أماكن لقائنا أرقاما حتى لا يعرف أحد إذا تنصت على هواتفنا مكان اللقاء، فالمكان 1 يدل على مكان معين لا يعرفه أحد غيرنا، والمكان 2 يدل على مكان اخر وهكذا دواليك”.

كان وديع ، حسبما يقول، يُضطر للتخفي للتحرك بالمنشورات بين الولايات التونسية بعيدا عن أعين الشرطة التي كانت نشطة جدا، فكان يرتدي ملابس المهرج التي كان يستعملها في الأنشطة التثقيفية والفنية التي كان يقدمها للأطفال قبل الثورة كنوع من الدعاية لبعض الشركات ويخفى المنشورات السياسية وسط أوراق الدعاية .

ورغم الاحتياطات التي كان يتخذها وديع، ألقُى القبض عليه يوم 29 ديسمبر/ كانون الأول لكنه كان قد وزع كل المنشورات التي كانت بحوزته ولم تتبق لديه سوى إعلانات الشركة التي يروج لها فأُطلق سراحه من قسم الشرطة بعد ساعات قليلة من التحقيق.

أجج خطاب بن علي يوم 10 يناير الأوضاع ،ولهذا بدأت الاحتجاجات المنتشرة في مختلف الولايات تمتد لتشمل تونس العاصمة ، وذلك فيما اعتبر تطورا نوعيا في مسيرة التظاهرات.

وبحسب وديع كانت لديهم شكوك بشأن ما ستؤول إليه الأمور” كنا نتوقع بنسبة 80% أن الأمور ستسوء ولن تتحسن، وقد يُلقى القبض علينا جميعا وينّكل بنا، لكن الأمل كان موجودا بنسبة 20 % وانتصرنا في النهاية”.

وزادت المخاوف وكذلك التصميم، بحسب وديع، مع انسحاب الجيش من وسط العاصمة وترك مواقعه لقوات أمنية خاصة في 13 يناير/ كانون الثاني.

منذ تلك اللحظة “لم يعد هناك مفر من الاتحاد” وخصوصا بعد إلقاء القبض على عدد من النشطاء السياسيين المعروفين في البلاد، ولهذا قدم المتظاهرون من كل الولايات للعاصمة في اليوم التالي – 14 يناير – للتأكيد على مطلب واحد لا تراجع عنه وهو “التغيير والحرية”.

ويعود وديع بالذاكرة لما حدث في هذا اليوم، قبل ساعات من رحيل بن علي، إذ اشتعلت المناوشات بين المتظاهرين ورجال الأمن في وسط العاصمة واستخدم الأمن قنابل الغاز والعصي لتفريق المتظاهرين، ثم شن حملة اعتقالات عشوائية طالت آلاف المتظاهرين ومنهم وديع وعدد من رفاقه.

ويقول وديع ” كانت الشرطة مرتبكة، لا تعرف ماذا تفعل، قبضوا علينا ثم لم يجدوا سيارة لترحيلنا لقسم الشرطة لأن السيارة كانت مكتظة، فأبقوا علينا وجاءتهم اتصالات أن ينتظروا لبعض الوقت لأن هناك محاولات لهروب مساجين ومناوشات داخل السجون ولا توجد مساحة كافية لاستيعابنا، وفجأة تركونا جميعا نعود لبيوتنا”.

ويضيف وديع أنهم اكتشفوا بعد إطلاق سراحهم أن بن علي رحل عن البلاد، ورغم أنه كان قد حل موعد حظر التجول، الذي كان قد فُرض ليلا في محاولة يائسة لاستعادة السيطرة على الشارع التونسي، حاول المتظاهرون المفرج عنهم ومنهم وديع العودة لساحة التظاهر في شارع الحبيب بورقيبة والتقوا بالحقوقي عبد الناصر العويني صاحب الهتاف الشهير” بن علي هرب، بن علي هرب”.

وشاهدوا الجيش يعود للشوارع بعد الانسحاب منها، لكنهم قوبلوا بتعقب وتحرش قوات الأمن مما اضطرهم للاختباء في شقة أحد المحامين المطلة على شارع بورقيبة حتى الصباح.

يقول وديع: ” أحسسنا بالفرح لرحيل بن علي، لكن لم نكن نعرف ماذا سيحدث بعد ذلك؟”.

ويؤكد وديع : “ظنت عائلتي أني مت أو أصابني مكروه إذ فقدوا الاتصال بي بعد أن فقدت هاتفي خلال التظاهرات ولم يكن أحد يعرف طريقي حتى عدت للمنزل في 15 يناير/ كانون الثاني. لكنني لم أكن أشعر بأي شيء ولا حتى الوقت ” فقط أشعر بالفخر بأنني في تونس الجديدة”.

وبعد 10 سنوات، يقول وديع ، إن شيئا لم يتغير في تونس فالبطالة والفقر والفساد والمحسوبية وضعف الخدمات في مناطق عدة لا تزال تراوح مكانها، إن لم تكن قد ساءت. لكنه يرى أن الحرية تحققت وحرية الرأي والتعبير أصبحا مكفولين وهما مكسبان لم يكونا ليتحققا لولا ثورة الياسمين ، لكن مازال الطريق طويلا لتحقيق بقية المطالب”.

ويتحسر وديع على الاتحاد واللحمة اللذين بديا خلال فترة التظاهر في مقابل “التشرذم والتحزب” اللذين حدثا لاحقا. ويقول “ظهر الكثير من المنتفعين والمدعين منذ 2011، وظهرت أحزاب ووجوه لم يكن لها أي وجود أثناء الثورة وليس لها أي دور أو مشروع على الأرض”. ومع ذلك فهو ليس نادما على المشاركة في الثورة وقال “يكفيني شرف خوض الحرب بصرف النظر عن النصر فيها من عدمه”.

وبعد الثورة انخرط وديع في العمل الحزبي المنظم، وانضم للجبهة الشعبية ، وهى ائتلاف يضم 11 حزبا وتجمعا تأسس عام 2012 – لكنه تركها وعاد للعمل كناشط ميداني وناشط في المجتمع المدني دون الانضمام لأى حزب سياسي.

وعلى المستوى الشخصي، تغيرت حياة وديع بعد الثورة كثيرا ، حيث تزوج وأنجب بنتا عمرها الآن 4 سنوات، ويعمل في متجر للسلع الغذائية براتب ضعيف جدا كما يقول، لكنه لا يزال يحتفظ بالقفص الذي يخرج به كل عام في ذكرى رحيل بن علي في شارع الحبيب بورقيبة ليذكّر بأن مطالب المتظاهرين لا تزال مرفوعة، لكن هذه المرات يخرج وديع وحيدا وليس محاطا بالآلاف كما كان الحال في 2011.

كما شهد جهد وديع التوعوي حالة من النشاط بعد الثورة حيث أخرج عدة مسرحيات تؤرخ للثورة التونسية التي كان شريكا فيها فأخرج عروضا بعنوان (صمود – الثورات العربية – نسور الشارع). ويؤكد “الأمل لا يزال موجود أن ما نادينا به سيتحقق يوما ما طالما لازلنا قادرين على المطالبة به”.

إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولك عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com