رقص في الكنيسة: قصة شراكة بين راقص وكاهن من أجل بيروت

ليس هذا عرضاً راقصاً فحسب، بل قصة شراكة غير مألوفة، بين راقص وكاهن، وحّدا جهودهما لفتح منفذٍ للهواء، في مدينة تختنق.

الراقص هو ألكسندر بوليكيفيتش الذي يقدّم بدءاً من الجمعة، وحتى الأربعاء المقبل، عرضه الجديد بعنوان “عليهم”، داخل قبو كنيسة “مار يوسف” في شارع مونو البيروتي.

أمّا الكاهن، فهو الراهب اليسوعي غابريال خيرالله، أستاذ الأدب في جامعة “القديس يوسف”، والمشرف على الكنيسة، الذي دعا ألكسندر لتقديم عرضه الراقص فيها.

يقع قبو الكنيسة العتيق، في حيّ تراثي، على أطراف منطقة الأشرفيّة. خلال العقد الماضي، احتضن الفضاء ذو الجدران الحجريّة، حفلات موسيقى كلاسيكيّة، ومعارض تشكيلية، وسهرات إنشاد وترنيم.

خلّف انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس/ آب الماضي، أضراراً بالغة في الشارع، ولا تزال أعمال الترميم مستمرّة داخل الكنيسة. ولم تتعاف بيروت بعد من أثر الكارثة، فلا تزال في الأحياء المجاورة، آثار الدمار واضحة.

على بعد أمتار من الكنيسة، يقع “مسرح مونو” الذي كانت برمجته تزدحم بالعروض في مثل هذا الوقت من السنة. وهنا أيضاً، مكتبة عامة صغيرة، هجرها الزوار المعتادون، خصوصاً الأطفال من رواد حلقات قراءة الحكايات، بسبب إجراءات الوقاية من كورونا.

يفكّر ألكسندر بكيفية توزيع الكراسي التزاماً بالتباعد الاجتماعي، ويشرح الخريطة لـ”أبونا غابي”، كما يناديه. من النادر أن ترى هذا النوع من التواطؤ بين عالمين، تفصلهما خطوط حادّة في بيروت: عالم رجال الدين، وعالم أهل الفنّ.

في لبنان، من الشائع أن تسمع بعض الفنانين “يستعيذون” من أسماء بعض الكهنة المعروفين، قبل عرض فيلم أو مسرحية. فقد كانت بعض الشخصيات الكنسية النافذة، من أبرز المحفّزين على اتساع مساحات الرقابة خلال السنوات الماضية، وقادت حملات غاضبة لمنع أعمال فنيّة.

بلغ ذلك الصدام ذروته في صيف 2019، بعد إلغاء حفلة لـ”مشروع ليلى” في “مهرجان جبيل”، إثر حملة غضب على مواقع التواصل، اتهمت الفرقة بـ”الإساءة للديانة المسيحية”.

لكن غابريال خيرالله كان مع ثلاثة كهنة آخرين، بين لائحة الموقعين على بيان دعم للفرقة، أعلنوا فيه عن التمسّك “بالتعدّدية الدينية وبحرية التعبير في مواجهة العنف”.

يخبرنا الكاهن أنّه بات يطفئ هاتفه كي لا يتلقّى وابل الرسائل اللائمة عند اتخاذه مواقف تتعارض مع توجهات بعض إخوانه المحافظين. ولا يبدو أنّه سينجو من العتب واللوم، بعد عرض “عليهم”، لكنّه اختار المجازفة، لأنّ “بيروت تحتاج إلى فسحة رجاء وفرح وسط كلّ هذه البشاعة التي خلّفها التفجير”، كما يقول لنا.

في كلّ المؤسسات ذات التقاليد الراسخة، ستجد بعض البعض – مثل الكاهن غابريل – ممن يحاولون تحريك المياه الراكدة. ولا شكّ أنّ استضافة عرض راقص أشبه بحصى كبيرة ترمى على السطح.

فصحيح أنّ قبو الكنيسة استضاف عروضاً فنية كثيرة في السابق، لكنه لم يحتضن عروضاَ راقصة، وبالطبع، ليس لفنان بجرأة ألكسندر بوليكيفيتش المعروف بحماسته لـ”دغدغة” المحظور.

حين انطلق ألكسندر في مسيرته الفنية قبل أكثر من عشر سنوات، كان عمله صادماً بالنسبة لكثر لم يعتادوا على رؤية رجل يحترف “الرقص الشرقي”. تسمية ثار عليها الراقص والمصمّم اللبناني، لما تحمله من شحنة استشراقية، وأعلن استبدالها بعبارة “الرقص البلدي” النابع من تقاليد أصيلة لدى شعوب المنطقة العربيّة.

بعد مئات العروض والمحاضرات وصفوف التدريب، بين لبنان والخارج، رسّخ بوليكيفيتش مقاربته لذلك الفنّ، مازجاً بين تأويله الخاص للحركات البلديّة المعروفة، وروحية الرقص المسرحي التعبيري المعاصر؛ لهذا، فإنّك حين تشاهد عرضاً له، لا تعرف إن كنت تتابع وصلة للفنانة المصرية دينا مثلاً، أو عرضاً لرائدة المسرح الراقص الألمانية بينا باوش.

يستقي الراقص من تاريخ تحية كاريوكا وبديعة مصابني إرثاً، يجعل من “هزّ الوسط”، فعلاً سياسياً. هكذا، قدّم في عروضه المتتالية “محاولة أولى” (2009) و”تجوال” (2011) و”إلغاء” (2013) حكاية الأجساد المقموعة والملغاة، وجسّد بحركته ما تتعرّض له من تضييق، وعنف، وانتهاك.

وفي عرض “بلدي يا واد” (2015) عاد إلى وصلات كاباريه تقليديّة، مسخراً جسده للتلاعب بالأدوار الجندرية المتوقّعة من “الرقّاصات، والعوالم، والغوازي”.

حسناً، كيف يمكن إدخال عالم مماثل إلى جغرافيا عابقة بالمقدّس، مثل الكنيسة؟ نسأل الكاهن غبريال خيرالله، فيجيب: “في العهد القديم، رقص داوود أمام تابوت العهد. الرقص فعل روحاني، فيه يمجّد الجسد الربّ، فلماذا لا نستقبل ألكسندر”؟

يرى خيرالله أنّه “ليس من الضروري أن يكون موضوع الفنّ دينياً، لكي يحكي عن الله. الجمال بحدّ ذاته يحكي عن الله، وحين يعبّر الانسان عن وجعه وتطلّعاته، فهو يعبّر عن الحياة التي منحنا إياها الخالق، لذلك، باعتقادي، ليس هناك فنّ ملحد”.

لم يكن اللقاء بين الكاهن والراقص بهدف فنيّ في البداية، بل خلال مشاركة ألكسندر في جهود تأمين بعض المستلزمات الأساسية للعائلات التي تضرّرت بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس/ آب الماضي.

بيت الراقص لم يسلم من التفجير، إذ دمّر بالكامل، كغيره من بيوت الأحياء القريبة من المرفأ. هكذا، خسر في عام واحد بيته، وأمواله المحتجزة في المصارف اللبنانية، مع باقي المودعين.

يمكن القول إنّ هذا العام، كان عام الخسائر الشاملة بالنسبة إلى بوليكيفيتش. جاء دمار منزله، ليكلّل أشهراً من الحداد على وفاة والده، بعد فترة صعبة من العلاج، أمضاها بجانبه في المستشفى، يستمع إلى أنفاسه الأخيرة، ويهمهم له ألحاناً يحبّها.

أمضى ألكسندر أشهر الاحتجاجات الشعبية الست كاملة في الشارع، يرقص، يصرخ، يصفّق، ويفرّ من وجه قوى الأمن، بينما البلد يواصل سقوطه نحو القاع. وفي ليلة 14 يناير/ كانون الثاني الماضي، كان يشارك في الاحتجاجات أمام المصرف المركزي، حين جرّه عناصر أمن من شعره، وأوسعوه ضرباً.

ثمّ حلّ الوباء، فتوقّفت كلّ مشاريعه الفنية المبرمجة في الخارج، ومنها عرض وإقامة فنيّة في باريس وبروكسيل.

وفي غمرة الحداد والغضب والخوف من المجهول، قرّر الانسحاب من علاقة سامّة وعنيفة، وانزوى في قرية أمّه الجبليّة، في شمال لبنان، حيث اشتغل على عرضه الراقص وحيداً كالنسّاك، كأنّه “في خلوة روحيّة”، كما يخبرنا.

بين أشجار العزر والسنديان، وبين صخور الجرود العالية، تنشّق الهواء النظيف، بعيداً عن جوّ العاصمة المثقل بالخيبات. “الحداد إن حبسناه في داخلنا، مؤذٍ جداً، لذلك كنت بحاجة لأن أصرّفه من خلال المشي في الطبيعة، والتناغم معها. كما أنّ الوحدة تحفّز على مواجهة النفس”، يقول.

من خلال عرض “عليهم”، يعيد بوليكيفيتش خلق ما يسمّيه بدرب الجلجلة التي مرّ بها خلال الأشهر الماضية، يفكّك شيفرة الألم والحداد، لينجز منها عملاً فنياً، هو أشبه “بردّ اعتبار” للأجساد المنهكة كافة.

مساحة العرض خالية إلا من صندوق خشبي، يشبه التابوت. لا إضاءة، لا ديكور، ولا بدلات رقص مزركشة كالتي ارتداها في عروضه السابقة. يخبرنا: “حين خسرت بيتي في تفجير المرفأ، ألغيت كلّ شيء أعددته لهذا العرض، الموسيقى، والملابس، وكلّ شيء. قررت أن أرقص بجسدي فقط، لأنّه كلّ ما بقي لي”.

كلّ عنصر في العرض، إعادة تحوير للحظة مؤلمة عاشها الراقص خلال السنة الماضية. حين ضرب على يد رجال الأمن، عاد إلى بيته فجراً، وبدأ بالرقص، رغم أنّ جسده كان يتلوّى من آثار العنف. تلك المحاولة الصعبة للرقص رغم الألم، جعلها مدخلاً للعرض. هكذا، يبدأ “عليهم” بدخول ثقيل، نراه يجرّ أقدامه جراً، متكوّراً على ذاته، كأنّه جنين يحاول أن يمزّق غشاء الرحم، أو كأنه يحمل صلبياً أو حجراً ثقيلاً.

الجسد هو الأداة الوحيدة، هو كلّ ما بقي للراقص الذي جرّد من كلّ ما يملك. تتالى حركاته كأنّها في دورة موتٍ وسكون وارتجاف وولادة. تارة يتعارك مع مساحته الضيّقة داخل الصندوق، يضرب جدرانه ويحاول زحزحتها، وطوراً يحرّك ذراعيه كطائر يحاول تعلّم التحليق للمرّة الأولى.

على امتداد أربعين دقيقة، يهدم ألكسندر هيكل جسده ويعيد بناءه أمامنا، كأنّه مجسّم عن انهيار المدينة فوق رؤوس سكانها، وكأنّه يحمل علامات كل الأجساد التي خافت، وارتبكت، وتشوّهّت، وانتفضت، وحاولت الطيران في بيروت.

بين سكرة الموت، ورعشة الحياة، يخوض الراقص في مساحة العرض الضيقة، رحلة روحانية، فيدور حول نفسه كالدراويش، كأنّه يتطهّر من آثار الحداد والاختناق. كلّ ذلك على لحن تهويدات حزينة بصوته العاري، من دون موسيقى، ومن دون إيقاع، في استعادة للحظات الفراق الأخيرة مع والده.

يحوّل الصندوق من تابوت إلى آلة ايقاعيّة ومنصّة للرقص. في إحدى محطّات العرض، يوقعه أرضاً ليصدر ضوضاء رهيبة، ثمّ يقف عليه متسلّحاً قناع مضاد للغازات المسيلة للدموع، مستعيداً لحظات الرقص والتصفيق والركض في الشارع.

يخبط بأقدامه على الصندوق، ويهزّ خصره في حركة هستيرية، يستعيد من خلالها مكانة الجسد الراقص كأداة للانتفاض على الظلم والحزن، على القوالب التي تحاصر الراغبين بالتغيير.

هكذا، فإنّ “عليهم” ليس عرضاً راقصاً فحسب، هو قصّة جسد يقاوم. إنّها قصّة رحلة روحانيّة خاضها الراقص بعد الحداد، وبعد الانتفاضة، وخلال الجائحة، ليواجه نفسه ويجدها.

يقول ألكسندر: “ولدت في ديانة ترفضني، وكنت أشعر أنّ الله لا يريدني، لذلك فإنّ العرض داخل الكنيسة يعني لي الكثير. العرض في ظروف صحيّة واقتصادية مماثلة، أشبه بردّ اعتبار لمفهوم التعاضد، لذلك أردت تقديم العرض مجاناً، كهديّة لأهالي بيروت في نهاية هذا العام الصعب. وهو أيضاً تحدٍّ لنمط الحياة الذي فرضته مقتضيات الجائحة، لأذكّر أنّه علينا أن نعود للعمل والرقص والعرض في مساحات ملموسة، وألا نعتاد على نقل حياتنا بأكملها إلى الأونلاين”.

إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولك عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com