Home » بي بي سي » روني واللص والصراع من أجل تحقيق حلم
أوشيرو عندما كان مراهقا

Paul Watsonأوشيرو عندما كان مراهقا

في صباح يوم بارد ومظلم في منغوليا يغادر صبي مراهق خيمة عائلته ويتوجه إلى المدرسة في جو ضبابي كثيف ومعتم.

إنها الساعة السادسة صباحاً، ودرجة الحرارة 20 درجة مئوية تحت الصفر.

لا تفتح المدرسة 107، التي تقع على أطراف العاصمة أولان باتور، أبوابها إلا بعد ساعتين من ذلك الوقت، لكن أوشيرو باتبولد يحمل معه مفتاح المدرسة.

كان يُسمح للشاب البالغ من العمر 14 عاماً بالدخول إلى صالة الألعاب الرياضية في المدرسة، وإضاءة الأنوار والتدرب بمفرده.

كان يركل الكرة باتجاه الحائط، ويجري خلفها ثم يقفز هنا وهناك ويتصبب عرقاً، رويداً رويداً يصبح أداؤه أفضل.

ومع اقتراب الساعة الثامنة صباحاً، يبدأ بتغيير ملابسه، ويغادر صالة الألعاب الرياضية ليبدأ حضور دروسه الاعتيادية. ولكنه أثناء الحصص الدراسية، غالباً ما يسافر بخياله إلى عالم كرة القدم.

ويحلم الصبي بأن يصبح لاعب كرة قدم والانتقال للعيش في الخارج. كما يحلم بأن يذاع صيته واسمه كالمشاهير أو على الأقل، أن يُطبع اسمه على قميصه مثل لاعبي كرة القدم المحترفين.

وكان من المذهل أن يقدم له هذا العرض في وقت أسرع مما تخيل، لكن العرض والحلم ليسا كما يبدوان.

أدى الحظر الأخير لحرق الفحم إلى تحسين جودة الهواء الذي اعتاد أن يكون ملوثاً في مقاطعة جيرTaylor Weidman/LightRocket via Getty Imagesأدى الحظر الأخير لحرق الفحم إلى تحسين جودة الهواء في مقاطعة جير

البداية من بلاي ستيشن

كان أوشيرو باتبولد في الخامسة من عمره عندما انتقلت عائلته من مقاطعة توف إلى أولان باتار.

بالنسبة للمنغوليين الريفيين إنها رحلة اعتيادية، فهناك المزيد من الفرص في العاصمة.

ومثل العديد من الوافدين الجدد، انتقلت الأسرة إلى حي تقليدي حيث نُصبت الخيام المستديرة بين المباني الإسمنتية والقرميدية. في الشتاء، يخنق دخان المداخن الجو المتجمد أصلاً من شدة البرد.

كرة القدم ليست الرياضة الرئيسية في منغوليا. فالمناخ هناك يلائم الرياضات والألعاب التي تمارس في الصالات المغلقة، لذلك يتنافس معظم الفتيان للعب كرة السلة.

ولكن عندما كان مراهقاً، اعتاد أوشيرو على لعب كرة القدم على جهاز “بلاي ستايشن”، عرّفه أصدقاؤه الأكبر سنا على فريق مانشستر يونايتد، فتعلق به منذ ذلك الحين.

أراد أن يكون مثل واين روني، لذلك بدأ في التدريب على الكرة، وعندما حلَّ فصل الشتاء، تحدث إلى المشرف على مدرسته، وحصل على المفتاح وباشر بالتدريب في صالة الألعاب الرياضية كل صباح.

وبعد عامين من بدء اللعب، انضم إلى فريق لكرة القدم، وفي نفس الوقت ظهر في برنامج تلفزيون “الواقع” فيمنغوليا.

أوشيرو (يرتدي قميص مانشستر يونايتد الأبيض) خلال حصة في صالة الألعاب الرياضية بالمدرسة حيث تدرب بمفردهPaul Watsonأوشيرو (يرتدي قميص مانشستر يونايتد الأبيض) خلال حصة في صالة الألعاب الرياضية بالمدرسة حيث تدرب بمفرده

برنامج تلفزيوني

في الوقت الذي نشأ فيه رجل الأعمال إنكجين بات سومبر، في منغوليا، كانت كرة السلة هي الرياضة الرئيسية.

يقول بات سومبر (37 عاماً): “بالنسبة إلينا، كان نجوم زماننا أمثال اللاعب مايكل جوردان وفريق “شيكاغو بولز” لكرة السلة، “لكنني أصبحت من مشجعي كرة القدم بفضل والدي، الذي كان من أشد المعجبين ومشجعي فريق تشيلسي اللندني وجيله كان متأثرا بشدة بالاتحاد السوفيتي السابق”.

كان إنكي متحمساً لكرة القدم في منغوليا، لكنه كان محبطاً. كان يعتقد أنه لا توجد فرص للاعبين الشباب، ويفضل المشجعون مشاهدة الدوري الإنجليزي الممتاز.

يقول: “بالفعل، لم تكن تحظى باهتمام أحد”.

في عام 2013، أنشأ إنكي فريقه الخاص وسماه “بيان غول إف سي”، كان بحاجة إلى المساعدة لذلك اتصل ببول واتسون، وهو رجل إنجليزي ألف كتاباً عن تدريب كرة القدم في جزيرة ميكرونيزيا النائية التي لم تكن تعرف كرة القدم.

يقول بول: “كان يعلم أنني مجنون بما يكفي لأخذ شيء كهذا على عاتقي”.

بعد أن سافر بول إلى منغوليا في أكتوبر/تشرين الأول 2013 ، تم اختبار لاعبين جدد من قبل النادي، وصًورت تلك المواهب لبرنامج تلفزيوني منغولي تحت عنوان “حلم فريق”.

كان أوشيرو أحد هؤلاء اللاعبين، لم يكن الأكثر موهبة، لكن إنكي وبول أحبا سلوكه وموقفه.

وفي صبيحة أحد الأيام، توجها إلى المدرسة 107 لمعرفة ما إذا كان حقاً يتدرب في الساعة السادسة صباحاً.

يقول إنكي: “مررنا عبر التلال في جو ضبابي كثيف ومتجمد، لقد رأيناه هناك، كان يتدرب بمفرده في صالة الألعاب الرياضية، مستخدماً الحائط والقفز على الكراسي. لن أنسى ذلك المشهد أبداً”.

واتخذ الاثنان القرار، فكان أوشيرو البالغ من العمر 16 عاماً، من ضمن فريق العرض.

كان فريق بيان غول ناجحاً، واحتل المركز الثاني في الدوري غير الرسمي، ثم انتقل إلى الدوري الرسمي.

بعد الفوز ببطولة الهواة، خاض الفريق مباراة في دوري الدرجة الثانية عام 2015 وبعدها انتقل إلى الدوري المنغولي الممتاز، ولكن خلال حفل العشاء الذي أقيم احتفالا بذلك، لم يكن الجميع سعداء.

يتذكر بول: “كان أوشيرو شارد الذهن بشكل غير عادي من بيننا بعد أن تم الاعتراف بنا رسمياً” وحينها روى لنا ما حدث معه.

المدرسة 107 ، في أولان باتور ، حيث درس أوشيروPaul Watsonالمدرسة 107 ، في أولان باتور ، حيث درس أوشيرو

احتيال عبر القارات

تقرّب وكيل مقيم في الولايات المتحدة من أوشيرو عبر فيسبوك، مقدماً له عرضاً بخوض تجربة اللعب مع فريق كرة قدم أمريكي مشهور، لوس أنجلس غالاكسي.

وطلب الوكيل من أوشيرو مبلغاً قدره ستة آلاف دولار كرسوم للانضمام إلى الفريق، وبالفعل دفعها الفتى المراهق.

يقول بول: “لقد قال لنا إن لا أخبار من الوكيل، انقطع الاتصال، لكنه لا يعرف لماذا”. “لكننا كنا نعلم الكثير منذ البداية.”

عندما تقرب “الوكيل” من أوشيرو ، أراد المراهق طلب نصيحة بول.

يقول بول: “لكن الطريقة التي يعمل بها هؤلاء الرجال هو أنهم يطلبون من اللاعب ألا يخبر أحداً، وخاصة ناديهم مقنعين إياهم بأنهم إذا فعلوا ذلك، فلن يسمح لهم النادي بالمغادرة”.

لذلك تم خداع أوشيرو، والأسوأ من ذلك أن أسرته رهنت منزلها كضمان لاقتراض المال، وهذا يعني إنهم سيخسرون منزلهم. يقول إنكي: “باختصار، أصبح وضعهم على المحك”.

وبعد خمس سنوات مما جرى قال أوشيرو إن “اليأس” أوقعه في شباك المحتالين.

يقول: “كنت أرغب بتصديق أي شخص قد يساعدني، لقد كان قراراً مبنياً على الأحاسيس”.

بعد إخبار بول بالقصة أثناء وجودهم في المطعم، عادوا إلى شقة الرجل الإنجليزي.

يقول بول: “كان يبكي وهو يحكي لنا كل التفاصيل، لقد كان أمراً مروعا للغاية”.

وبمجرد حصول المحتال على الأموال، توقف عن الرد على رسائل أوشيرو، لكنه فقط رد عليه عندما أخبره المراهق إن لاعباً آخر يريد خوض التجربة في لوس أنجلوس وأنه مستعد لدفع المال، عندها فقط رد المحتال.

اتصل به بول، فرد المحتال بحذر، حصل بول على عنوان في لوس أنجلوس، وأبلغ الشرطة، ولكن دون جدوى. باختصار لقد ضاع المال.

بيان غول (إنكي في الوسط) ناد يركز على الشبابBBCبيان غول الآن ناد ناجح يركز على الشباب

يأس

لم يكن أوشيرو أول لاعب يتم خداعه من قبل وكيل مزيف. فهناك عدد لا يحصى من القصص، وكثيراً ما حذر اتحاد اللاعبين من ذلك. “لقد كانت ضربة كبيرة له ولاسرته”. “أمر غير قابل للتصديق”.

ورغم أن احتمالات النجاح الضئيلة، إلا أن بول قرر أن يجمع المال لأوشيرو.

يقول بول: “إنه أحد هؤلاء الأطفال الذين إذا قابلته، لا بد أن تحبه”. “ولكن أيضاً، عندما تتعامل مع نادٍ مثل نادينا، تشعر أنك مسؤول جداً عنهم”.

وأطلق بول حملة لجمع التبرعات، وطلب من مشجعي ومحبي كرة القدم تغطية الخسارة التي لحق بأوشيرو، قائلاً إن هذا سيغير حياة المنغولي المراهق.

وبالفعل لاقى استجابة جيدة وبدأت الأموال تأتيه شيئاً فشيئاً.

وبعد أن غطت صحيفة “إيفنينغ ستاندرد” اللندنية، القصة وظهر بول في عدد من البرامج الرياضية، تم جمع المبلغ المطلوب بمساعدة مشجعي فريق مانشستر يونايتد الذي يقتدي به المنغولي المراهق.

وهكذا حافظت الأسرة على منزلها، ورغم ذلك، فكر المراهق الذي تعرض للاحتيال في التخلي عن كرة القدم نهائياً.

الاحتيال الالكتروني: محامي نجم انستغرام نيجيري يتهم اف بي اي باختطاف موكله من دبي

رياضية تنتحر بسبب انتهاكات وتحرش على يد مدربيها في كوريا الجنوبية

أوشيرو في فريق "يو بي سيتي"BBC

ماذا حدث؟

يقول أوشيرو: “بعد عملية الاحتيال، فقدت الثقة كلياً”. “ولكن بعد جمع التبرعات ومشاعر التضامن، عادت إلي ثقتي وإيماني”. فعاد ثانية للعب مع فريق بيان غول في الدوري المنغولي عام 2016. لكن مستوى الفريق كان قد هبط.

وعندما احتل بيان غول المركز الخامس في دوري الدرجة الثانية عام 2017 وتم حل فريق البالغين، شعر أوشيرو أن مسيرته الرياضية قد شارفت على النهاية.

وبعد غيابه عن موسم 2018 بسبب الإصابة، وقع أوشيرو عقدا للعب مع فريق جديد يدعى “يو بي سيتي” وهو فريق غني وواحد من خمسة أو ستة أندية منغولية تدفع رواتب شهرية للاعبيها.

وفي عام 2019، نال الفريق لقب البطولة في منغوليا.

وقبل أسبوعين لعب في مباراة كأس منغوليا الكبرى، وعندما تعود الأوضاع كما كانت سابقاً قبل انتشار فيروس كورونا، سيلعب فريق “يو بي سيتي” في بطولة كأس آسيا.

أوشيرو مرتدياً قميص فريق "يو بي سيتي"BBCأوشيرو مرتدياً قميص فريق “يو بي سيتي”

وقد لا يكون ذلك مثل اللعب في الدوري الإنجليزي الممتاز أو في فريق مانشستر يونايتد. لكن اسم أوشيرو موجود على ظهر قميص الأبطال.

ويقول بول: “إنه أمر لا يصدق في الواقع عندما تفكر في الأمر”.

“إن اللعب لصالح أفضل فريق في أي بلد ليس بالأمر السهل. ولا يمكنك تخيل تدريب أسوأ من أن يقوم شخص بذلك عبر ركل الكرة لنفسه منفرداً في صالة ألعاب رياضية باردة إلى درجة التجمد”.

“هناك رسالة ملهمة حقاً، ليس فقط للأطفال الذين وقعوا ضحية للاحتيال، ولكن لأي شخص ينشأ في ظروف لا توفر طريقاً واضحاً نحو المستقبل ولا تقدم إلا القليل من الفرص”.

“قد لا يكون ذلك شبيهاً بعالم ديزني أو اللعب مع مانشستر يونايتد. ولكن من الجيد جداً اللعب لصالح أفضل فريق في بلدك”.

وأوشيرو الملقب باسم وازا، على اسم واين روني، لا يزال يحلم باللعب في الخارج وتمثيل بلاده.

أوشيروBBCأوشيرو يحمل كأس بطولة منغوليا

لقد تغيرت أشياء كثيرة منذ تلك الحصص الفردية في المدرسة 107 – ولكن الطموح ظل نفسه.

ويقول أوشيرو: “أريد أن أشكر كل من ساعدني في مسيرتي”. “سأفعل كل ما بوسعي كي لا أخذلكم، وسأبذل قصارى جهدي حتى النهاية”.

ومتسلحا بهذه الثقة، يتوجه أوشيرو للتدريب كمحترف وبطل ولاعب كرة قدم لم يخسر المعركة أمام لص.

إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولة عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com