Home » بي بي سي » جورج فلويد: هل تنتهي العنصرية بإزالة تماثيل زعماء أوروبا؟
متظاهرون يجرون تمثالا على الأرض

Getty Images

ربما لم يتوقع إدوارد كولستون، “تاجر البحار” البريطاني في القرن السابع عشر الميلادي، أن ينتهي الحال بتمثاله الذي توسط مدينة بريستول لأكثر من مئة عام، مُلقى تحت المياه التي جابها، احتجاجاً على ماضيه الملوث بتجارة الرقيق.

لكن كولستون ليس وحده، فخلال الأسابيع الماضية لقي كثير مٍن تماثيل مَن كان يُنظر إليهم كرموز وأبطال في أوروبا والولايات المتحدة، مصيرا مشابها. وبعد أن كانت هذه التماثيل تنتصب شامخة فوق رؤوس المارة، وجدت نفسها الآن تحت الأقدام وفي قاع الأنهار.

وإذا حدث ومررتم بجانب تمثال “حامي بريطانيا العظمى”، ورئيس وزرائها السابق إبان الحرب العالمية الثانية، وينستون تشرشل، والذي كان واحدا من أبرز معالم ساحة البرلمان في لندن، فإنكم ستجدونه محاطاً بألواحٍ عالية وصفوفٍ من الشرطة.

ومن المحتمل أنكم إن قررتم زيارة التمثال في المستقبل، لن تجدوه هناك.

تمثال كولستن تحت ركبة متظاهرPA Media

تماثيل عنصرية

ما بدأ كاحتجاجات ضد “وحشية الشرطة” الأمريكية بعد مقتل جورج فلويد، توسع ليشمل ما هو أشبه بمحاكمة “شعبية” لتاريخ العبودية والعنصرية على أيدي المحتجين الغاضبين.

وامتلأت شاشات التلفزة وصفحات التواصل الاجتماعي بمشاهد إزالة تماثيل قادة تاريخيين وتخريبها، ما أعاد لأذهان المتابعين في العالم العربي لحظات تحطيم تماثيل قادة ورؤساء عرب كحافظ الأسد في سوريا وصدام حسين في العراق.

ففي بريستول، نفّذ أحد المحتجين محاكاة لمقتل جورج فلويد تحت ركبة شرطي أمريكي أبيض، بوضع ركبته فوق رقبة تمثال إدوارد كولستون المسجى على الأرض، في مشهد جسد نوعا من أنواع “العدالة المستعادة”.

أما في بلجيكا، فقد وقع أكثر من ثمانين ألف شخص على التماس إلكتروني يطالب بإزالة تمثال الملك ليوبولد الثاني. الذي – كما يقول الالتماس – “بطلٌ للبعض، لكنه قاتلٌ جماعي لعدد كبير من الناس فقد قتل أكثر من ١٠ ملايين كونغولي في غضون 23 عاما، دون أن تطأ قدمه الكونغو.”

وفي أمريكا، كتب بعض المحتجين عبارة “مالك رقيق” على تمثال جورج واشنطن، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة وأول رؤسائها. وفي عبارة ساخرة، كُتب على الجانب الآخر للتمثال، “حمى الله أمريكا” بإعادة حرف الكاف ثلاث مرات، في إشارة لجماعة الـ “كو كلوكس كلان”، والتي تؤمن بتفوق العرق الأبيض.

وقام آخرون بقطع رأس تمثال كريستوفر كولومبوس مكتشف “العالم الجديد”، ما أثار مقارنات مع مشاهد تحطيم وقطع رؤوس تماثيل تاريخية على يد تنظيم الدولة الإسلامية وغيره من الجماعات المتشددة.

شهدت عدة ولايات أمريكية تخريب عدد من تماثيل كولومبوسGetty Images

شهدت عدة ولايات أمريكية تخريب عدد من تماثيل كولومبوس

أما في لندن، استُهدف تمثال رئيس الوزراء البريطاني الأشهر ونستون تشرشل، والذي يعتبره العديد من البريطانيون بطلا غيّر موازين الحرب العالمية الثانية، وحمى أوروبا من خطر النازية، وإن كان المحتجون الذين قاموا برش تمثاله بعبارة “كان تشرتشل عنصريا”، يركزون على ما يرونه أدوارا إجرامية له، ذاكرين مجاعة بنغال (عام 1943)، التي أودت بحياة ثلاثة ملايين شخص على الأقل.

وفي حديث مع بي بي سي، عبّرت حفيدة تشرتشل، إيما سومز، عن حزنها بسبب تحول جدها من شخصية “وحدت” البلاد إلى شخصية جدلية، معربة عن تفهمها لسبب الشرخ المرتبط بآراء جدها “غير المقبولة” اليوم. وأضافت سومز أن بريطانيا “وصلت إلى مرحلة، يتم فيها النظر إلى التاريخ بمنظار الحاضر”.

هل نعدّل التاريخ؟

يبدو أن رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، لا يميل لهذا الرأي. فجونسون – الذي نشر كتابا عن حياة تشرشل – غرد تعقيبا على الأحداث الأخيرة قائلاً إنه “لا يمكننا الآن محاولة تعديل ماضينا.. لا يمكننا التظاهر بأن لدينا تاريخا مختلفا.. وفي إزالة التماثيل كذب على التاريخ”. وأضاف: “من الواضح أن الاحتجاجات قد اختُطفت من قِبل جماعات تعتزم العنف”.

وتعكس الانتقادات التي وجهها جونسون لمحطمي التماثيل امتداداً لرأي قطاع عريض من الأوروبيين والأمريكيين، الذين يرون أن التخريب والتحطيم الذي تعرض له رموز وقادة تاريخيين يتجاوز التعبير المشروع عن الغضب إلى محاولة “إدانة ذكرى” هذه الشخصيات، في إشارة إلى عادة في الحضارة الرومانية القديمة، تقوم على محو شخص معين من الوثائق الرسمية، أو تحطيم الشواهد المرتبطة به أو إزالة اسمه المنقوش على الجدران في محاولة لطمس ذكراه.

لكن بريامفادا غوبال، المحاضِرة في أدب حقبة الاستعمار وما بعد الاستعمار في جامعة كامبريدج، ترى أن ما يجرى لا يرتبط بمحاولة طمس التاريخ أو إعادة كتابته، إنما محاكمة السرديات التاريخية وتحدى النظرة الأحادية للتاريخ، موكدة أن “التاريخ لم يعرف لحظة اتفق فيها الجميع على أفعال أحد ما أو على شخصه.”

وتشدد غوبال أننا عندما نتحدث عن الأعمال الجيدة التي قامت بها الشخصيات التاريخية، يجب أن ندرك السياق الأوسع لهذه الأعمال، وتوضح: “الأفعال الخيرية المنسوبة لتلك الشخصيات ارتبطت أصلا باضطهاد الأقليات العرقية، فإن شارك أحدهم في عمل خيري ساهم في بناء مجتمعه، أتى ذلك على حساب الأقليات المضطهدة”.

تمثال تشرشلPA Media

جرت محاولة لتشويه تمثال تشرشل الأسبوع الماضي، وكتب عليه بالطلاء “كان عنصرياً”

وفي حين تزداد حدة الانقسام في المجتمعات الغربية حول الطريقة المثلى للتعاطي مع التاريخ، يطرح البعض طريقة وسطية للتعامل مع تماثيل القادة التاريخيين التي يدور حولها الجدل الآن.

يقول فرناندو تراكوينو، بريطاني من أصول أفريقية من بريستول، إنه لا يؤيد تحطيم تلك التماثيل، بل يفضل “نقلها إلى أمكان أنسب كالمتاحف، مثلا، عوضا عن الشوارع”.

ويضيف: “بالرغم من أنه لا يمكننا أن نغيّر من التاريخ نفسه، إلا أنه لا يتوجب علينا أن نعرض ونتفاخر بأسماء وشواهد تعود لأشخاص تسببوا بالكثير من الأذى للآلاف”.

وقد يتماشى جزء من كلام فرناندو مع توجه عمدة لندن الذي ذكّر بأن على المدينة “أن تعكس نفسها” بطريقة تناسب جميع سكانها بشكل أفضل، لكن يبقى السؤال حول كيفية إزالة هذه التماثيل، ومن المسؤول عن أخذ هذا القرار معلقا.

يقترح البعض نقلها إلى المتاحف أو المخازن، في حين يرى آخرون الاكتفاء بنقلها إلى أماكن خاصة أُسوة بالطريقة التي تعاملت بها دول في أوروبا الشرقية مع تماثيل لينين وستالين بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

ويطالب البعض بترك التماثيل التي تعرضت للتخريب دون إصلاحها أو تنظيفها، انطلاقاً من أن ما تعرضت له أخيرا أصبح يمثل جزءا من تاريخها، مذكرين بطريقة التعامل مع تمثال الرئيس الغاني المخلوع كوامي نكروما، أو حتى مع بقايا جدار برلين.

ماذا بعد التماثيل؟

لكن حتى لو توصلنا إلى طريقة مرضية للجميع للتعامل مع التماثيل والشواهد التاريخية، يشير البعض إلى إن ما يحدث الآن ما هو إلا موجة جديدة في “حرب الثقافة” داخل المجتمعات الغربية، والتي تتبع موجات سابقة كموجة “أنا أيضاً” ضد التحرش مثلاً التي يرى البعض أنها تجاوزت أهدافها الأولى لتعيد النظر في كثير من الأمور حول العلاقات الاجتماعية.

وهنا يُطرح السؤال، هل نحاسب الشخصيات التاريخية بناء على توجهاتها العنصرية فقط؟ وماذا عن أشكال الاضطهاد والتمييز الأخرى، كاضطهاد المرأة والطفل و”الآخر” المختلف بشكل عام (سواء عرقيا أو دينيا أو جنسيا)؟

وهل نقف عند التماثيل فقط؟ أم نبدأ بمراجعة المناهج الدراسية والأعمال الفنية والموسيقية؟

ويرى البعض أن أولى بوادر التوسع في نقد التاريخ قد بدأت بالفعل، مشيرين إلى قيام منصة “إتش بي أو ماكس” بإزالة فيلم “ذهب مع الريح”، الذي يعد من أشهر الأفلام الكلاسيكية في السينما الأمريكية، نظراً لتصويره للعبودية. وقد أعادت الشبكة طرح الفيلم بعد تعديلات، تتضمن تنويها في مقدمة العمل بأن بعض مشاهده تندرج تحت بنود العنصرية.

إلى أين نتجه الآن؟ هل نحاول فتح “صندوق بندورا” ونصحح تاريخنا؟ أم نتبع رأي نيلسون مانديلا – وهو أحد الرموز التي تم التساؤل عن دورها مؤخرا – حين قال: “ليس الطريق إلى التنوير عبر إخفاء تاريخنا، بل علينا أن نفهم تاريخنا وأن نواجهه”.

برأيكم

هل يتم التخلص من التوجهات العنصرية بعد التخلص من رموزها؟

هل نحاسب الشخصيات التاريخية حسب معايير عصرنا؟

ومن يحدد مصير الشخصيات والرموز التاريخية؟

وما هي الطريقة الأنسب للتخلص من رموز العنصرية في المجتمعات؟

سنناقش معكم هذه المحاور وغيرها في حلقة الجمعة 19 حزيران/يونيو من برنامج نقطة حوار في الساعة 16:06 بتوقيت غرينتش.

خطوط الاتصال تفتح قبل نصف ساعة من البرنامج على الرقم 00442031620022.

إن كنتم تريدون المشاركة عن طريق الهاتف يمكنكم إرسال رقم الهاتف عبر الإيميل على [email protected]

يمكنكم أيضا إرسال أرقام الهواتف إلى صفحتنا على الفيسبوك من خلال رسالة خاصة Message

كما يمكنكم المشاركة بالرأي على الحوارات المنشورة على نفس الصفحة، وعنوانها: https://www.facebook.com/hewarbbc أو عبر تويتر على @nuqtat_hewar

إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولة عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com