مقتل جورج فلويد: سبعة حلول لمشاكل الشرطة الأمريكية

العديد من المدن الأمريكية شهدت احتجاجات بعد مقتل فلويد

Reutersالعديد من المدن الأمريكية شهدت احتجاجات بعد مقتل فلويد

نزلت حشود غفيرة في شتى أرجاء الولايات المتحدة في أعقاب مقتل جورج فلويد للمطالبة بوضع حد لوحشية الشرطة وما يعدونه عنصرية متأصلة في أجهزة حفظ الأمن.

وطرح الديمقراطيون ردا على ذلك مشروع قانون من شأنه التصدي للتمييز. ويتضمن مشروع القانون بنودا تجبر رجال الشرطة على تثبيت آلات تصوير على بدلاتهم ومنعهم من استخدام أسلوب الإمساك بالعنق وتسهيل مهمة مقاضاتهم.

ونستعرض في ما يلي بعض الحلول المقترحة، وطرق أخرى لإصلاح أجهزة الشرطة في الولايات المتحدة الأمريكية.

1. إعادة صياغة قواعد استخدام القوة

تتبع معظم أجهزة الشرطة في الولايات المتحدة قواعد “لاستخدام القوة” تحدد المواقف التي يمكن لرجال الشرطة استخدام القوة (أو العنف) فيها. وتتباين هذه القواعد بشكل كبير بين جهاز وآخر. فعلى سبيل المثال، تحظر شرطة نيويورك منذ عام 1993 استخدام أسلوب “الإمساك بالعنق” كما حدث في حالة جورج فلويد.

وأجبر كثير من أجهزة الشرطة على إعادة النظر في قواعد استخدام القوة التي تتبعها وإعادة صياغتها بعد كل حادث قتل يرتكب بيد رجالها، وذلك استجابة لتعليمات فدرالية. فقد غيّرت مدينة بالتيمور في ولاية ماريلاند مثلا سياقات عمل جهاز الشرطة فيها في عام 2019 تماشيا مع مرسوم فدرالي أصدرته وزارة العدل عقب مقتل فريدي غراي. وتنص القواعد المعمول بها حاليا في المدينة على ضرورة الإخبار عن الحالات التي استخدمت القوة فيها وتجبر عناصر الشرطة على التدخل في حال رؤيتهم أحد أفرادهم يستخدم القوة المفرطة بشكل غير مبرر.

وبعد مقتل جورج فلويد، أجبر مجلس مدينة مينيابوليس جهاز الشرطة في المدينة على حظر استخدام أسلوب الإمساك بالعنق، كما ألزم رجال الشرطة بالتدخل أذا لجأ أحد زملائهم إلى استخدام العنف المفرط.

ويقر مؤيدو هذه الإصلاحات بأن مجرد إعادة صياغة القواعد المتبعة لن تمنع تكرار حوادث القتل مثل حادثة فلويد، وأن العنف المفرط ما زال يستخدم ضد الملونين. وأظهر تحليل أجرته صحيفة نيويورك تايمز أن نسبة استخدام شرطة مينيابوليس العنف ضد السود تزيد عن نسبة استخدامه ضد البيض بسبعة أضعاف.

2. خفض الإنفاق على الشرطة

يقول المحتجون إن المدن والولايات الأمريكية تنفق مبالغ طائلة ومفرطة لتمويل أجهزة الشرطة فيها على حساب التعليم والصحة العقلية والإسكان وغيرها من مجالات الخدمات الاجتماعية. وثمة مطالبات متزايدة للزعماء السياسيين بخفض الإنفاق على الشرطة (وليس إيقافه بشكل نهائي).

آلاف الأمريكيين احتجوا على مقتل فلويدReutersآلاف الأمريكيين احتجوا على مقتل فلويد

وقد استجاب رئيس بلدية مدينة لوس أنجيليس في ولاية كاليفورنيا لهذه الدعوات، فقام بخصم مبلغ 150 مليون دولار من الزيادة المقترحة لميزانية شرطة المدينة. كما تعهد رئيس بلدية مدينة نيويورك بيل دي بلاسيو بتحويل جزء من الأموال المخصصة لشرطة مدينته نحو الخدمات الاجتماعية، ولكنه لم يحدد حجم هذه الأموال.

وفي مينيابوليس، تطالب منظمة تطلق على نفسها اسم “جمعية الرؤى السوداء” مجلس المدينة بالتعهد بعدم زيادة ميزانية شرطة المدينة وتحويل مبلغ 45 مليون دولار من ميزانية الشرطة الحالية إلى تعزيز ميزانية المدينة على خلفية جائحة فيروس كورونا.

وقالت المنظمة في بيان “هذا هو الوقت المناسب للاستثمار في مستقبل آمن ومتحرر لمدينتنا، إذ ليس بمقدورنا أن نواصل تمويل هجمات الشرطة على أرواح سكاننا من السود”.

3. حل أجهزة الشرطة

كانت أغلبية في مجلس مدينة مينيابوليس قد وقعت يوم الأحد الماضي على تعهد أمام جمع من المتظاهرين وعدت فيه “بإطلاق عملية حل جهاز الشرطة” في المدينة. وتعهد أعضاء المجلس البلدي بتأسيس “نموذج جديد ومختلف غايته ضمان الأمان”. وكان اثنان من أعضاء المجلس قد استخدما في وقت سابق من الأسبوع الحالي عبارة “الحل” لوصف خططهما حيال جهاز الشرطة، وهي عبارة كررتها إلهان عمر النائبة عن ولاية مينيسوتا في مجلس النواب الأمريكي.

لكن التعهد لم يحدد ما إذا كان المجلس يتعهد بإعادة تشكيل جهاز الشرطة أم أنه سيعمل بما يطالب به بعض المتظاهرين “بحل جهاز الشرطة”، وهو أكثر الحلول تطرفا وراديكالية. وقالت رئيسة مجلس المدينة إنها تستطيع أن تتصور وضعا تسيطر فيه الولاية على مقدرات الشرطة وأن يقوم فريق من الأطباء والاختصاصيين في مجال الصحة العامة بالرد على نداءات الاستغاثة من الجمهور (عبر رقم 911) عوضا عن الشرطة.

وتطالب جماعة تسمي نفسها MPD150 “بمستقبل خال من الشرطة” في مينيابوليس، يؤدي فيه أخصائيو الصحة العقلية والعاملون المجتمعيون والزعماء الدينيون وغيرهم من الناشطين الاجتماعيين الدور الذي تقوم به الشرطة حاليا.

وهناك سوابق تاريخية لحل أجهزة الشرطة في الولايات المتحدة. ففي عام 2012، وفي بلدة كامدن في ولاية نيوجيرسي، حلّ جهاز الشرطة بالكامل وخسر جميع عناصر الشرطة وظائفهم. ولكن الأمر لم ينته عند ذلك الحد، فقد أسس جهاز شرطة جديد استعاد بموجبه نحو 100 من رجال الشرطة السابقين وظائفهم. وكان من شأن تلك الخطوة زيادة عدد عناصر الشرطة في بلدة كامدن. ولكن الجهاز الجديد اعتمد نظاما صارما جدا لاستخدام القوة وسهّل لبلدية المدينة موضوع طرد رجال الشرطة الذين لا يلتزمون بالتعليمات.

وتقول شرطة كامدن إن عدد جرائم القتل والشكاوى من استخدام العنف انخفضت بشكل ملموس منذ ذاك.

4. نزع السلاح

منذ تسعينيات القرن الماضي، حوّل الجيش الأمريكي ما قيمته 5 مليارات دولار أو أكثر من المعدات إلى أجهزة الشرطة المحلية في عموم الولايات المتحدة. وشملت هذه المعدات أسرّة وعتادا ومركبات مدرعة وغيرها، وذلك من خلال برنامج شراء أتفق عليه مع وزارة الدفاع.

نتيجة لذلك، يقول العديد من دعاة إصلاح الشرطة إن أجهزة الشرطة تتصرف اليوم وكأنها وحدات عسكرية داخلية وتستخدم أساليب مخصصة للقتال أكثر منها لحفظ السلم الاجتماعي وأمن المواطنين. ويقولون إن هذه الأساليب تؤدي إلى خسارة العديد من الأرواح.

وكان الرئيس السابق باراك أوباما قد وضع قيودا لكيفية استخدام الشرطة في عام 2015، ولكن إدارة دونالد ترامب نقضت معظم هذه القيود بعد توليها السلطة.

ولم يقتصر الأمر على حصول الشرطة على المزيد من الأسلحة في العقدين الماضيين، وإنما حصل العديد من عناصرها على تدريبات في التكتيكات العسكرية. ويشمل “التدريب القتالي” هذا الترويج لنظرة تقول إن رجال الشرطة هم عبارة عن أبطال يتصدون للمخاطر في كل مكان وإن عليهم تعلم كيفية الدفاع عن أنفسهم بأي ثمن حتى لو تطلب ذلك قتل المدنيين.

لكن المنتقدين يقولون إن هذه النظرة تجعل رجال الشرطة خائفين، وأن يطلقوا النار أولا والتفكير بعواقب ذلك لاحقا.

وكان رئيس بلدية مينيابوليس جاكوب فراي قد حظر في عام 2019 على رجال الشرطة المشاركة في “التدريبات القتالية” هذه، حتى لو كان ذلك في وقتهم الخاص (خارج أوقات العمل الرسمي) وبمالهم الخاص. ولكن نقابة الشرطة المحلية قالت إن هذا الحظر “غير قانوني”، وواصلت توفير فرص التدريب.

وثمة بحوث تثبت أن العسكرة تؤدي إلى زيادة العنف الذي تستخدمه الشرطة. ففي عام 2017، توصلت دراسة نشرت في نشرة (Research and Politics) إلى أن أجهزة الشرطة تميل إلى استخدام الأسلحة العسكرية بشكل أوسع كلما كانت لديها كميات أكبر من هذه الأسلحة.

حركة حياة السود مهمةEPA

5. مقاضاة الشرطة

لا ينجح المواطنون الذين يحاولون مقاضاة الشرطة أمام المحاكم المدنية لاستخدام الأخيرة العنف المفرط في دعاواهم عادة نتيجة مفهوم قانوني يطلق عليه عنوان “الحصانة المشروطة”. وكانت المحكمة العليا الأمريكية قد بلورت هذا المفهوم من أجل حماية الموظفين الحكوميين من الدعاوى القضائية التافهة ومنح الشرطة فرصا للدفاع عن نفسها إزاء القرارات التي يتخذها عناصرها آنيا.

فمن أجل أن تمضي الدعوى قدما، ينبغي على المحكمة أن توجه سؤالين: أولا، هل كان العنف المستخدم منافيا للتعديل الرابع للدستور؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل يوجد أمر قضائي سابق و”واضح” يشير إلى أن عنصر الشرطة كان يعرف بأن تصرفه مناف للقانون؟

يقول دعاة الإصلاح إن السؤال الثاني هو الذي يبرئ عناصر الشرطة عادة، إذ إنه يرمي بعرض الحائط الدعاوى التي ليس لها سوابق تعتمد على حقائق مماثلة تقريبا. وتوصل تحليل لوكالة رويترز إلى أن أكثر من نصف الدعاوى التي تقام أمام المحاكم الأمريكية والمتعلقة بالاستخدام المفرط للعنف تدحض استنادا إلى مبدأ “الحصانة المشروطة” المذكور آنفا.

ومن شأن جزء من قانون “العدالة في حفظ الأمن” واسع النطاق الذي طرحه هذا الأسبوع نواب وأعضاء في مجلس الشيوخ من الديمقراطيين إلغاء مفهوم الحصانة المشروطة لعناصر الشرطة. وقال عضوا المحكمة العليا سونيا سوتومايور وكلارنس توماس إنه من الضروري إعادة النظر في هذا المفهوم. وتنظر المحكمة العليا حاليا في قضايا تتعلق بالحصانة المشروطة.

6. الرقابة على الشرطة

في بعض الأحيان، يعزى العنف الذي تمارسه الشرطة بحق المواطنين السود إلى “عنصر سيء”، أي رجل شرطة عنصري وغاضب ينفعل بشكل غير مبرر خلال أداء واجبه.

وفي سعيها إلى التخلص من هكذا عناصر، عمدت بعض أجهزة الشرطة إلى طرد العناصر التي اعترفت بتبنيها لأفكار عنصرية جهرا. ففي أواخر تموز / يوليو الماضي، طردت شرطة مدينة فيلادلفيا في ولاية بنسلفانيا 13 من عناصرها الذين كانوا قد نشروا مداخلات عنصرية تدعو إلى العنف في منصات التواصل الاجتماعي، ولكن ذلك لم يحصل إلا بعد أن فضحت جماعة حقوقية تلك المداخلات.

والشرطة تعمل فيما يصفه الباحثون الاجتماعيون بـ”نظام مغلق” يفتقر إلى الرقابة الخارجية ويثمن الولاء. فإذا تخطى أحد العناصر الحد المسموح به، يتنادى الآخرون للدفاع عنه (أو عنها). وبغياب أي تسجيل مصور، يصبح الأمر محصورا بين كلام من يقال إنه “مجرم” وبين كلام رجل شرطة محترم.

وهذا هو السبب الذي يدفع الكثيرين إلى المطالبة بضرورة أن يزود عناصر الشرطة بآلات تصوير مثبته على بدلاتهم، من أجل تسجيل سبل تعاملهم مع الجمهور. وقد اعتمد هذا الإجراء بالفعل في نيويورك قبل بضع سنوات عقب مقتل أريك غارنر، ويبحث الكونغرس الأمريكي الآن إمكانية جعله إجباريا على نطاق البلاد بأسرها.

ولكن هناك القليل من الأدلة التي تشير إلى أن هذا الإجراء يقلل فعلا من العنف، حسب تحليل أجري مؤخرا لـ 70 دراسة حول الموضوع.

وتقول حركة (Campaign Zero) وهي حركة غير ربحية تدعو إلى إصلاح جهاز الشرطة إن استخدام آلات التصوير ليس له إلا فائدة محدودة. فبينما كان للتسجيلات المصورة دور مهم في فضح العنف الذي تلجأ إليه الشرطة، كانت معظم تلك التسجيلات من عمل الجمهور وليس رجال الشرطة أنفسهم. ومن اليسير لعناصر الشرطة أن يوقفوا عمل أجهزة التصوير التي زودوا بها، ومن الأرجح أن يستخدم المدعون العامون هذه التسجيلات لمقاضاة المدنيين في الدعاوى الجنائية عوضا عن استخدامها لإثبات وحشية الشرطة.

7. تسجيل الحالات

ما من شك بأن الأمريكيين السود أكثر تعرضا للقتل والتعرض للعنف من جانب الشرطة من الأمريكيين الآخرين. ولكن الأمر المبهم إلى الآن هو عدد الضحايا وأجهزة الشرطة الأكثر ارتكابا لهذه الأعمال.

في عام 2014، صدّق أوباما على قانون “توثيق حوادث الموت قيد الاعتقال”، وهو قانون يجبر أجهزة الشرطة على الإبلاغ عن كل حادثة وفاة لمواطن وهو قيد الاعتقال. كما نص القانون على ضرورة أن تحال هذه المعلومات إلى وزير العدل الذي ينبغي عليه إصدار تقرير يتعلق بسبل خفض حالات الوفاة كل سنتين.

ولكن، وبعد مضي سنوات أربع، قال المفتش العام في وزارة العدل إن الوزارة لم تبلور آلية لجمع المعلومات من الولايات المختلفة، ولا تتوقع أن تكون لها آلية من هذا النوع قبل عام 2020.

في غضون ذلك، أطلق المكتب الفدرالي للتحقيقات المشروع الوطني لمعلومات استخدام العنف المعني ليس بمتابعة المواطنين الذين يقتلون من جانب الشرطة فحسب، بل بكل مناسبة يستخدم فيها عنصر من الشرطة العنف أيضا. بدأ المكتب بجمع المعلومات حول هذه الأمور في سنة 2019، ولكن أجهزة الشرطة المحلية ليست ملزمة بالمشاركة في المشروع ولم تعلن المعلومات التي جمعت إلى الآن.

وفي خضم هذا الفراغ، كان من الضروري على المنظمات غير الحكومية والصحفيين أن يعالجوا النواقص. ففي عام 2015، بدأت صحيفة واشنطن بوست بتوثيق كل حادث قتل يرتكبه عنصر من الشرطة أثناء أداء واجبه في الولايات المتحدة.

ومنذ ذلك الحين، سجلت الصحيفة وقوع أكثر من 5 آلاف حادثة قتل لمدنيين بأيدي الشرطة وذلك اعتمادا على تقارير صحفية ووسائل التواصل الإجتماعي وتقارير الشرطة.

وتشير هذه الأرقام، التي يعتمد عليها باحثون سياسيون، إلى أن الأمريكيين السود أكثر تعرضا بنسبة 2,5 مرة للقتل من قبل الشرطة بالمقارنة مع المواطنين البيض.

إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولة عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com