Home » bbc » دستور النوايا الحسنة

قبل خمسة أعوام بالكمال والتمام، أجري الاستفتاء على الدستور المصري، وتحديداً في ١٦يناير ٢٠١٤، بنسبة مشاركة وصلت إلى ٣٦٪ من إجمالي عدد المقيدين في الجداول الإنتخابية. ورأى قطاع كبير من المحللين السياسيين وقتها أن نسبة المشاركة ليست بالقليلة في بلدٍ اعتاد على أعراس ديمقراطية وصفت بالمزيفة. وقتها خرج المشاركون للتعبير عن آرائهم في دستورٍ وُصف آنذاك بأنه “خير الدساتير التي كتبت في العالم”. ولكن سرعان ما بدأ الهجوم على الدستور بعد فترة وجيزة من حكم الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي وتحديداً في أسبوع شباب الجامعات بتاريخ ١٣-٩-٢٠١٥ حين قال الرئيس إن بعض مواد الدستور كُتبت بحسن نية، والأوطان لا تحكم بالنوايا الحسنة!!

ومنذ ذلك الحين، ظل الحديث عن تعديل الدستور خافتا، ولا يسمع إلا همسا. ثم تعالت الهمسات تدريجيا حتى صارت أصوات مسموعة بنهاية عام ٢٠١٨، إذ أبى العام أن يشهد الجدل الواسع الذي أثير في أعقاب دعوى أقامها عددٌ من المواطنين أمام القضاء يطالبون فيها بإلزام رئيس مجلس النواب بدعوة المجلس للإنعقاد لتعديل نص المادة ١٤٠ من الدستور فيما تضمنته من عدم جواز إعادة إنتخاب رئيس الجمهورية إلا لمرة واحدة لمدة أربع سنوات.

وبرر مقيمو الدعوة (الذين أثبتوا حصولهم على ١٤٠ توكيلا بتحريك الدعوى، فضلاً عما يناهز الثلاثمائة متضامن) هذا التحرك بأن الفقرة الموجودة في الدستور التي تنص على أنه لا يجوز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية إلا لمرة واحدة جاءت مجحفة، من وجهة نظرهم، للشعب المصري العظيم. خاصةً وأن ثماني سنوات فقط هي فترةٌ قليلة نظراً لحجم المخاطر والتحديات والأضرار الإقتصادية والأمنية التي مرت بها البلاد وما زالت تمر بها حتى الآن. إلى جانب أن هذه المادة فيها “حَجر” على إرادة الشعب الذي هو مصدر السلطات، وهي بدعةٌ، كما تقول الدعوى، أرادت بها اللجنة التأسيسية للدستور وضعها كمحاكاة للبلاد الغربية رغم اختلاف ظروف كل دولة عن الأخرى. إلى هنا ينتهي كلام مقيمي الدعوى بتعديل الدستور!

لم تكن الدعوى القضائية هي الطرح العلني الأول لفكرة تعديل الدستور بما يسمح لرئيس الجمهورية بالترشح لأكثر من ثماني سنوات كما حددها الدستور، ولكن سبقها دعوة علنية في مقال للكاتب ياسر رزق وهو رئيس مجلس إدارة أخبار اليوم المملوكة للدولة مقالاً بعنوان :عام الإصلاح السياسي الذي تأخر .

تطرق ياسر رزق في مقاله أيضاً للمادة ١٤٠ من الدستور والمادة ٢٢٦ في فقرتها الأخيرة التي تمنع إجراء تعديل على النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، وهو الأمر الذي اعتبره ياسر رزق يغل يد الشعب عن إجراء تعديل على دستور وَضَعَ هو مواده ونصوصه، بل واعتبر أن هذه المادة تضع الدستور وكأنه “كتاب سماوي منزل غير قابل للتعديل”.

ويرى الأستاذ ياسر أن المصلحة العليا للبلاد مهددة اعتباراً من شتاء ٢٠٢١-٢٠٢٢ وهي تحديداً نهاية الفترة الثانية للرئيس ما يعني بحسب الدستور أن يسلم السلطة لرئيس جديد منتخب يحل مكانه.

ودعا ياسر رزق إلى إضافة مادة إلى الدستور تنص على إنشاء مجلس انتقالي مدته خمس سنوات تبدأ بعد انتهاء فترة رئاسة الرئاسة الحالية، وهو مجلس يهدف على حد وصفه إلى حماية الدولة وأهداف الثورة ويترأسه عبد الفتاح السيسي بوصفه مؤسس نظام ٣٠ يونيو ومطلق بيان الثالث من يوليو، ويضم المجلس في عضويته الرئيسين السابق والتالي على السيسي ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس الشيوخ (إذا أنشئ هذا المجلس)، ورئيس مجلس الوزراء، ورئيس المحكمة الدستورية العليا، والقائد العام للقوات المسلحة، ورئيس المخابرات العامة، ورؤساء المجالس المعنية بالمرأة والإعلام وحقوق الإنسان .

ويتولى المجلس كمهمة رئيسية له اتخاذ التدابير الضرورية عند تعرض الدولة لمخاطر تستهدف تقويضها أو الخروج على مبادئ ثورة ٣٠ يونيو .

إلى هنا ينتهي إقتراح الأستاذ ياسر والذي يتماهى مع اقتراح بعض المواطنين من ضرورة تعديل الدستور ولكنه تطرق إلى فكرة إنشاء هذا المجلس الذي يطرح سؤالا مهما، هل فكرة المجلس الرئاسي الحكام جديدة على ثقافة بعضٍ من حكام مصر؟

الإجابة في مقالٍ كتبه الدكتور خالد فهمي أستاذ التاريخ المصري المعاصر للرد على هذا التساؤل وأورد فيه ما جاء في مذكرات عبد اللطيف البغدادي عضو مجلس قيادة الثورة، حيث يقول البغدادي: “الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر تكلم مع وزير الحربية في عهده المشير عبد الحكيم عامر في سبتمبر ١٩٦٢ بخصوص التنظيم السياسي الجديد للمرحلة المقبلة، وتم الإتفاق على ضرورة قيام الدولة على مؤسسات سياسية ضماناً للمستقبل وتنفيذاً لما هو وارد في الميثاق الوطني سنة ١٩٦١. واتفقا على تشكيل مجلس رئاسة كقيادة جماعية، وعلى أن يعتبر هذا المجلس هو الهيئة العليا لسلطة الدولة وأن يختص برسم السياسات العامة ومتابعتها والموافقة على القوانين والقرارات قبل أن يصدرها رئيس الجمهورية ولا يتولى أحد من أعضائه عملاً في السلطة التنفيذية. وكان عبد الحكيم عامر عضواً في هذا المجلس، وباقي الزملاء أيضاً وهم كمال الدين حسين وزكريا محي الدين وحسن إبراهيم وحسن الشافعي وأنور السادات وأنا. وطبقاً لهذا النظام الجديد كان سيعين قائداً عاماً جديدا بدلاً من عبد الحكيم عامر )..مذكرات البغدادي جً٢ ص١٧٨-١٧٩.

إذن التاريخ يعيد نفسه في رسم السياسة المصرية ولكن هل يتعلم أحد من دروس التاريخ؟ لا أعلم. أتذكر دائماً ما قاله البابا شنودة بابا الأسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الراحل “من وعى التاريخ في صدره… عاش أعماراً على عمره”. ولكن يبدو أن لا أحد يستفيد من دروس التاريخ.

كان هذا جزءاً من نقاش حلقة هذا الأسبوع، الذي تطرقنا فيه أيضاً إلى استيراد الغاز من إسرائيل، بعد ما أعلنت مصر الاكتفاء الذاتي من الغاز وحصلنا على معلومات عن قطاع الطاقة في مصر لأول مرة في حوارٍ خاص مع المهندس خالد أبو بكر رئيس جمعية الغاز المصرية التي تضم شركات الغاز الحكومية والخاصة في مصر.

وهناك شعار مصري خالص لا يمكن أن تسمعه إلا في هتافات المصريين في مطلع ثوراتها بداية من ١٩١٩ وهو يحيا الهلال مع الصليب، فمعنا تجسيد حي من خلال المزج ما بين الترانيم الكنسية والمدائح الصوفية في بداية أولى حلقات بتوقيت مصر لعامٍ جديد .

بتوقيت مصر يأتيكم كل خميس في الساعة السابعة وخمس دقائق مساءاً بتوقيت غرينتش، في التاسعة وخمس دقائق بتوقيت القاهرة على شاشة بي بي سي عربي .

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
WhatsApp إنضم الى مجموعة الأرز الإخبارية