Home » bbc » حوار ملؤه القيود

كم من القيادات في المنطقة العربية حاولت بفهم وجد أو بغير ذلك، التصدي لموضوع تجديد أو مراجعة الخطاب الديني في العقيدة الإسلامية، وهو موضوع شديد الحساسية بالنسبة للساسة ولعلماء الدين وللرأي العام في الإسلام،حتى أن الحديث عنه لا يكاد يظهر بقوة حتى يختفي، رغم جسامة الأحداث التي تثير هذا الحديث.

ضيف برنامج بلا قيود هذا الأسبوع هو أحمد الريسوني، الرئيس الجديد للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وهو عالم دين من المغرب يعرفه كثيرون ولا يعرفه كثيرون أيضا، وهو يشدد على ضرورة الالتفات لمقاصد وأهداف الشريعة وإصلاح نظام الاجتهاد فيها مصدرا للتشريع.

ربما لم يسبقه كثيرون في التصدي علانية وبصراحة لعجز علماء الدين المسلمين عن التصدي بشجاعة للحاجة لهذا التجديد والإصلاح الذي يرى أنه سيستغرق عدة أجيال، ويقول إنه “لا يمكن تحقيق ذلك حتى بالاعتماد على فكر ابن خلدون ناهيكم عن الأسماء الأخرى المثيرة للجدل”

يتحدث الريسوني بثقة كبيرة و بصريح العبارة عن أن بين علماء الدين المسلمين كثيرين من الجامدين على “قوالب وكليشيهات معينة، العاجزين عن استيعاب ومسايرة متطلبات العصر، بل والعاجزين عن استيعاب قدرة المناهج الإسلامية على التطور، فيضيقون ببعض الاجتهادات وأوجه التجديد”

بعض خصومه في الرأي من هؤلاء يصفونه ب “عالم الدين العلماني” لما يرونه من “آرائه الجذرية والثورية في عدد من القضايا كالحدود” أو العقوبات الجنائية في الشريعة الإسلامية. وكشخص يدير الحوار فأنت لا تملك إلا أن تتساءل إلى أي مدى يمكن للرجل أن يذهب في قوة آراءه بهذا الشأن الجدلي الخطير؟

كان سياق الحديث عن الحدود فرصة عفوية لاستيضاح موقفه من عقوبة الإعدام مثلا، ولشد ما كانت دهشتي عندما قال إنه ليس مستعدا لإعادة النظر في عقوبة الإعدام مثلا كحد من الحدود، لأنه ليس في الشريعة الإسلامية إفراط في استخدامها؛ وإن كانت له “نظرة” في عقوبة الردّة مثلا.

ولئن لم يلتفت كثيرون لموقف رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين من عقوبة الإعدام، فلا شك أن الكثير من الجدل والنقد انهال وسينهال عليه لموقفه المعلن مما يعتبره “إسلاما سعوديا تبنته السعودية لعقود وجلب كوارث على الإسلام والمسلمين، وتعمل السعودية على هدمه الآن” وكذلك لحمله على الأزهر الشريف الذي يعتبر مركز ومعقل الإسلام في العالم أجمع، ورأيه فيه – دون تعميم- أن دوره مُصادر من طرف السياسيين ومُكبل باعتبارات السياسة.

لكن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وقد جاء إليه الريسوني رئيسا وفقيها ببروفايل وسطي معتدل بعد الجدل وتهم الإرهاب التي أحاطت بالاتحاد زمن رئاسة يوسف القرضاوي، هذا الاتحاد نفسه ليس بعيدا، حسب كثيرين، عن حسابات السياسة وتأثيرها. فإدارته في قطر والتمويل والدعم يأتيه من قطر وتركيا، ولست أدري ما إذا كان يمكن أن يشفع لهذا الوضع، ما دفع به الريسوني من استقلال فقهي للاتحاد وانفتاحه على أية مراقبة أو دعم، وإقراره بأن الصلات القطرية التركية لا تؤثر في عمل الاتحاد ودوره في شرح الإسلام للعالم.

عندما أعرب الريسوني عن ارتياحه لتنحية الرئيس المصري السابق محمد مرسي عن الحكم، لم يلتفت كثيرون في المشرق العربي لكلامه، لكنه مع توضيحه لاحترامه لتراث الإخوان، لايزال يقول بجمود فكرهم وابتعادهم عن التجديد بالابتعاد عن العلماء وعن التجديد، لكن أدقّ الاختبارات حساسية لدعاة الوسطية والاعتدال والإصلاح بين الشخصيات و الحركات الإسلامية هو حديث فصل الدين عن السياسة.

عندما قابلت راشد الغنوشي زعيم حزب حركة النهضة قبل عامين أجابني جوابا ذكيا قائلا “إن السياسة أصبحت حلالا على الإسلاميين” بعد نهاية عهد الاستبداد في تونس لأنهم يفصلون فصلا قاطعا بين الدعوي والسياسي.

أليس الأفضل ألا تخوض الشخصيات والهيئات ذات الخلفية الإسلامية في السياسة بتاتا؟ سواء أكانت منظمات كالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أو أحزابا سياسية؟ هكذا سألت أحمد الريسوني، الذي وإن قبل بمبدأ الفصل، فإنه يعتبره فصلا وظيفيا للمهام والأعمال الفقهية عن السياسية، كما حدث بين حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية في المغرب.

لكن هيهات فما أصعب أن تقنع كثيرين بهذا الفصل بين الدعوي والسياسي، أو حتى بهذا الفصل الوظيفي بل وبمصداقية هذه التيارات والأحزاب التي أصبحت الآن غير مرغوبة في مسرح السياسة ولدى شرائح من الرأي العام، بسبب عوامل تتراوح بين فقر خبرتها في التدبير السياسي والاقتصادي وبين ما يصفه أنصارها بشيطنتها من قبل الثورات المضادة لثورات الربيع العربي.

وعندما يتحدث رئيس اتحاد علماء المسلمين المقرب والمدعوم من تركيا وقطر بكلام من قبيل “أتحدث في حدود الإسلام الذي يفتح الباب للاجتهاد والتجديد وأصوله تمتاز بالمرونة المقاصدية” أو كلام من قبيل “سواء في السياسة الشرعية أو الفقه نحتاج لصياغات جديدة ملائمة للزمان تجيب على أسئلة هذا الزمان وإشكالاته وشبهاته” فإن ذلك لن يعني الكثير على أرض الواقع، وسيكون على العالم أن ينتظر أن تتم تسوية كل أسباب التشاحن والصراع بين المحاور الإقليمية وينتهي الصراع الإسلامي السني الشيعي على النفوذ في الشرق الأوسط قبل أن يُمكن البدء بتجديد الخطاب الديني في الإسلام وإطلاق حركة إصلاح نظام الاجتهاد مصدرا للتشريع والتيسير في الإسلام.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
WhatsApp إنضم الى مجموعة الأرز الإخبارية