Home » bbc » دوام الحال من المحال

عرفتُ الكاتب الصحفي والإعلامي جابر القرموطي في أولى خطوات حياتي المهنية، في التوقيت الذي كان يخطو فيه خطوة جديدة في مسيرته المهنية بعد خطوات طويلة ومسيرة كبيرة في مهنة الصحافة. كان ذلك في بداية تقديمه لبرنامج “مانشيت” الذي اسنده له رئيس قناة ontv وقتها ألبرت شفيق ليتناول الصحافة المصرية بالتعليق والتحليل ولكن بخفة ظل جابر القرموطي وعلى طريقته الخاصة.

كان إنساناً طيباً، يدخل حجرة الأخبار مبتسماً، ودائماً يحمل معه لفريق العمل والعاملين في المحطة المخبوزات (منين وبقصمات وشوكولاتة وبيتزا) وكنا جميعاً ننتظر وصول الأستاذ جابر حتى نحصل على التموين.

شخص طيب ولكنه ذكي ذكاء الفلاحين، وهنا لا اقصد إهانة أبداً ولكنها سمة من سمات أغلب من عاشوا في المناطق الريفية، ويُقصد بها أنه على الرغم من طيبته فهو مراوغ في الكلام. كنت أعرف أن الحوار معه لن يكون سهلا ولكنني تيقظت وأغفلت معرفتي به حتى لا أتأثر.

قبل الهواء طبعاً كانت له أراء مختلفة عن الإعلام وكيف يُدار. ويعرف جيداً من أوقفه عن التلفزيون ومن أمر بإيقاف قناته على يوتيوب. وأخبرنا عن مكالمة أتته وهو في الطريق إلى الاستوديو من أحد اللواءات، كما قال، يسأله عن ظهوره على شاشة بي بي سي وقال له “سيب الباب موارب يا جابر”، فردَّ قائلا: “لهذه الدرجة التليفونات مسموعة”.

وعندما بدأ النقاش أمام الكاميرات، اختلفتْ لهجة الأستاذ تماماً فبدا وكأنه هو المخطئ في كل شيء ولا ذنب لأحد في وقفِه تماماً. وقال في منتصف الحديث “أنا جبان، وعندي عيال”، وفي عينيه نظرات ألم وحسرة. عرفت لحظتها معنى أن تقف منظومة في وجه إنسان!

للأسف الشديد لم يتوقف متخذ القرار عند حد تحطيم مستقبل انسان، بل اتُّخذت قرارات مماثلة بلا رحمة ولا شفقة لتغلق قنوات وتسرح العاملين بها من أقل وظيفة إلى أعلاها ليواجهوا مصيراً مجهولاً وعجزاً عن تدبير إحتياجات أسرهم. لا أعلم من الجهة المسؤولة عن إدارة الإعلام ولا أعلم هل هي فعلاً جهات مختلفة تتصارع فيما بينها ولكن السؤال الأهم: لمصلحة مَن؟

خرج جابر وشكرني واعتذر مني عن عدم إعطائي معلومة. وشكرتُه بدوري وردَّدتُ أني أتفهم ذلك، لعلها مسألة وقت وتدور الدوائر. ووصاني بالاستمرار وقال أنتم المنفذ الوحيد لنا، استمروا.

في أحيانٍ كثيرة يَصبني القلق والخوف عند تقديم حلقة بها نقد لأي من أجهزة الدولة أو استضافة من غضبت عليهم السلطة. أعرف أن هناك من يتابع بي بي سي عامةً وبتوقيت مصر خاصةً بترقب ولا أعلم إن كانت أو متى سوف تأتيني المكالمة لدعوتي إلى شرب القهوة أو الشاي أو يكون التصرف بشكل مختلف تماماً. جابر وصحفيون آخرون دائماً يطمئنوني بأن هذه هي بي بي سي، لا أحد يستطيع الاقتراب منها لا لشئ سوى أن لها قواعد مهنية صارمة تتبعها. سألني ذات مره أحد الصحفيين الكبار سناً ومقاماً هل تتلقي تعليمات فتعجبت كثيراً من كلمة تعليمات!! وقلتُ له: لا، هناك قواعد متبعه فأنا أسأل جميع الأسئلة دون خطوط حمراء، وخطي الأحمر الوحيد هو المهنية وقواعد المؤسسة التي أعمل بها.

وأعتقد أن استخدامه لكلمة تعليمات نابعة من الوضع الحالي في إدارة الإعلام المصري.

تذكرت وأنا في طريقي إلى المنزل بعد انتهاء التصوير بعض كلمات أغنية نهايات الحكاوي لفرقة مسار إجباري، وهي بالمناسبة ضيفة بتوقيت مصر لهذه الحلقة، الكلمات تقول: كم باب أمل مقفول إتوارب مع الأيام، وعجبي على نهاية طريق يبدأ طريق تاني. وابتسمتُ وتيقنتُ أن دوام الحال من المحال.

حلقة جديدة ومنوَّعة كما عودنا مشاهدي بتوقيت مصر والذي أصبح بلا منافس حقيقي. بل الأكثر من ذلك أن الكثير من إعلاميي مصر وغيرهم باتوا في صدارة الحريصين على متابعته. والأهم أن تظلوا أنتم وأنتن من مشاهديه المواظبين.

بتوقيت مصر يأتيكم في تمام السابعة وخمس دقائق مساءاً بتوقيت غرينتش ،التاسعة وخمس دقائق بتوقيت القاهرة كل خميس.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
WhatsApp إنضم الى مجموعة الأرز الإخبارية