Home » بي بي سي عربي » محمد علي “الزيبق”؟

السبق

في أول حديث تلفزيوني على الإطلاق خصني به محمد علي – المقاول والممثل المصري، وافق أن يجلس أمامي في حجرة ضيقة بمدينة أوروبية، جاهد زميلي المجتهد معد اللقاء الذي آثر أن يحتفظ بهويته طي الكتمان وفريق بي بي سي عربي لطمس ملامح المكان والزمان فيها لأحاور للخدمتين العربية والعالمية في بي بي سي رجلاً صارَ حديثاً، ليس للمدينة في مصر وحدها وإنما لمدن عدة في الشرق الأوسط والعالم خلال شهر ونصف خلوا، وامتد أثرُ ما قال إنه الكشف عن وقائع فساد وإهدار للمال العام واستغلال النفوذ للتنعّم الشخصي في المؤسسة العسكرية المصرية إلى مؤسسات الصحافة العالمية في آن. رَد عدد من رموز رأس السلطة في مصر على عدد منها مباشرة وفي مواراة لاحقا نافين صحة الادعاءات، إلا من تعليق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال دورة من مؤتمر الشباب قبل الفائت قبل ذهابه لحضور أعمال الجمعية العالم للأمم المتحدة، تحدى فيه أي انتقادات لبنائه عدداً من القصور الرئاسية الفاخرة، وأصر على بنائه هذه القصور مصرحا بأنها من أجل مصر وليس لغرض شخصي.

أولَـت الخدمتان العربية – صاحبة السبق – والعالمية في بي بي سي مساحة نقاشية وتحريرية على مستويات رفيعة للمقابلة، ودُرس بعناية توقيتُ الإعلان عنها وبث المقاطع الترويجية القصيرة منها بأكثر من لغة وعلى أكثر من وسيط للبث في كامل المؤسسة. وفرّغت نفسي بعد تأمين المقابلة لنتاج عمل استقصائي اشتركْتُ فيه و زميل شديد الحرفية لدراسة الضيف والحجج المقابِلة. انهالت عليّ وعلى فريقي عشرات الرسائل الإلكترونية من مسؤولين في بي بي سي، بينهم قدر غير هيّن من أقسام، تُختص حصريا بأمن الصحفيين والمصورين ومعدي البرامج وبتأمين الحوارات الصعبة والعمل في البيئات العدائية. لا أبالغ إن قلت إن إعداد المقابلة استغرق ما استغرقْتُه مرارا في رحلات عمل إلى مناطق الحروب والبقاع الساخنة طوال فترة عملي بالمؤسسة.

محمد علي – بطل شعبي؟ خائن؟ أم ساع للشهرة؟

جدل كثير دار حول الرجل طوال ستة أسابيع، بين صورة البطل الشعبي، والخائن، والبين بين، كلها فرضيات تحديْتُه بشأنها وشدّدتُ السؤال. الشاهد أن محمد علي – من ملاحظتي الدقيقة له طوال فترة الشهر ونيف حاولت خلالها الوصول إليه لمحاورته – بدا لي مصريا كملايين المصريين مَلمَحاً وتعبيراً ولفظاً وحتى في انفعالات ولفتات لغة الجسد. رجل في الخامسة والأربعين، استثمر فيها – بحسب تصريحاته – خمسة عشر من بينها في مجال المقاولات لحساب القوات المسلحة المصرية. آنفا، استفزّ المسؤولين من قمة هرم السلطة في مصر لسفحه بلُغَته وتصريحاته ودعوته للتظاهر في العشرين من سبتمبر أيلول الفائت، مناديا بإسقاط الحكم في مصر. رد عليه من رد – علنا واستتارا في كل مناسبة تقريبا. آلاف الاعتقالات وقرارات الحبس والتفتيش الدوري للمواطنين في شوارع القاهرة وعدد من المدن الأخرى نُفذت منذ ذلك اليوم، لم تنفِ السلطات المصرية صلتها بدعاوى التظاهر، وانتقادات عدة من قبل منظمات حقوقية دولية، وانقسام لا نملك أداة علمية لقياس مداه وميزانه في الضمير الجمعي للرأي العام في مصر على الرجل ذاته، فضلا عما قال وكشف وتوعد – إن صح ما أمطر محمد علي به الرأيَ العام في مصر وخارجها منذ الأسبوع الأول من سبتمبر أيلول. الاستجابة جاءت في القاهرة، السويس، المحلة الكبرى وغيرها، وهي مواقع اشتعلت واحتلت المواقع الأكثر بروزاً إبان ثورة الخامس والعشرين من يناير في عام ٢٠١١.

الإعداد

طوال أسبوع منذ الاتفاق على المكان والزمان عبر آلية شديدة التعقيد والحذر، شاهدْتُ – أثناء تدريب روتيني خارج لندن على العمل الصحفي في المواقع الخطرة – شاهدتُ صباحاً مساء قبل الانخراط في أيام التدريب المرهِقة كلَّ مقطع مصور لمحمد علي عشرات المرات. عددتُ عليه أنفاسه تقريبا، أجهدتُ ذاكرتي الفوتوغرافية في استذكار كل شاردة وواردة له في ظروف مختلفة، وأحاديث تليفزيونية – فنية بالطبع عن فيلمه “البر التاني” عن الهجرة غير الشرعية في الريف المصري والمصير القاتل لشباب من إحدى قرى مصر في نهاية الفيلم الذي نافس في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي قبل عامين- سبقت جميعُها المقاطع النارية من أماكن هروب علي المتعددة بحسب ما فهمت منه – طبعا دون الإفصاح لا لي ولا لزميلي عن مواقعها.

أمنّا الرحلة لوجيستيا وأمنيا للقاء رجل، أفصح مراراً عما قال إنه محاولات لاستهدافه وقتله، بل واستهداف كل من يقترب منه سواء بحملات التشويه والقتل المعنوي، بل وحتى حرفياً الاستهداف بالقتل والتصفية – على حد قوله. بالنسبة لفريقي، بدراسة دقيقة تم حساب الخطر، مداه وسيناريوهات التعامل معه بحرفية شديدة ويقظة ليست بالهينة ولا العشوائية. سألني مدير البرامج في اجتماع تليفوني – وشدد على السؤال – إن كنت مستعدة نفسيا ومهنيا وجسديا للقاء وما قد يليه، وطبعا جاءته الإجابة كما توقع. لا أدعي أو أتباهى بالتالي، لكنني وكثير من زملائي ندرك جيدا أن الخطر والاستهداف جزء من العمل الصحفي – خصوصاً لو كان جاداً مؤثراً.

اللقاء

جاء اليوم المقرر للتسجيل. وبدأْتُ مرحلة جديدة داخل عقلي من إجراء ملايين الحسابات الأمنية مع زميلي. طلبت أن أُنبَّه حين وصول محمد علي للموقع – عملياً لحساب الزمن الذي سيستغرقه الضيف ليصل إلى الغرفة المتفق على إجراء الحوار حيث كنا. كما توقعتُ أرسل من يقدم لوصوله – وأكد لي لاحقا تحت الهواء صدق ظني عن قيامه بذلك لاستشعاره الخطر لاعتبارات عدة من بينها كوني مصرية. راقبتُ ساعتي بدقة، ليحسب عقلي تحديداً بأي الأسئلة التي أعددتها أبدأ وفقا للفترة التي سيستغرقها ليكون في الموقع، هذا إذا قرر القدوم في النهاية. ولتقدير السيناريوهات المختلفة – كونه لم يُجْرِ حوارات تليفزيونية مطلقاً بعد الجَلبة التي أحدثها، مرة أخرى حدث حدسي في حدة استعداده ولردود فعله على أسئلتي، كون أسهلها صعب. وكيف أتم الحوار كما ينبغي دون مواربة. حسبت لاستفزازه بقدر يؤَمّن حواراً محترماً حرفياً للمرة الأولى مع رجل، قال مراراً إنه في game وكأنها لعبة إلكترونية متعددة المراحل وشديدة التعقيد، تأكدت أنه يعنيها حرفيا بعد لقائه.

جلست في غير مكاني المتفق عليه في الغرفة أواجه المدخل، وطلبت مرة ثانية أن يتصلَ بي زميلي القابع في انتظاره بالأسفل وهو على مشارف الغرفة المعدة للتصوير. ظننته سيلجُ الحجرة صامتاً حذراً. باغتني صوته المجلجل حتى من داخل المصعد، مثيراً جلبة وحضوراً – أظن أنهما غير مقصودين وإنما يتسقان مع طبيعته. وقفت في انتظاره. لافتٌ جداً ما حدث فيما بعد، إذ دارت عيناه في جنبات الحجرة ومكوناتها وحتى في وجوهنا، لم أشعر أنه هادىء آمِن على الرغم من مظهره وتصرفاته شديدة التباسط. وأظن أنه لم يرتح كثيراً لكون موقعي أنا الأقرب إلى مدخل الحجرة. بدأتْ عيناه سريعاً بقياس المسافة بينه وبين كلٍّ من الشرفة ومدخل الحجرة. دارت عيناه مرة أخيرة لمسح الحضور. ثم استقرت نظراته باتجاهي حتى نهاية الحوار، إلا من مرة وحيدة أظن أنه لم يستحسن سؤالي فتجنب أن يفقد أعصابه بتنظيف الغبار عن سترته بحركة غير رسمية. حِسه الأمني شديد الحساسية والتأهب، حتى لصحفية مدربة طوال عشرين عاما على استشعار الخطر وتأمين مواقع العمل خارج الاستوديو. أخبرني الكثير الكثير أثناء التسجيل وبعده، والحق يقال لم يقدم لي دليلاً مكتوباً. برر ذلك باستشعاره الخطر وانكشاف أوراقه لو فعل. اكتفيتُ بالقول إلى حين.

ظهر الضيفُ أمامي بذات المظهر الذي لم أوفر عنه السؤال – فهيئة محمد علي جزءٌ مما نسميه كمحاورين صحفيينthe persona أي الشخصية المراد لها أن تقدم الشخص في المجال العام والحوارات. قميص مفتوح الأزرار بدرجة ترسخ لصورة نمطية عن المصري – ابن البلد – علبة سجائر، صوت أجش، ومفردات شعبية واصطلاحات طلبت منه – ووافق بتهذيب – أن يضبطها كي نتمكن من الحفاظ على أمانة اللقاء دون حذف – وهو تقليدٌ اتفقت على اتّباعه مع زملائي منذ تم اختياري لتقديم بلا قيود قبل ما يقرب من ست سنوات.

لتأمين نفسه على ما أظن، كان محمد علي حريصاً ألا يستغرق إعدادُ الكاميرات والإضاءة… إلى آخره من مفردات اللقاءات التلفزيونية الاحترافية، وقتاً طويلاً. فور أن أطلق زميلي مُعدّ اللقاء في الموقع لي إشارة البدء أطلقت بدوري سؤالي الأول. كما خططت تماما بوغت به محمد علي. بدا جليا عليه أنه يختار كلماته ويستكشف ماهية الحوار. ولم تستغرق إجابته الأولى طويلاً، وهي في العادة إشارة إلى تحسس الضيف موقعه من الحوار والمُحاوِر وقياس مدى صلابة وذكاء الصحفي قبالته. جاء سؤالي الثاني أقوى في قياس أعمق عَمداً لصلابة أعصاب ضيفي وحدود هدوئه. بعد ذلك سار اللقاء وكأنه مباراة لكرة المضرب. شعرتُ بمحمد علي يقظا متحفزاً وبلغ تركيزُه منتهاه. عرفت أنني نجحتُ في معادلة صعبة؛ حصلتُ على ثقته واستفزيته لأقصى درجة في آن معا. لم أترك ثانية تُحدث فجوة تمكنّه من إعداد ما يقول، ولم يترك بدوره فرصة تضيع منه لشرح وجهة نظره. دون تردد أمطرني بعدة تصريحات حصرية وعشرات الأسطر التي كتبتُ على إثرها مقالا إخباريا عن اللقاء يمكنكم أيضا الاطلاع عليها عبر هذا الرابط.:

  • محمد علي يكشف لبي بي سي إجراءه اتصالات مع تيارات معارضة

مرة وحيدة زلف لسانه بما اضطُررنا لحذفه احتراماً للقواعد الصارمة لبي بي سي قانونياً فيما يتعلق بالسب والقذف. فيما عداها احترم الرجلُ كلمته لي بضبط اللغة. خصّني وبلا قيود فيما بعدُ محمد علي بالخطوط العريضة استثنائياً عن خطوته القادمة – وإن ذكر عنها النذر اليسير – وبعلاقته بتيارات سياسية كالإخوان المسلمين التي لم ينف علي اتصاله بهم وبغيرهم من القوى والشخصيات المدنية من بينهم د. أيمن نور السياسي المعروف، د. علاء الأسواني وماهية العلاقة معه بعد أن كان سباقاً بوصف محمد علي بالقائد الشعبي، وغيرهما من المشتغلين بالسياسة أو المهمومين بها في مصر.

انفردتُ أيضا بتفاصيل عن علاقة علي سابقا وآنيا – كما قال – بعدد من ضباط القوات المسلحة من الرتب الدنيا وشديدة الترقي، حتى إنه تحدث علناً عما قال إنه مساندة، ثم تخلٍّ واختفاء تام من قبل عدد ممن وصفهم بصغار الضباط. أكد لي محمد علي أنه لن يعود حتى يُسقط الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، متحفظاً للغاية في التفصيل والسرد كي لا يفسد ما وصفه بعنصر المباغتة في المرحلة القادمة.

سألته عما يجري الحديث عنه عن النية بتحريك دعاوى أمام القضاء المصري ضده، وما إذا كان لجأ إلى القنوات الرسمية للإبلاغ عما قال إنه فساد وإهدار للمال العام في قطاع القوات المسلحة المصرية بدلاً من الترويج له بما وصفه ب “فضح النظام”.

ما بعد اللقاء والعودة

في عملنا لا تقل مرحلة ما بعد الحوارات – خصوصا تلك التي تنطوي على مخاطر على أمن الفريق والضيف أهمية عن سابقاتها. فالاتفاق قد يشمل أحيانا تأمين الفريق والضيف بتأجيل اللقاء ليوم أو اثنين وربما أكثر. هذا تحديداً مع حدث مع ضيفي، إذ اقتضت الضرورة الأمنية تأجيل إذاعة اللقاء حتى يستشعر الأمان على حياته كما قال، وكذلك حتى نعود من حيث كنا كفريق مصغر.

أخيراً زميلي معد اللقاء والقائم على ترتيب أبعادها التحريرية والأمنية، والذي آثر الاحتفاظ باسمه طي الكتمان لاعتبارات عدة له، مني امتنانٌ وعرفان ومحبة. ممتنة لك يازميلي وأشكرك.

اللقاء التلفزيوني الأول لمحمد علي يأتيكم في بلا قيود استثنائيا غدا الأربعاء، معي أنا رشا قنديل على شاشة بي بي سي عربي، كما تأتيكم النسخة الإنجليزية عن أهم نقاط الحوار وملاحظات الفريق الصحفية لاحقا على تليفزيون وراديو بي بي سي العالمية.

Comments are closed.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
WhatsApp إنضم الى مجموعة الأرز الإخبارية