الأغاني الفصحى.. اندثرت أم تُبعث من جديد؟

اللغة العربية الفصحى هي أكثر اللغات تأثيرا وتوضيحا للمشاعر، تجلى جمال مرادفاتها، وجاءت قصائدها وأغانيها مؤثرة وبارعة الوصف، حظيت بجمهور عريض، وخلدت لفترة طويلة من الزمن، ومن تلك الأغاني:

«قارئة الفنجان» لـ (عبد الحليم حافظ)، «الأطلال ـ أغدا ألقاك ـ أراك عصي الدمع» لـ (أم كلثوم)، «أنا وليلى ـ مع بغدادية ـ مدرسة الحب» لـ (كاظم الساهر)، «أقول وقد ناحت» لـ (ناظم الغزالي) – «مريم» لـ (جورج وسوف)، «لا يشتري» لـ (شهد برمدا)، وغيرها المئات التي تمت كتابتها وغنائها بالفصحى لجمال أثرها وفحواها.

عبرت أغاني الفصحى عن العديد من الجوانب والموضوعات، كالأعياد والطفولة والأمومة والوطن، وبعضها حظي بصدى وانتشار كبير، مثل أغاني:

«أغنيتي للطفل والطفولة» لـ (كارول سماحة) ـ «أمي الحبيبة» لـ (فيروز) ـ «إلى طغاة العالم» لـ (لطيفة) ـ «رمضان ـ يا نبي سلام عليك» لـ (ماهر زين)،

ولكن لم تخلد الفصحى في الغناء او حتى في الحديث اليومي للمجتمع نفسه، بل جاءت العامية باختلاف لهجاتها من مكان لآخر، لتنتشر بين الشعوب، في الحديث والتمثيل والغناء.

أغنيات مغيرة للأحداث

الأغاني ظلت لها قوة تأثير مبهرة على المجتمع في كل جوانبه، فقد دامت للشعوب لسانا ناطقا بحالها، معبرة عن أهم اللحظات من الحب والشجن والحرب والسلام، تختلف اللغات والإيقاعات والألحان ولكن تبقى الأغاني حاملة لأفكار مجتمعها واهتماماته وتوجهاته ومشاعره، ولم يكن الغناء يوما مختصرا على الحب وحده، بل غنى المطربون تقريبا لكل شيء.

فجاءت أغان عربية وأجنبية مغيرة للأحداث، ولتفيق الشعوب، وتلقي الضوء على قضايا مهمة لتغير من مجرى الأحداث وتؤثر في وعي المستمعين مثل أغنية We Shall Overcome وهي لـ (جوان بايز) المغنية الأميركية، اسم الاغنية بالعربية يعني (سوف نتغلب)، وقد اعتبر الكثيرون هذه الأغنية واحدة من أهم الأغنيات التي تظاهرت ضد القمع بشكل عام، ووصفتها المجلة الأميركية Rolling Stone بأنها أيقونة غنائية، لأنها تطالب بالسلام للجميع وتوضح بالقوة والاتحاد.

وأغنية «War» واسمها بالعربية يعني (الحرب)، لـ(بوب مارلي)، الذي غنى عشرات الأغاني التي توحي وتنادي بالسلام وكانت تلك أشهرهم، كما تمنت وطالبت بالمساواة والاهتمام بحقوق الإنسان ونددت بالحرب، وأغنية «رايات النصر»، تأليف (نبيلة قنديل) وغناء المجموعة، جاءت في فترة حرب أكتوبر 1973 لنشر روح العزيمة والنصر والفخر، وأغنية «صباح الخير يا سينا» غناء (عبدالحليم حافظ)، التي غناها بعد استرداد سيناء في 1973 كنوع من مظاهر الاحتفال بالحدث، وغيرها من الأغاني التي رنت في كل مناسبة وحدث عظيم، أذيعت في الميادين وحفرت في قلوبنا وأثرت في جنودنا، وحظيت بصدى كبير وعاشت لسنوات تذاع وتغنى واتفق عليها الكثير.

لغة الضاد والفن الهابط

انتشرت في السنوات الأخيرة أغان بالعامية الدارجة، خالية من المعاني الراقية، كثيرة الصخب، ضعيفة المضمون الإيجابي، وبها ما يحرض على الفساد، رفضها البعض، وأحبها البعض وغناها، حتى أصبح منها أكثر الأغاني انتشارا، مما يجعلنا نتوقف للحظة تساؤل، هل أذواق الجماهير هي سبب هذا التغيير السلبي؟ وإذا اختار الجمهور هذا النوع، أنتركه ليتغلغل في المجتمعات وبأذهان أبنائنا ويغير من تصرفاتهم؟

وهل يكون هذا العصر هو عصر انتهاء لغة الضاد وتشويهها؟ أم أنها ستظل خالدة، ويساند الفن في إحيائها؟

وإن قارنا المجتمعات التي نشأت في الوقت الذي سادت فيه الفصحى، بالمجتمعات التي شهدت تأخرها واندثارها، فبالتأكيد سنلاحظ لأي حد اختلفت الأذواق والألفاظ والتصرفات العامة، فاللغة لا تؤثر فقط في الآذان بل في الأذهان كذلك.

ولكن برغم افتقادنا للفصحى وجمالها، لم يكن الاعتراض متمركزا بشكل رئيسي حول اللغة او اللهجة او الإيقاعات الراقصة، بل على المعنى والتأثير، فالغناء فن راق، منتشر، واسع وقوي الأثر، سريع الوصول، مما يجعلنا نحتم عليه الارتقاء لمستوى يليق باحترام السامع وخصوصا في كلماته، ومحتوى التصوير. فهل ستحارب الفصحى من اجل الانتشار في السنوات المقبلة؟ هل مازال لها جمهور؟ ام سيهبط سهمها وتنقرض لاحقا بين أجيال الكترونية قادمة؟

هل المشكلة لدى الكاتب ام الملحن، الموزع ام المغني، ام التجارة واذواق الجمهور؟ وهل اذا استمرت الفصحى ستقتصر في المستقبل على الوطنية والدينية فقط؟ ام ستبعث في الاغنيات العاطفية من جديد؟ وهل ستتمكن التوزيعات الحديثة من إحيائها؟

العماني: عدم وجود مدقق لغوي موسيقي.. مشكلة!

وصف الصورة

قال الملحن والموزع عبدالله العماني عن أسرار عدم انتشار أغنيات الفصحى انه لا يوجد مدقق لغوي يفهم بالموسيقى، فعلاقة المدقق اللغوي بالموسيقى تتمثل في وزن الشعر، إذا كان هناك شخص يقوم باللحن، فهناك كلام يليق معه وآخر لا يليق، وعدم وجود مدققين يخلق مشكلة. واضاف: الشباب منهم من غنى، مثل لويس «رحماك يا» أغنية عاطفية، ومشاري العوضي «قدر الله وما شاء فعل» و«قصة» وهما من كلماتي بالفصحى وأعتقد أنهم نجحوا ولكن اغنيات الفصحى لها قبول عند جمهور معين، وانا اتوقع هبوط سهم الفصحى وليس صعوده.

العتيبي: الفصحى لن تنافس الشعبي!

عن هذا الموضوع قال الشاعر النبطي سداح العتيبي: اعتقد ان الشعر الفصيح لم يعط ما يستحق من اهتمام مجتمعي ثقافي وقد تشبعت حياتنا باللهجات المحلية فكان الشعر النبطي الغنائي سباق بالانتشار ويجد القبول الواسع.

وعلى المدى القريب لا اعتقد ان الفصحى منافس للشعر الشعبي.. ولكن اذا كان الموضوع دينيا او تربويا او وطنيا فقد يجد قبولا وأتمنى ان يكون له تواجد يليق بتاريخه العريق.

الحمادي‬: الفصحى ستعود شرط اللحن الخفيف‬..وألبومي المقبل معظمه «فصيح»

وصف الصورة

‫وعن رأيه اذا كانت الفصحى ستنجح إذا استخدمت في الأغاني العاطفية من جديد وليس فقط التربوية والوطنية، قال الفنان المطرب عبدالهادي الحمادي: نعم، فالفن بحر وله متذوقون ومبحرون فيه، ويعتبر شيئا من الأدب والثقافة، ويوجد العديد من المحبين للفصحى، سواء في الشعر او الكتب او الأغاني ولا يفضلون سواها، وقياس هذا لا يقتصر على مواقع التواصل الاجتماعي، بل القياس يكون من زاوية أشمل وأوسع، فالمثقفون فئة كبيرة لا يمكن محوها او تجاهلها.‬‫

فقريبا جدا سأطلق ألبوما معظمه بالفصحى لشعراء كويتيين كبار مثل فهد العسكر ودكتور شاعر تونسي، وبه أغنيتان عاميتان، والفصحى بالنسبة لي مهمة جدا لأنها لا تخاطب الكويت فقط بل تخاطب المصري والفلسطيني واللبناني والكويتي، فهي لغة الوطن العربي بأكمله لأنها لغة القرآن، لغة الجميع، فالكون كله قد بدأ بالفصحى، لم يكن هناك وجود لأي لغة عامية.‬

واضاف: انا غنيت «رق العذول» وهي أغنية عاطفية فصحى ونجحت نجاحا مبهرا، بلحن رومانسي كلاسيكي وأضفنا إليها إيقاعات وتوزيعات عدنية، وكانت دويتو مع الفنان الراحل سلمان زيمان، وفتحت لي أبوابا كثيرة، ودول أخرى تطلب مني إحياء حفلات كبيرة بسبب هذه الأغنية.

والعديد من الناس وحتى الشباب في السن المراهق يحبون ويستمعون إلى الفصحى، هذا الشباب بصفة عامة وإذا خصصنا سوق الأغاني لدولة بعينها سنجد أيضا مستمعيها المهتمين بها، ففي مصر على سبيل المثال انتشرت بها الأغنية السريعة ولكن مازالوا يستمعون لـ (أم كلثوم) و(فريد الأطرش) و(عبدالحليم) و(أسمهان)، وبجيل الشباب اليوم من يسمعون (العدني)، خاصة شباب الخليج، العدني كله فصحى، مثل أشعار لـ (عنتر بن شداد) و(أحمد شوقي) و(المتنبي) فهو فن مقتبس من اللون الهندي، صنع هذا الفن الفنان الكبير رحمه الله عليه (محمد جمعة خان)، قام بمزج الفن الهندي بالشعر الفصيح، فسرّ نجاح الأغنية هو في اللحن، قد يسمعها شخص غير مثقف ويعجب بها بسبب لحنها، ليس شرطا أن أجعل من لحن أغنية الفصحى لحنا ثقيلا لأن كلماتها بالفعل فصحى ثقيلة، ‫إذا تم توظيف الكلام في لحن جميل وخفيف على اذن المستمع، ومن هنا يأتي دور الملحن، فيخفف من ثقل الأغنية، فأحيانا تكون الكلمات ثقيلة ولكن بذكاء الملحن او الموزع يمكن تبسيط الأغنية لتكون محببة لأذن المستمع.

‫لذا اتوقع أن تحيا الفصحى كما كانت ويعاد جمهورها كما كان طالما أن هذا الفن مسموع، وهذه الأشعار موجودة والأدب موجود، إذا لن ينتهي شيء، كل شيء يعود والدليل على ذلك أن الأغاني القديمة مازالت تسمع، وإلى يومنا هذا وفي عام 2020 لا يوجد أي فنان يظهر في الحفلات او التلفاز إلا وهو يعيد على الأقل أغنية قديمة بالفصحى.‬

إلى وزارت الإعلام والثقافة العربية

إلى وزارة الاعلام الكويتية ووزارات الاعلام والثقافة العربية، شكرا لدعمكم المطربين والملحنين وغيرهم بتكليفهم بالاغنيات ولكن من باب الحفاظ على اللغة هل يمكن تبني اغنيات الفصحى بكافة قيمها ومواضيعها بالاشتراط ان تكون ربع الاغنيات المكلفة على الاقل بالفصحى؟

أميرة عزام – الأنباء

إن إدارة موقع "سيدر نيوز" غير مسؤولة عن هذا الخبر نصاً ومضموناً، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com