الرئيسية » اراء, تربية وثقافة, عاجل, لبنان, مقالات, مميز » ميشال الزبيدي يكتب: سخافة الطبيعة وعظمة الفيسبوك!

facebook

 

 

ميشال الزبيدي •• – cedarnews.net

منذ عقود ليست ببعيدة، كنا نعيش هاجس الخوف من الآلة، فصدرت الكتب وأُنتجت الأفلام التي صورت حرباً قادمة بين الآلة والإنسان الذي إخترعها، وطبعا قيل أن الحرب هذه ستنتهي بإنتصار الآلة على الإنسان.
مرّت الأيام، وأنا أراقب منتظرا هذه الحرب والنتائج الكارثية على بني البشر، الحرب التي كان من المفترض أن تنتصر فيها الأرقام على المشاعر، والمادة على الروح، فتتفكك الروابط الإنسانية وتنحّل المجتمعات أو يضرب الإنسان بوجوده الحالي.
أما وقد مرّت الأيام، ها أنا أكتشف أن تلك الحرب قد إنتهت ليس بإنتصار الآلة على الإنسان، إنما بتحَول الإنسان نفسه الى آلة بطريقة دراماتيكية. آلة جامدة فارغة تشبه المعدات  الكهربائية والالكترونية والهواتف التي يحملونها نهاراً وينامون معها ليلاً، حالمين بصورة سخيفة ومحادثة ركيكة بلا طعم ولا معنى. هذا اذا رمينا جانبا تهم الدردشة الجنسية الإباحية والبزيئة القذرة.
ولتأكيد كلامي، ما عليك يا عزيزي سوى مراقبة من حولك في هذه اللحظة، في المنزل كنت أو في الشارع، سترى بني آدم يلتقطون آلة هاتف صغيرة بعيون جاحظة في شاشتها، تركيز عال وتأهب لملاحظة أي حرف، لدرجة أنه لو عاد أي فقيد من أجدادنا لإعتقد ان هذا الشخص قد أصيب بالجنون، أو انه نابغة يقوم بإختراع سيغيَر وجه العالم… أما الحقيقة فهو يجري محادثة بلا طعم أو لون، أو انها سيدة تتفرج على صورة من سهرة أراكيل بطعمة جديدة.
تلك الصور التي يحرقون أيامهم و”بايتاتهم” بإرسالها أو إستقبالها تفوقت في نظرهم على جمال الموناليزا، أو انها تفوق بأهميتها صورة أول رائد فضاء على سطح القمر. وطبعا تلك الصور في أغلب الأحيان تكون شبه عارية تفوح منها رائحة السيليكون في أنحاء جسم يوحي بإغراء من الشفتين نزولا الى أصابع القدمين.
أصبح الإنسان آلة غير منتجة في هذا العالم الإفتراضي، وهذه التقنية كان علينا أن نتذوقها أولا ثم ننهل منها حسب حاجتنا، إلا أن عالمنا إلتهمها في زمن جوع، ليصاب بتخمة، فأصبح معدنه هو البلاستيك، لا اللحم والدم.

فرغت الساحات وإبتعد الإنسان عن الإنسان وعن التراب والطبيعة، أصبح منزويا في غرف مغلقة، بغربة عن جمال العواصف ودلال الرياح، وهدير السواقي المنحدرة من الجبال، نعم..  هكذا إنحدر الإنسان من سخافة الطبيعة الى عظمة الدردشة على الفيسبوك وغيره من أبراج بابل الحديثة.
أخاف على المستقبل الذي لن يكون فيه أبطال ولا رجال سياسة تقود الشعوب الى الأفضل، وسنصاب بالإستسلام، لنصل الى خسارة الوطن بعد خسارة العائلة، سيقودنا مبرمج الكتروني بطل، فيبرمج العقول حسب مصالحه الإقتصادية، فتساق أولادنا كالأغنام.
في جميع الأحوال لم أعد أنتظر قائداً فينيقياً ولا شعارأً وطنياً يشبه شعار ال 10452 كم2… انما أنتظر قائداً إجتماعياً يصرخ صرخة ترتعد لها السماء، صرخة تعيد الإنسان الى أحضان أمه الطبيعة… وغدا… لناظره قريب…

**  ميشال الزبيدي إعلامي لبناني مؤسس جريدة ال “سيدر نيوز” في نيويورك ولبنان


فيسبوك

التعليقات


الاخبار والمواد الواردة في موقع "سيدر نيوز" لا تعبر بالضرورة عن رأي ادارته او العاملين انما تعبر عن رأي مصدرها الذي يتحمل كامل مسؤوليتها للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات: info@cedanews.net
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com