منذ عودته من المنفى، لم يعان العماد ميشال عون كالمعاناة التي عاشها في ليلة الفرز الطويلة مساء الاحد الكبير.
فكاد المقر في الرابيه لا يتسع له، يزرع الارض جيئة وذهابا، فالأخبار السارة غابت تقريبا، وما زاد من معاناتة عودة صهره جبران باسيل الى الرابية مثخناً بهزيمة واضحة لم يصدقها احد من العونيين، والذي فاقم الامر تعقيداً وصول نتائج زحلة الكارثية، حينها شعر الجنرال ان طاولة الاثنين ستفرغ من ستة مقاعد.
والعماد عون لم يطمئن كثيرا للتحاليل التشجيعية عبر المؤسسة اللبنانية اللبنانية للارسال التي جهزت «البوديوم» والضيـوف ومكتب الاحصاء خصيصاً لطمأنته، لكن ارقام الاقلام والصناديق اقنعت الجميع بأن الكارثة حلت الا ضيوف المؤسسة ومحلليها الذين اشاروا الى هوية الناخبين وعاينوا الثقل المذهبي في هذه الدائرة او تلك، والنقاش يدور اليوم في المؤسسة عن الاسباب الحقيقية لهذه الامسية وان الشيخ بيار الضاهر يعقد الاجتماعات لمناقشة اسرار التغطية الانتخابية ويسأل عن الطريقة التي اعتمدت، وعن سر الغداء الذي جمع بعض الفاعلين فـي المؤسسـة واحد المراجع الامنية السابقة، وهل كان الغداء سببا لهذه التغطية المنحازة.
وبالعودة الى ليلة الفرز الطويلة، وحدها جزين أمنت للجنرال عون فوزا نظيفا، ذكرته بالليالي الملاح في انتخابات العام 2005، يومذاك كانت النتائج ترد محملة بالفوارق الكبيرة، اسقطت رؤوسا وعائلات سياسية وبدت كالاعصار يضرب في الاقضية المسيحية.
لكن ما أبعد ليلة الامس الحزينة عن ليالي العام 2005.
فالفوز الكامل للائحة بعبدا لم تهدئ كثيرا من قلقه، فهو يعرف تماماً معاني وحجم والتزام الصوت الشيعي الهادر في هذا القضاء، لذا يهمه كثيرا الصوت المسيحي الصافي حتى يستطيع مواجهة من اراد ان ينتزع منه هذه الـصفة التمثيلية المسيحية عنه.
ولأن يأتيك بالاخبار من لم تزود.
وصلت الى الرابية نتيجة الاشرفية التي حلّت بالعونيين، فالتحق اللواء عصام ابو جمرا بالوزير جبران باسيل حينها ادرك الجنرال ان تعبه في الدوحة ذهب مع الريح، ولاحق ارقام المتن التي زادته خوفا خصوصا ان لائحة الانقاذ المتني بدأت طلائع ارقامها ترد من «العمارة» لترتفع وأوصلت الفارق الـى اكـثر من اربعة الاف صـوت لمصلحـتها.
لكن الجنرال اطمأن كثيرا حين وصلت صناديق برج حمود، فاكتشف كما اكتشفت لائحة الانقاذ المتني ان تصويت الطاشناق اعاد ترتيب الناجحين واعاد لعون بعضا من المعنويات، وهنا تسأل اوساط لائحة الانقاذ المتني عن سرّ «الطحشة» للطاشناق وما هي الاسباب والدوافع، خصوصا ان مصالح تجارية مشتركة بين بعض المرشحين والامين العام للحزب، وان المرشح سركيس سركيس ابلغ الامين العام فسخ الشركة بينهما في احدى المؤسسات التجارية، طبعا اسباب سركيس غير تجارية.
لكنه لا ينفك يسأل شريكه عن اسباب الاندفاعة الارمنية للحزب في برج حمود رغم ان نائب الطاشناق فاز بالتزكية.
وعلى هذا الايقاع تابع العماد عون من مقر وقائع ليل الفرز الطويل، ينتظر نتائج قضاء كسروان – الفتوح.
ولم يعر اهتماماً كبيراً بفوز مرشحيه في قضاء جبيل لانه ايقن سلفاً بالفوز خصوصاً عندما اتصل بأحد الفاعلين الحزبيين فقامت احدى المرجعيات بزيارة عاجلة للقضاء لبّى بعدها الشيعة النداء واوصلوا عديد الناخبين الى عشرة الآف مقترع ما سهّل لعون التأكد مسبقاً بالفوز في قضاء رئيس الجمهورية ليسجّل بذلك اول انتصار استراتيجي في معارك يوم الاحد الكبير.
لكن منتصف الليل، بدأت وسائل الاعلام في التيار الوطني تبث الموسيقى الكلاسيكية، فاعتبر المراقبون خصوصاً الخبثاء منهم ان خطباً قد وقع وان العماد عـون خسر شخصياً في معركة كسروان.
حينها تحوّلت العيون المشدودة الى الماكنة الانتخابية لحزب الكتائب، بعدما ملّ المشاهدون تحليلات واحصائيات سهرة المؤسسة اللبنانـية للارسـال، فالماكنـة الكتائـبية اعطت بداية صدارة الترتيب للمرشح منصور البون بـ14 الف صوت يليه فريد هيكل الخازن، كارلوس اده، يوسـف خليل ثم العماد عـون خامساً بفارق الف صوت، لكن المفاجأة عندما وصلت الارقام الى حدود الـ23 الف صوتاً اصبح العماد سادساً اي اول الخاسرين وان لائحة المستقلين والاحزاب ستفوز بالكامل عندها غابت الاعلام البرتقالية من شوارع كسروان، وذهب المحازبون الى الفراش باكراً، واطفأت الرابية انوارها، فالمحظور وقع وامكانية السقوط للجنرال اصبحت واردة.
لكن فجأة في الساعة الواحدة تقريباً عادت السياسة تدب في تلفزيون O. T.V والنشاط عاد ليدّب في الرابية، فالاركان هناك تلقوا اتصالاً هاتفياًمن احد الناشطين في الماكنة الانتخابية للتيار تقول: انتظروا مفاجأة في كسروان فأقلام كفرذبيان وغزير وصلوا، وفيهم الخير الوفير للائحة.
فعلاً صدقت الاتصالات، وبدأت شاشة الماكنة الكتائبية تشقلب الاسماء بطريقة غريبة عجيبة فأصبح الخمسة الخاسرون في الطليعة وهبط الناجحون الى اسفل اللائحة، واستطاعت اقلام كفرذبيان وغزير ان تعيد بعضاً من البهجة لكنها لم تتحول الى انتصار كامل والى احتفالات في الشوارع، فالارقام كانت باهتة والفارق بين اللائحتين كان ضئيلاً.
اذا انتصار كسروان لم يكن انتصاراً كاملاً ولا هزيمة ساحقة، بل أتت النتائج لتؤكد ان عون فاز بالمقاعد الخمسة وان البطريرك الماروني استطاع عبر ندائه من تحويل «التسونامي» الى مرشح عادي في مواجهة منصور البون وفريد هيكل الخازن، فالفارق الكبير الذي وصل في العام 2005 الى عشرين الف صوت بين عون والبون، ضاق كثيراً هذا العام ليصل الى حدود 1700 صوت فقط.
هذا الانتصار لم يشف غليل صقور التيار، وهؤلاء اعتادوا على سحق الخصم كما جرى في الدورة السابقة، يشعرون اليوم ان انتصارهم في اقضية بعبدا وجبيل تحقق بالصوت الشيعي وفي المتن الشمالي تحقق بواسطة التصويت الحاقد لحزب الطاشناق الذي اوصل نائبين على الاقل هما نبيل نقولا وسليم سلهب، لكنه لم يستطع تأمين الغناء للمتنيين مع غسان لمدة اربع سنوات على الاقل.
ابراهيم جبيلي


















Add A Comment